حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية
أزمنة الريح والقلق والحرية

الفصل التاسع: الفنون المنتصرة: الطرب والشعر (السماع) والبصر

المحتويات

نعمل - نحن أسرة حيدر ابراهيم - على إتاحة كتبه جميعها مجاناً للمنفعة العامة ومواصلة مشروعه التنويري. تبقى جميع الحقوق محفوظة ويمنع طبع أو نشر الكتب الا بموافقة مكتوبة.

جاءت صفة الانتصار للفنون، إيحاءً من قصيدة (جدارية) الشاعر (محمود درويش) قبل وفاته:

هزمتك يا موت الفنون جميعها
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد
الرافدين، مسلة المصريّ، مقبرة الفراعنة
النقوش على حجارة معبد هزمتك
وانتصرت، وأفلت من كمائنك
الخلود...
فأصنع بنا، وأصنع بنفسك ما تريد

حقيقة أننا بالفنون نعيد ترتيب هذا العالم ونخرجه من فوضاه ومن قساواته. فنحن نعيش حياة الثقوب، وأحيانا كثيرة نعجز عن حملها والاستمرار فيها، لولا الفنون، تروي الأساطير سرقة (بروميثيوس) لشعلة النار من الآلهة وأنزلها للبشر في الأرض. ويقول المفسرون أنها نار المعرفة، والحقيقة هي نار الإبداع وهذا هو سبب غضب الآلهة: سوف تشاركها الكائنات في شكل جديد للخلق. ولكن الفنون صارت لفترة طويلة خادمة للأديان أو مساندة لها. وحين شعرت الأديان بمنافسة الفنون حول الروح، لم تستطع تحريمها تماما لأن ذلك ضد الطبيعة البشرية وبالتالي مستحيل.

وتصالحت الأديان مع الفنون وحاولت أن تستفيد من وظائف الفنون بجعلها داعمة للعقيدة الدينية ومعززة لها في نفوس المؤمنين أو حتى المتشككين. وكشف بعض الأنثروبولوجيين عن مجتمعات بلا أديان، ولكنهم لم يعثروا على ثقافات تخلو كلية من الفنون. فقد كانت متعة الفنون تمثل باستمرار حياة موازية تسمو بهذه الحياة الصعبة والغامضة في أحيان كثيرة، وذلك بجعلها تستحق أن تُعاش. وهذه هي عملية السمو والتعالي بالمعنى العلم/نفسي (sublimation)، أو بالمعنى الوجودي بتزويد الإنسان بالشجاعة والصدق في مواجهة تقلبات الحياة، وعبثيتها، وضجرها، وسأمها. فالفنون ليست هروبا من الحياة ولكنها لعب بها. وهذا نوع آخر من السيطرة على الطبيعة البشرية، مثلما يقوم العلم بالسيطرة على الطبيعة الفيزيقية.

تمثل الفنون الأمل والتفاؤل والحق في حياة أجمل رغم حقائق الموت والعجز والمرض. وهناك مثل يقول أنه حينما يكون الرجل شابا ينشد الأغاني، فإذا كبر يضع الأمثلة ويتحدث بها، فإذا شاخ صار واعظا متشائما. وهكذا ترتبط الفنون بالأمل والفرح والمستقبل. وكانت الدراما منذ القدم وسيلة التطهر وبالتالي تحقق التنفيس (catharsis). وفي السودان الكئيب والحار الجاف كانت الفنون ضرورة حياتية رغم حصارها رسميا. وظلت خارج هيمنة الدولة والتي لم تكن قادرة أو راغبة في رعاية الفنون وتنميتها. وقد كنا، ومازلنا نبني بيوت محبتنا ووطننا الجميل داخل الأغاني والأناشيد وليس على أرض الواقع القبيح الممسوخ (metamorphosis) حسب كافكا. ونردد لسنوات طويلة: "حنبنيه البنحلم بيهو يوماتي" وطال الحلم، وصار الوطن يتآكل تحت سنابك التتار. ونحن نتمسك بالفن سندا وملجأ لا يخذل.

نشأت محاطا بلذة الأصوات والسماع، حيث كان يطربني الغناء في المدينة، ويمتعني المديح والطنبور في العطلات ب(القُرير)، وفي (الدويمات) كانت أغاني الرق والدلوكة والكبريتة، وفي (كوستي) و(سنار) كانت بدايات "التُم تُم". وفي المدن عاصرت زمن انتقال الموسيقي من الرق للكمان (الأدهمية)، وللعود وامرائه.

وكان التطور التذوقي والخيالي لديّ، قد مرّ: أولا بالأحاجي، والأغاني والشعر والموسيقي أو الطرب ثم جاءت السينما، وبعدها تذوق الفنون التشكيلية المرئية والمسرح. وهو تطور من ثقافة الأذن لثقافة العين ثم الاثنين معا. وكانت البداية مع الفنون، عفوية، وبدئية (يقال بدائية)، وسهلة، جاءت مع الأحاجي، والقصص الأسطورية. وهذا ما رعى وأيقظ في الخيال وحب السرد، وصرت لا أروي أو أحكي أمرا بدون سرد ما قبله أي مقدمة، لكي يكون الدخول إلى ما بعده (أصل الموضوع) سلسلا، وشيقا، ومهما (أو بالأصح مثيرا للاهتمام وليس عابرا). ويرى في البعض ساردا أو ونّاسا (نسبة للونسة)، وهذه من جينات (بت أحمد) التي لازمتها بعد التسعين.

موهبة السرد والحكي من ميراث عائلة والدتي، فأمها (آمنة بت ستوت) ضريرة وتذكرني بـ (ترسياس) العراف في تراجيديا (سوفوكليس) المشهورة (أوديب ملكا). وقد مدتني بكثير من تراث الشايقية ولها ذاكرة فوتوغرافية في حفظ الشعر. وكان خالي (بابكر) حكّايا مدهشا، تحكي له حدثا ما، ويعيد قص الموضوع وكأنه الشاهد عليه وكأنك تسمع الحكاية للمرة الأولى. أمّا خالتي (زينب) فكانت شهر زاد الحُجا، والقص، وتمثيل ما تسرد مهما كان الموضوع ثانويا. ولكنها "اتبدلت" تماما - حسب لغة العقل الشعبي عندما يتغير الإنسان بطريقة محيرة - فقد أُجبرت على الزواج ولم تكن راضية. فدخلت في حالة اكتئاب وتدين متعصب، فضاعت تلك الشخصية المرحة والتي تعلمت القراءة والكتابة بعصامية نادرة مع صبيان خلوة (شيخنا العوض) المجاورة. ثم كان الإشلاق مصدرا آخر للقصص والخيال. ففي الليالي المقمرة، وفي عمر مُبكر وقبل دخول المدرسة، كنت أجلس أمام (روضة) زوجة جارنا (هجو قاسم)، لتحكي لي ملحمة (موسى ود جلي ويوسف سنينات) ومازلت أطرب للمناحة:

حليل موسى
ياحليل موسى
حليل موسى اللي الرجال خوصة
يوم جانا الحصان يمشي على ضهره السرج مقلوب
أبكنو يا بنات حي ووب

حتى تصل:

ما بياكل الملاح أخضر ولا بيشرب الخمر بسكر

ويقال أن الشايقي في هذا المقطع قلل من قيمة هذا الفارس لأنه تنقصه شروط الفروسية والذوق عندهم، قائلا: "بس، يبكوه لي شنو الما بياكل الملاح أخضر ولا بشرب الخمر يسكر!". وبعد دخول المدرسة، كانت قصص كتب (مكتب النشر) وكامل كيلاني، ومجلة (الصبيان). ومن المرحلة الوسطى دخلت عالم الروايات والقصص المصرية والكتب المقررة في المدرسة ال (literature) المبسطة وهي تمهيد جيد للأدب الأجنبي.

تعرفت على (عثمان علي نور) أول من أصدر مجلة للقصة في السودان، وأصدرت عنه عددا خاصا من مجلة (كتابات سودانية). وكانت فترة إصدار المجلة قد شهدت اهتماما بكتابة القصة في السودان. ويرى (عبدالمجيد عابدين) في ذلك، انتقالا لمرحلة الكتابة الحديثة من الكتابة القديمة والتي عرفت الرسائل الرسمية والأخوية والوعظية، وكتب الأخبار والطبقات. وأضافت الكتابة الحديثة موضوعات جديدة، ويقسم النقاد هذا الأدب إلى قسمين رئيسين: أدب يصف الحياة مباشرة وهو إمّا وصف أو قصة، وأدب يصف نفسه وهو النقد. ويقول بأن السودانيين عرفوا الكتابة القصصية في وقت متأخر، فعالجوا الأقصوصة في المقالات الصحفية، والقصة الكبيرة كما في "تاجوج" والسيرة الذاتية كما في "موت دنيا". ودارت موضوعات القصص حول: الحب والتصورات الغرامية، والزواج والحالة المالية، والوظيفة. وكانت أكثر الكتابات عن الحب ولكن يسميها (عبدالمجيد عابدين): "تصورات هامة لمواقف وحالات غرامية. وفي وصفها يظهر نوع من الجموح والإسراف. ويرى (إحسان عباس): "تأثير تلك العاطفة المرهقة المغرمة التي زخرت بها أولى المترجمات في مصر من أدب الغرب. فهنا صور من ماجدولين وآلام فرتر وغادة الكاميليا، وصورة من طريقة المنفلوطي في أقاصيصه العاطفية، ومن شخصية قيس في رواية مجنون ليلى". (من الذي سرق النار، 1980:319). ويعود اعتماد قصص الحب على الخيال والذاكرة - حسب (عرفات محمد عبدالله) إلى: "أن بلادنا ليس فيها من حوادث ما يتخذ موضوعا لقصة قوية، لأن الاختلاط بين الجنسين غير ميسور". ويضيف: "أن مجتمعنا السوداني أقل المجتمعات ازدحاما بالعاشقين والمعشوقات، وذلك لطبيعة بلادنا وعادات أهلها الموروثة، وتقاليد ديننا، وإذا فقد الاتصال فلا سبيل إلى هذا الحب، إلا إذا كان حبا صوريا كاذبا لا قوة فيه". (الفجر عدد 23 ص 1099).

يتحدث السودانيون عن حقبتين تمثلان عصر نهضة، الأولى الثلاثينيات والثانية الستينيات. ويرى بعض النقاد أن الستينيات شهدت ازدهار التيار الواقعي كتيار عام تتخلله من آن لآخر بعض الأصوات. وظهرت في تلك الفترة عدد معتبر من كتاب القصة القصيرة من أهمهم: عيسى الحلو، وعثمان الحوري، ومحجوب شعراني، وأحمد الأمين البشير، ومحمود محمد مدني، وعبدالله حامد الأمين، وإبراهيم إسحاق، وعبدالله علي إبراهيم، ومصطفى مبارك، وبشير الطيب، والطيب زروق، وجمال عبدالملك (ابن خلدون). وقد اكتشفت (الطيب صالح) مبكرا في قصة (عرس الزين) التي نشرت في مجلة (حوار). ولكن لازم عيب عدم المثابرة الإبداع السوداني، ولذلك لم تظهر مدارس وتيارات قوية ومؤثرة والأهم من ذلك الاستمرارية والتراكم. وفي الفترة الأخيرة ظهر عدد من الكتاب الشباب ولكنهم "جيل بلا آباء" مباشرين ووجدوا مرجعيتهم من خارج السودان من هؤلاء: أمير تاج السر، وحمور زيادة، وأحمد الملك.

كان السماع هو رافد التذوق والجمال، المبكر الثاني بعد الحكي. ويقول الصوفيون: "أن السماع لقوم فرض، ولقوم سنة، ولقوم بدعة". فقد أحببت الشعر لاحقا، وقد يكون بسبب الغناء البيتي والمديح، كانا يملأن المنزل والأجواء من حولي. كانت (بت أحمد) تغني أو تدندن قرب الصاج مع العواسة ومع الطبخ والغسيل، والمزارعون في الجروف وعلى السواقي، والعرب الرحل تأتي أصوات دوبايهم - نوع من فن الغناء السوداني - ليلا من الخلا، وحفلات الأعراس بدءًا من تعليم رقصات العروس حتى الحفلة الرئيسية بالرتاين، وما زلت أسمع صدى أغنيات مثل: "عيون الصيد ناعسات عيوني" وفي الأيام العادية (حسن بدري) و(العوض ود أب شقة) فوق القوز يترنمون بمصاحبة نقرشة علبة الكبريتة. وفي (سنار) يوضع الراديو على رف صغير أعلى المدخل لبث صوت الغناء ويفصلنا عن السوق شارع صغير، وتتجمع نسوان الإشلاق في منزلنا القريب للرقص مع الموسيقي والكاشف يردد: "وأنا قلبي تاه في يوم الزيارة". وبعد ذلك في نادي البوليس بدنقلا صباح الجمع وبرنامج "ما يطلبه المستمعون" وكان (أحمد المصطفى) يكتسح البرنامج وحده. وكان الراديو يعمل ببطاريات اللواري والتي تُعبأ بموية النار، وفي 1953 ظهرت بطارية جافة في حجم الطوبة تماما. وفي العام التالي، بمناسبة قبول والدي في كلية البوليس، أصررت على شراء راديو وقد كان. وصار التجمع بمنزلنا في الأمسيات بالذات يوم الأربعاء لسماع برنامج: "حبوبة فاطنة".

رغم علمانيتي الظاهرية ولكن يهز المديح "القديم" في داخلي أوتارا حساسة ويملأني بنشوة ولذة علوية. وقد كان جدي (أحمد) "يعشق" عندما يندمج في مدائح ولاد (حاج الماحي) خاصة تلك التي تصف الطريق إلى الحج ثم تصل "طيبة"، مع صوت الطار الصاخب الرنان، والذي يتردد ويعود صداه في الفضاء كله، يدوخ أو ينجذب (جدي أحمد)، ويُرش بالماء أو العطر - إن وجد - وهذا ما يسميه الصوفية "الجذب" عشته ولم أسمع به أو أقرأ عنه. وهو نتيجة ما يسمى صوفيا ب"السماع الباطني" للمديح المموسق. ويستنكر بعض المتدينين السلفيين وأهل الدين البدوي، هذه الطقوس وما يصاحبها من حالات وجد وعشق. أما الآن فقد طال التدهور والانحطاط الثقافي، المديح النبوي. وصار المديح بالجيتار، وتؤديه الفرق الموسيقية بلبس خاص (uniform) ألوانه زاهية وبراقة. وحتى اللغة الروحية تغيرت، فيخاطب النبي الكريم: "سعادتك بالاسم مطلوب". وهذه لغة جيش وعسكرية، وليس مدحا وذوبانا روحيا في حضرة نبوية.

ظل المديح مكونا ثقافيا إبداعيا واجتماعيا في حياتي الأولى غير المعقدة. وكان موجودا في نشاطات عدة وقد يمثل عملا ومصدر رزق. وقد كان قريبنا (محمد سعيد) مادحا متجولا مثل (التروبادور). وكان "ينزل" عندنا في (عطبرة) حيث يأتي سيرا على الأقدام والحمير - لو تيسرت - والمراكب من (القُرير). وهو مشوار عادي وروتيني، والبعض كان يعمل في أشغال البناء أثناء الطريق، وقد تستغرق الرحلة حتى (شندي) شهورا. كان لديهم فائض من الوقت، فقد كان فراش البكا (بيت العزاء) يستمر 40 يوما، كذلك فترة الوضوع أو النفاس - الولادة - حتى تتم الأربعين يوما. وكان "ميدان الأمم المتحدة" في نهاية الستينيات مرتعا للمداحين، حيث يضع المادح عمامته أو سرواله -أيهما أكبر- على النجيلة لتوضع عليه "نقود" أو "بياض" السامعين. ومن طرائف شيخ العرب (ود أب سن) الكبير، يروى أنه جاءته مجموعة مداحين. فردهم الرجل الحكيم قائلا: "منو القال ليكم النبي داير شكركم (مدحكم)؟ أو "منو العابو؟". وهذا قول صحيح، لأن النبي كامل الصفات ولا يحتاج لمدح البشر.

يربط الموسيقار (الفاتح الطاهر) بين نشأة الموسيقي والغناء، وقيام المدن بعد دخول الاستعمار، يقول: "إن أهم ميزات تلك المرحلة هي بداية تمركز الثقافة بما فيها الموسيقي في المدن الكبيرة التي كانت مهدا لكافة الظواهر الثقافية الإبداعية في البلاد". (أنا أمدرمان، ص 20). كما أن الموسيقي ارتبطت بنشوء مؤسسات حديثة مثل الجيش السوداني حيث قُسم إلى عدة أورطات ولكل أورطة تتبع مدرسة موسيقية تقوم بأعداد موسيقيين عسكريين يعزفون على آلات النفخ الخشبية والنحاسية التي تتميز بإرسال التنغيم وتوصيله كامل الصدح والرنين إلى متسع الأجواء المفتوحة". (ص 22) كما كان للجاليات الأجنبية التي وفدت للسودان عقب الاحتلال، دورها في إدخال كثير من الآلات الموسيقية الحديثة، كما كانت تعقد مهرجانات أو احتفالات في مناسباتها القومية وقد ساعدني الحظ في العيش مبكرا في مدينة أعطت الموسيقي والطرب والفرح والبهجة، قدرا كبيرا من تكوينها ومزاجها. فقد عمل والدي في نهاية الأربعينيات ب(كوستي) وما زلت أذكر الميناء النهري والنقطة وحي (الرديف) ويتكون في الأصل من عساكر مسرحين والاسم تحريف للكلمة الإنجليزية (R. D. F) أو (Reduction Defence Force). ويقول (الطاهر) أن أغاني (التم تم) ظهرت فيها في عام 1935 والتي كان يقوم بأدائها ما أسماهن "النساء سيئات السمعة" بواسطة الآلة الإيقاعية (الدلوكة) خلال استقبال ضيوف المدينة. وكان الغناء "عن الحب الرومانسي وعن معاناتهم وعن إخفاقاتهم وعن أحلامهم بالمستقبل الأفضل". (ص 54) وكان (إسماعيل عبدالمعين) أول من طور هذه الأغاني واستخدم فيها العود وساعد على نشرها في المدينة. ولا يمكنني إهمال تأثيرات ثقافة نغمة ولحنية، مصدرها حلقات الزار التي لم تكن تنقطع. ومن بينهم أصوات قوية وعذبة لنساء ورجال، ومن أقوى الأصوات التي كانت تشدني صوت (ود سلمنا) وهو - ينده - في المقطوعة: يا ود الفكي إبراهيم، ويكاد أن يوقظه في قبره.

كانت المدينة الثانية (الخرطوم بحري) ومنها ظل صوت عائشة الفلاتية يرن في أذني طوال العمر، وصورة نادي العمال - الخرطوم بحري عام 1950. وكنت لأول مرة أرى خشبة مسرح عليها فنانون ذكور، ومونولوجست (أحمد سليم ضربه) وفنانة! لقد برّني والدي في ذلك اليوم بحضور ذلك الحفل، وبرفقة أصحابه من رجال بوليس السكة حديد الذين كانوا يسكنون معا في حي الوابورات. فهم سعداء، يضحكون ويمرحون كثيرا رغم العمل المرهق والسفر المستمر إلى الجنوب والغرب، والورديات الليلية، وحراسات القطارات والمحطة والميناء النهري. وقد كان ل(عائشة الفلاتية) مكانة خاصة بسبب الريادة، فهي أول إمرأة تغني للحب والعاطفة علنا. فقد كانت المغنيات القديمات مثل (الشريفة بت بلال) تغني للحرب والفروسية: "أنا شريفة بت بلال بت العسكر القدام سنة حرابة سنار حاربت مع الرجال". كذلك أغاني السيرة، وهي التي بعثت في زمن التراجع الحضاري هذا، ولكن (الفلاتية) كانت معبرة عن صوت المرأة العاشقة المخبوء، وكسرت التابو لتخاطب الحبيب مبادرة بالغزل وهذا من غير المعتاد:

" يا بلال تزورني مرة
أنا يا حنان زورني مرة
قلبي حباك ما لي بقساك
وأنت صورة ولا بس ملاك
يا بلال تزورني مرة "

وكانت تردد أوصافا جديدة معبرة، مثل: أنت وزة وأنا ليك بحر.. هذه الأغنية تصاحبها قصة طريفة، إذ يحكى أن (أبو البدوي) كان محاسبا في (المخازن والمهمات) وفي بداية أحد الشهور، غيّر طريقه فذهب بمرتبات العاملين يوم الماهية من المالية إلى (الحلة) مشتريا - تقريبا - كل مخزون البارات. وفي ذلك الخميس حصلت أزمة في كميات (البيرة) و(الشري) وتفشى خبر أن (أبو البدوي) اشتراها كلها. وبدأ البحث عنه، ولكن اليوم التالي كان عطلة الجمعة، وفي يوم الأحد القى القبض عليه وحوكم سريعا. وقد شاهدته في سجن (زالنجي) عام 1961، وبعدها عمل محاسبا بالمجلس ولم تقف السابقة الجنائية عقبة، لأنه عمل في الحكومات المحلية وليس الحكومة المركزية - كما كان ينص قانون الخدمة المدنية - وكانت هناك أغنية (دكاكينية) موازية بنفس اللحن ولا أدري أيهما الأسبق؟ تقول:

يا أبو البدوي زورنا مرة
يا أبو البدوي زورنا مرة
الحياة من غيرك مُرة

ومازلت حتى اللحظة استمع بانبهار ومزاج عال لأغنية:

" عني مالم.. صدو اتوارو
حظي عاكس.. ولا هم جارو
جفت العين.. والمنام بدري
الحبايب بي.. لو تدري
راعو إنصافي .. وجليل قدري
وبعدما طال.. الغياب جارو "

وأبلغ حالة النشوة المطلقة أو "عشق جدي أحمد" حين تغرد:

" ولا سافر فارق أوطانو
وسار معاهم أينما سارو "

وقد روجت بجرأة لكلمات الغزل الساخن في:

" يا سمسم القضارف
الزول صغير ما عارف
قليب الريد كل ما هديتك شارد
حبيب بريدك ريدة، ريدة الحمام لوليدها
يا يمة ماني وحيدي شايلة الصغير فوق أيدي
مابي الفراش وداير الرقاد في إيدي "

تبرز ظاهرة (الفلاتية) ازدواجية الأخلاق السودانية خاصة لدى الإنتلجنسيا فهم يرغبون الاستمتاع بصوتها والإعجاب بجرأتها، شرط أن تنسب لشعب آخر ليس "عربيا أصيلا" مثلهم. فكان اسم (الفلاتية) ولم تنسب لاسم أبيها، تجنبا للخلط بينها وبين غيرها من السودانيات. ولكن جاء بعضهن ليخرب أسوار العنصرية، ويعلن الانتماء لقبائل أخرى. فهناك من قدمت نفسها بـ (أم الحسن الشايقية) و(مهلة العبادية). فاختفى أسم الأب أو الأسرة، وكأن الواحدة خُلعت، ولكنها انتقمت وقررت أن "تفضح" قبيلتها. وكان المجتمع السوداني يتقدم نحو الفنون بحذر، وكانت العقبة الأولى في الغناء هي أن "صوت المرأة عورة". ولابد من إبعاد "بنات الناس" أي الأسر المحترمة من هذا المجال. ولكن هذا المجتمع المسلم المستعرب يتقبل طقسا خليعا واستعراضيا مثل "رقصة العروس". فهي رقصة جنسية شهوانية، بلبس مثير لآخر مدى وأمام الملأ.

كنت في مرحلة مبكرة استمع - قد يكون اضطرارا - لأغاني المدرسة الفنية الأولى، حسب (الطاهر) أو "حقيبة الفن"، وفقا لـ (صلاح أحمد محمد صالح) و(علي شمو). فقد تم بعث تلك الأغاني كشكل لتأكيد الأصالة والقدم في مضمار الفن. ومع نظرية "الفات قديمو تاه"، كان على جيلي أن يدخل الحقيبة ضمن ذائقته الفنية. والغريب أن الكثير من الأوصاف الشعرية لحسناوات ذلك الزمن كانت تثير اشمئزازي أكثر من إعجابي. وأتحفظ على تشبيه أثر الحب بالكي وقطع السكين: "لي معالق الجوف موسو مجلوخة" أو "الجرحو نوسر بي، غُور في الضمير في قلبي خلف الكي". ونفس الشىء، حين تسترجع نساء (الأعشى) الأقرب للأبقار في الطين: "تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوحل" يقصد العرجاء التي تغوص في الوحل أثناء مشيتها من ثقلها. يقول شاعر الحقيبة في وصف الخونتيلة:

"وليها نفيلة تعوم واردافها يلازمو كفيلة "

وكان برنامج (حقيبة الفن) يقدم بهذا المقطع:

" طابق البوخة قام ندا يهتف
نام من الدوخة
أيدو عاقباه جدلة مملوخة "

كنت انتقائيا واستمع لأغان قليلة جدا من الحقيبة، مثل: "هلالي الهل واتكمل" و"أحرموني ولا تحرموني" و" زهرة روما". أما أغاني (خليل فرح) فقد نبهني لها كتاب (حسن نجيلة) الموسوم (ملامح من المجتمع السوداني) خاصة فصول (بين الجد واللهو) ودار (فوز) بالذات أغنيات (عزة في هواك) و(ماهو عارف قدمو المفارق).

أسلمت أذني لـ (عثمان حسين) بلا شروط وبدون منافسة، بأصولية فنية تصل درجة التعصب الأعمى. فقد تقبلت الفنان الصاعد (محمد وردي) صاحب (يا طير يا طاير) و(بشوف في شخصك أحلامي)، ولكنه فقد كل رصيده عندي، عندما افتعل معركة أغنية (إسماعيل حسن): (عارفنو حبيبي). ووسع (حسين عثمان منصور) الفتنة بين الاثنين في مجلته (الصباح الجديد). وعدت لسماع (وردي) مع الأغاني الوطنية و(الطير المهاجر) و(الود) بعد توزيع (أندريه رايدر). وقد كتبت مرثية عن (عثمان حسين) هي في الحقيقة تجيب على سؤال: لماذا الإعجاب به؟ تقول المقالة عن سماع خبر وفاته: ".. وشعرت بأن جزءاً كبيراً من روحي وروح جيلي قد سقط في العدم والسديم، وأن أحد أقارب الوجدان والمزاج والنفس قد غادر العائلة التي كنا نستظل بها، وهو فقد يتجاوز أحيانا حزن أقارب الدم والنسب. فقد كان عثمان حسين أباً روحياً ضم في جناحيه الباحثين عن الجمال، والسمو، واتزان فوضى الحياة في مجتمع عالمثالثي متخلف وكئيب. ووفقا لدرويش، بالفعل ستهزم أغاني عثمان حسين الموت، لأنها ستظل تملأ أركان هذا الوطن الصحراوي، حتى في غاباته، بالشجو والنغم والخيال والمتعة التي نستلها من ذابلات الورود".

شبهت (عثمان حسين) بمؤتمر خريجين إبداعيا مقابل السياسوي. فإذا كانت مهمة مؤتمر الخريجين هي أن يغرس في السودانيين وعيا سياسيا، فقد بيّن عثمان حسين لهم الطريق إلى الجمال والذوق والإحساس الرفيع، وسعى لكي ينبت في دواخلهم الرقة بغير ضعف أو وهن، والتغني بالحب والمرأة بلا ابتذال أو دونية واستغلال، وأن ينقلهم من جلافة الريف والبداوة ويساعدهم في أن يكونوا طبقة وسطى صاعدة تحاول الا يكون تعليمها مجرد قشرة خارجية. ومن هنا جاءت ظاهرة عثمان حسين وكان رجل الوقت، كما يقول الصوفية. فالخريج أو الأفندي صاحب التعليم المدني الجديد وليس الديني التقليدي وساكن المدينة النابتة وسط القيم الريفية والعقل المحافظ، كان في حاجة إلى غناء وفن جديدين، ولأن الغناء والألحان والموسيقي هي أهم الفنون والأقدر على الانتشار والتي يزداد عليها الطلب، كان عثمان حسين هو الفنان المنتظر الذي سيملأ الآذان طرباً وكلاماً شفيفاً بعد أن ملئت رتابة ومللاً. فقد منح المثقفين آذاناً جديدةً مجلوة تتذوق النغمة والكلمة. والأهم من ذلك ساهم في منحهم الخيال وكانت هذه هي دعوة السورياليين في بعث الجمال.

جاءت الرومانسية في أوربا مع أفول النظام القديم، فالرومانسية روح جديدة. وهكذا كان الحال في السودان، فقد جاء عثمان حسين وكوكبة شعرائه وفي مقدمتهم (حسين بازرعة) ليبشّروا الأفندية أو الخريجين بقلوب جديدة:

" ... في القلوب لما بترد أي طارق أي زائر
شايلة هم الدنيا زادها
ماليه كل الكون مشاعر
كل زادي في ضياعي قلبي مفتوح للأحبة
للجمال الأشجى روحي وفي شعوري سحره شبً
ورسالة فن سامي تدعو للخير والمحبة "

تختلف رومانسية عثمان حسين عن الرومانسية الصفراء المحبة للموت والمعاناة والحزن، فهي رومانسية تتعامل مع المرأة كندٍ، ونصف أجمل، وشقائق الرجال. والمرأة عنده كائن علوي يطوف "الفراش الحائر" على زهراته مشتاقا. وهي كأنها تعيش في عالم غير عالمنا، ولهذا يقول:

«خلو الما خطر زول على بالها بكره الدنيا جايالا جايالا»

تصور امرأة تأتيها الدنيا كلها فهي بالتأكيد ليست من ضلع رجل وليست ناقصة عقل ودين بل كاملة العقل والدين والجمال أيضاً، تتشبه بعيونها لأنها تغير منها.

وأمسك بأيدي المثقفين إلى "الوكر المهجور"، و"القبلة السكري" و"أنا والنجم والمساء" و"ربيع الدنيا" و"الفراش الحائر" وغيرها وغيرها، كل هذه مرابع، وأماكن، وأحوال لا وجود حقيقي لها في بلد المليون ميل بؤس مكعب. ولكن عثمان حسين جاء إلى المثقفين المنبتين بالخيال ورفعهم إلى الأعالي. لذلك احتفظ أغلبهم بالتوازن، رغم أن البعض رفض العودة إلى الواقع ووجد في الخمر أو العزلة أو التصوف مهربا ً. وعندما يكون في الخيال يرفع عنه القلم لأنه خارج وضع التكليف. لذلك غنى المثقفين معه: "أصلو الهوى دائي ودنياي وديني"، أو "لولا ربي وجهنم لعبدتك وسجدت بين أيديك"، كانت هذه تربية (عثمان حسين): متعة الخيال وبناء العالم الموازي والمضاد للقبح والركاكة والعادية مثل التي نعيشها الآن، والتي نكاد نختنق فيها، لولا قبسات عثمان حسين وأقرانه من المبدعين.

كان (إبراهيم عوض) امتدادا لدور (عثمان حسين) الحداثي والتغييري للحياة. وفي سلم تطور الطاقة جاءت الذرة بعد الكهرباء التي طردت الظلام وأعلنت النور والتنوير. هذه مجاراة للمجاز وهوس معجبي (إبراهيم عوض) الذين أطلقوا عليه لقب (الفنان الذري) وتزامن صعود نجمه مع الاستقلال تماما فقد كان أول ظهور له على المسرح قبل أسابيع قليلة من إعلان الاستقلال من داخل البرلمان. فقد انطلق في وطن حر ومستقل ومليء بالوعود لذلك كان فنانا مستقبليا وحداثيا بامتياز حتى في مظهره وشكله العام. وكان من الطبيعي أن يخاطب شباب جيله من خلال محبوبته:

" كنا في ماضينا قوة
قوة تتحدى الصعاب "

ويختم ممسكا بالغد ومشكلا الآتي حسب إرادتهم هم، لأنهم رمز للمستقبل:

" تاني ما تقول إنتهينا
تنهي جيل ينظر الينا
باني أماله وطموحه ومعتمد أبداً علينا
نحن قلب الدنيا ديه ونحن عز الدنيا بينا
تاني ما تقول إنتهينا
نحن يا دوب إبتدينا "

قدم (عبدالكريم الكابلي) نفسه كفنان مثقف، متعدد الاهتمامات داخل حقل الغناء والموسيقي. فقد أبرز الفولكلور، وأغنيات العربية الفصحى، والأناشيد الوطنية، والأوبريت (ليلة المولد). ورغم ثقافته ورُقيه يعتبر (الكابلي) أمير الأغاني "الدكاكينية" وهو مبدع أيضا فيها، فقد حوّر بعض المدائح، مثل:

" الكباشي القيدو في شبلو عدمو السورة ومن الطريق عدلو "

وفي أوبريت (مروي) غنى العديد من إبداعات الشايقية في مثلث (مروي، القرير، نوري)، فقد ترنم بـ (القمر بوبا عليك تقيل) وعرج على: (يا اللوري تشيل منو بلا غزل نوري تشيل منو)، ثم كانت أغنية قريتنا الشهيرة:

" أماني القوز علينا ظلم
شال حوة ومعاها حرم
سقينا الريد جنينا حكم
و قلنا الحب والله قسم "

وقد أفسدها (الكابلي) بنشر مقطع خطأ: "شال السيدة وخلي حرم". وعلى كل حال يحمد له إخراج هذه الأغاني الشعبية من محليتها. فقد كان يعمل كباشكاتب في محكمة (مروي)، وكون مع دكتور (موافي عبدالفتاح) حكيمباشي المستشفى، وعدد من الموظفين، مبكرا (حزب البهجة) في مطلع الخمسينيات، فاحتفظ لنا بهذا الفولكلور البديع.

أما قصة الأغنية فقد ألفها (بلة) الذي كان يعمل في طاحونة (ود الحسونة) وأثر البيئة واضح في قوله:

" أماني القوز سوالنا مغوص شال الحب وخلي الروث "

فالقوز هو الحي المقابل لـ (العامراب) سكن (حوة) و(حرم) عمات وخالات، فالأولى (حوة بت عبدالمجيد) وكانت مليحة وضّاحة الوجه وكانت لها (نونة) تخلب لب الطفل العاشق الفطري للجمال. وحين حضوري للبلد، كنت أغشاها أولا قبل أن أصل منزلنا، لأن سكنها أقرب لمحطة الباخرة (الباجور). قابلتها قبل فترة، وهي قد قاربت التسعين، وأخبرتها أنني مازلت أحفظ المدحة التي كانت ترددها: "ساداتي الأولياء البيكم توسلنا". كانت هي وأخوها (محمد) رياحين شباب القرية.

لا يكتمل العقد الفريد لفناني جيلنا بدون (محمد الأمين) أو (الباشكاتب) وقد سمعت بالإسم مبكرا في عام 1961. فقد جاء زميلنا (علي محجوب) في إحدى الجمع في الداخلية، ليقول بطريقته المميزة: "والله الليلة سمعت لي فنان جاي من مدني عندو أغنية اسمها "مسيحية" حيكتسح الفنانين كلهم". وفي الحقيقة، يبدو (محمد الأمين) وكأنه تسرب من زمن (زرياب) و(الموصلي) ويمكن له أن يلمس الحجر فيحوله للحن ونغم. ويكفي دليلا أنه لحن (الجريدة) لـ (فضل الله محمد). وكانت (الملحمة) أقرب لفعل المعجزات في التأليف الموسيقي مع (محراب النيل) في تاريخ الغناء السوداني، ومحمد الأمين لا يغني القصيدة بل هي أيضا تغنيه محدثين وحدة وجود: اللحن والأداء، ليرتحل بالسامع إلى سماء بلا عودة. مرات تظنه من الممكن أن يوقف حركة الكون في ختام مقطع بعينه، عندما يسكت الآلات معا أو يخفتها.

هناك فنانون أحببت شخصياتهم قبل فنهم، أو أتيت لفنهم من الإعجاب بوجوديتهم الفطرية. والوجودي الفطري يحقق ذاته دون أن يعبأ بتقييم الآخرين أو نظرتهم له أو كأنه موجود لوحده على ظهر الكرة الأرضية. فـ (خضر بشير) حين يغني، يشعر وكأنه أبونا (آدم) حين نزل إلى الأرض قبل أن يوجد الناس. وهو حين يقيّم الآخرين، يمارس فكرة "موت المؤلف"، كأنهم غير موجودين، ولا يهتم بأي ردود فعل من خارجه. ويتحوّل الآخرون من بشر حقيقيين إلى موضوع تجريدي أو مجرد رمز في لوحة أو رواية. وكانت رؤيته من أولوياتي عندما أتيت للثانوي في الخرطوم عام 1958. وذهبت مع الصديق (أحمد خوجلي) من أبناء شمبات، في إحدى العصريات ووجدناه على عنقريب "هبابي" في الظل. وصرت أصادفه كثيرا في بصات (الكندة) المتجهة نحو شمبات والشعبية والحلفايا، وهو في طريقه أو عائد من سوق الخضار حاملا قفة غريقة.

أما الثاني، فقد كان (إسماعيل عبدالمعين) والذي تعرفت عليه شخصيا عام 1963 فقد كان يرتاح لدعوات طلبة المعهد، وتكونت له مجموعة معجبين رفع معها الكُلفة. وأجريت معه أول حوار في صحيفة (الثورة) ونشره لي الصديق الصحافي (عبدالواحد لبيني) بصورة جيدة. وكان للحوار وقع حسن في نفسه لأنه كان يعيش حالة حصار خانق وعزلة بسبب لسانه السليط والصريح في انتقاد الفنانين المشهورين. فكان يُسأل مثلا: ما رأيه في أمير العود؟ فيرد دا منجداتي مش عازف. أو ما رأيك في صوت فلان؟ فيرد: دا صوت معيزي (نسبة للماعز). وقد كان موسوعة فنية، وينبوعا للأنغام، استفاد من الدراسة العلمية في معهد (فؤاد الأول) بالقاهرة عام 1939، ثم توجه إلى باريس، بالإضافة لثروة فولكلورية والحان التُم تُم والمارشات العسكرية. ولو كان (علي نور) شاعر مؤتمر الخريجين، ف(عبد المعين) فنان المؤتمر. فهو لحن وغنى نشيد "إلى العلا" ثم "صرخة روت دمي"، ومع الاستقلال كانت أصداء "صه ياكنار" تملأ أرجاء المدارس والأندية والمحافل. وعلى مستوى الأغنية العاطفية كانت قصيدة "جبال التاكا" للشاعر (بشير عبدالرحمن) تمثل النقلة التأسيسية من الأغنية التقليدية للأغنية الحديثة. وقد ذكر لي أنه كان "يرقص الفرنساويين" في الديسكوهات بمناحة "حي ووب حي ووب". وهو وأضع نشيد البحرية الأمريكية من مزيج من مارشات سودانية مثل الشريف، رغم الحصار - إذ لم يُمنح حتى عضوية نقابة الفنانين - فالنقيب كان يتضايق منه كثيرا. فقد كان يحكي بدايات (أحمد المصطفى) وكيف رآه لأول مرة في صالون أسرة (أبو العلا) برداء - بنطلون قصير - وجزمة (باتا) يقف بعيدا. وبعد ذلك يروي (عبدالمعين) أن الحاجة والدتهم قالت له أن ولدهم (أحمد) دا بحب الغناء، فأعطاه (بنت النيل) ولكنه لا يذكر ذلك، وكان الوزير (طلعت فريد) هو سنده الوحيد، وبعد ثورة أكتوبر أصبح مكشوف الظهر بعد أن كان يحلم بتأسيس معهد للموسيقي، كون "فرقة البساتين" والتي جمعت موسيقيين ومغنين شباب موهوبين ولكنها توقفت لشح الموارد المالية. وأذكر (إسماعيل عبدالمعين) جالسا تحت شجرة نيم قرب محطة بنزين في شارع البلدية، حزينا، منكسرا، منطفئا، خابئ النظر. وفي نهاية النهار يمشي راجلا لأوضة جالوص -غرفة- كان يسكنها، ومات وحيدا في يوم 28/5/1984 بلا أسرة، فقد تزوج فقط: الفن العاق.

فرض الفن المصري نفسه على آذاننا بحكم القرب أولا ثم الانتشار القوي في كل المنطقة. وكانت البداية مع (عبدالحليم حافظ)، ولأننا محبين للعيون أولا، سحرتنا أغنية (أبو عيون جريئة) وصرنا نردد: "قولو قولو آخر كلو دا أيه؟". ثم كانت (نجاة الصغيرة) خاصة (لا تكذبي) وللمفارقة هي التي جعلتنا نعيد النظر إيجابيا في (محمد عبدالوهاب) رغم أننا كنا نستمع اليه قبل ذلك. ثم حصل العكس، حين لحن (عبدالوهاب) لام كلثوم وصرنا نستمتع بها بأثر رجعي، خاصة قصيدة (الأطلال) للطبيب الشاعر (إبراهيم ناجي). وحظيت (فائزة أحمد) بنصيب من الإعجاب بسبب جرأة أغنيتها: "يمة القمر ع الباب نور قناديله يمة أرد الباب ولا أناديلو؟" والتي استفزت شيوخ الأزهر وسخرية (صلاح جاهين) منهم.

جذبني (فريد الأطرش) فنان الحزن الدائم والذي يصر على إسم (وحيد) في كل أفلامه. وأحببت بشكل خاص قصيدة (كامل الشناوي) الذي لا يقل عنه شعورا بالحزن، والتي يقول فيها:

"عدت يا يوم مولدي عدت أيها الشقي
الصبا ضاع من يدي.. وغزا الشيب مفرقي
ليت يا يوم مولدي.. كنتَ يوما بلا غد"

فقد كنت متأثرا ومعجبا بـ (كامل الشناوي) بسبب خيباته الغرامية وكنت أتعاطف مع شعوره العاطفي، فقد ظل أسير الحب من جانب واحد. فقد كان صاحب قلب شديد الوسامة، وشكل لا يغري بالإعجاب. وكان في أحسن الأحيان ضحية الخيانة، لذلك أبدع قصيدة: "لا تكذبي أن رايتكما معا ودعي البكاء فقد كرهت الأدمعا".

جاء طوفان (فيروز) الجارف المدهش بعد نكسة يونيو 1967 ومع قصيدة (القدس). فصوتها آت من قلب الفراديس لم يمسسه أنس ولا جان، وما عليك إلا الاستسلام له ليقودك لعوالم سحرية بكر، وأن تمنحه وجدانك بلا شروط أو مقاومة. وعندما تغني (فيروز) يدخل الإنسان في رحمة صوتها وينتقل لعالم وزمن غير الذي نحن فيه. فعند بداية سماع "بحبك يا لبنان" أخرج طائعا مختارا من دنياوات الأشياء، وأصحب لدقائق أرواحا مجنحة ثم ارتطم بالأرض.

بدأت تتشكل لديّ ذائقة جديدة للغناء والموسيقي بعد انتقالي مطلع السبعينيات إلى أوربا. فقد كنا نسمع الأغاني الغربية بطريقة عابرة ضمن الأفلام، وكنا نجري في الشارع وبصوت عالي نغني (Hit the road Jack, and don’t come back no more no more). كما سمعنا موسيقي الجاز مطلع الستينيات حين دعت الحكومة بإيعاز من (محمد الفيتوري) كل من: (لوي أرمسترونق Armstrong) و(ميريام ماكيبا). وعشنا فترة الـ (روك آند رول) مع أفلام (الفيس بريسلي)، كما رقصنا الهيلاهوب بلاستيك العجلات المدورة. وقلدنا رقصات وأغاني أفلام (Westside Story) و(Sound of Music). وتوقفت عند البيتلز في فيلم (Yellow Submarine) والذي شاهدته في (جنيف) خلال إحدى العطلات. ولكن في المانيا، صارت الموسيقي الغربية هي في حد ذاتها زادي الروحي. وكان في المقدمة (فرانك سيناترا) خاصة (Stranger in the Night) منافسا ل(جيمس براون)، و(فرقة سانتانا)، (بوب مارلي)، (دونا سمر)، (ديانا روس)، وكل كلاسيكيات الجاز والتي كنت اشترى أسطوانتها من (براغ) لرخص سعرها وقوة المارك الألماني.

تحول اهتمامي للفن في الفترة الأخيرة إلى رصد مؤامرة تخريب الذوق السوداني واختطاف متعته بالفنون تحت النظام الإسلاموي المعادي للجمال والحب والصدق. ومشكلة الدولة الدينية القائمة في السودان تكمن في نفاق أهلها وعدم قدرتهم على المواجهة، فالسلفيون وأنصار السنة والتكفيريون والجهاديون، لهم مواقف واضحة من كل البدع، بدءًا من الغناء وحتى الديمقراطية. ولكن النظام الذي زوده عرابه (حسن الترابي) بما أسماه (فقه الضرورة) أو التقية، صار عنده كل شىء ممكن. فقد ساهموا بطرائقهم الخبيثة أي بدون إصدار قرارات صريحة، في القضاء على الفنون الراقية ونشر الفنون الهابطة لأهداف سياسية تتمثل في عملية تزييف الوعي و"حيونة" الإنسان السوداني تحت شعار "إعادة صياغة الإنسان السوداني". وقد كتبت عن نموذجين وجدا الانتشار في ظروف هيمنة النظام الحالي، هما: ندى القلعة ومحمود عبدالعزيز. وهذه ظاهرة تدخل ضمن ما يُعرف في دراسات علم الثقافة والاجتماع بالثقافة الجماهيرية، وقد تُصنف ضمن الثقافة الاستهلاكية. ويمكن لنا في العالم الثالث النامي أن نفرق بين ثقافة التنمية وثقافة التسلية. وقد يكون الفصل صعبا إن لم تكن التسلية استهلاكية ومعطلة للتنمية. وأخشى أن يكون الانطباع هو أن التنمية ترتبط بالكآبة والحزن. وكان هذا خطأ بعض التجارب الاشتراكية التي ضحّت بالفرح والأجيال من أجل مستقبل لم يأت. وقد حاول (كاسترو) في كوبا تجنب ربط الاشتراكية بالكآبة والحزن، فقيل إنها «اشتراكية مع السالسا»، وكان الكوبيون الذين يقفون لساعات طويلة في طوابير المخازن يرقصون ويغنون لكسر ضجر الانتظار. ومن الخطأ ربط الفرح والتسلية بعدم الجدية باستمرار. وفي حالة (ندى القلعة)، فهي تقاوم الكآبة بالغناء، وهي و«ثورة الإنقاذ» وحكومتها يمثلان نموذجين متناقضين. تحاول هي أن تبث الفرح والحياة والحب، بينما وبالمقابل، تقدم «الإنقاذ» ثقافة الموت والحقد والكراهية. فهي تطلق أجواء من الموسيقي الراقصة وتدخل روح الفرح حتى في أغاني الفخر والمدح. وهذا إبداع إيروسي يجعل أعتى الرجال يتمايلون... في ساحة ندى القلعة. فهي تخاطب رجولة و«ذكورة» تقاعدت خلال سنوات الإسلامويين الماضية ولا تجد تعبيرا عنها إلا في أغاني وليالي المغُنية. وهي تضرب على استيهام الرجولة بعد أن قبل الكثيرون الذل والإذلال، مما يمثل تعويضا نفسيا.

حاول الإسلامويون اغتيال شخصية (ندى القلعة) بسبب ظهور آثار جانبية لفنها، من خلال وسائل إعلامية شهّرت بها، بينما تلك الوسائل هي نفسها توزع الانحلال والتدهور الأخلاقي ونشر الفضائح. وهي بذلك سعت إلى استغلال كوننا ما زلنا نعتبر العيب والعار مرتبطين بسلوك المرأة الجنسي فقط مع استثناء الفساد والتعدي على المال وانتهاك حقوق الإنسان. وقد ردت على الحملة بطريقتها، لتؤكد لامبالاتها واختلافها المشروع، بأغنية تقول بكل رواء صوتها وأدائها الرشيق:

" ما علينا ما علينا
مهما يقول الناس يقولو
ما علينا ما علينا "

وفي النهاية، تغلبت ثقافة الاختلاف، وهي تسعى لتأصيل نفسها من دون حاجة لدعم حكومي أو دعاية. وهكذا تنتشر (ندى القلعة) وتمارس سلطتها الثقافية بكل قوة واندفاع، في ظروف غياب الثقافة الجادة.

كتبت مقالا أثار كثيرا من الجدل والخلاف عنوانه: "محمود عبد العزيز ونظرية الهدر الإنساني". جاء فيه أنه يمكن اتخاذ الفنان (محمود عبد العزيز) رمزا أو أيقونة للدلالة والإشارة لتجسيد وقائع النظم الشمولية لنفسها في إنسان. فهو الذي كان عند محبيه قبل زمن قليل «زهرة ونوارة شباب السودان» ظهر قبل أيام في برنامج (السر قدور) الرمضاني، وكأنه «طينة البؤس» الذي ذكرها الشاعر (إدريس جماع). فلقد تجمع كل قهر، ورعب، وذل، وقمع، وتشويه، وحيونة الإنسان، خلال العقدين السابقين، ليظهر في وجه إنسان واحد. فقد سمحت ظروف الخواء الروحي وغياب الفن الملتزم بالإنسان لبروز فن التسلية والفرح قصير العمر وطرب الحواس الذي يهرش الغرائز. وشجعه نظام الوعي الزائف لأنه يبعد الناس، وبالذات الشباب، عن الاحتجاج والمعارضة والسعي نحو الخير والتغيير. لذلك غض النظام الطرف عن أن يكون المثل الأعلى للشباب خارقا لكل تابوهات الشريعة، فهو خير عون - حسب المرحلة - في إعادة صياغة الشباب الضائع. فقد عمل على محاربة الضياع بالفن. فقد كان ظهوره يؤدي وظيفتين للنظام في عمليتي التسطيح والتزييف، واحدة بفنه والثانية بشخصه. وكان هدية من السماء للنظام الشمولي/الثيوقراطي. إذ يفترض في مثل هذا النظام صاحب الايديولوجية الجهادية والذكورية أن يبتعد عن أمثال (محمود عبد العزيز) شكلا وفنا، ولكنه خدم عملية التشويش في تلك المرحلة. فقد كان النظام يريد تقسيم الشباب إلى مجاهدين وضائعين، ولا مكان في هذه المعادلة لثقافة جادة وعقلانية يتسلح بها الشباب وهم في مرحلة التكوين.

من البداية لا بد من التأكيد من أنه يصعب أن نتوقع أية صلة للشموليين بالثقافة والفن: ويحاول بعض الإسلامويين إعطاء انطباع وقوفهم مع الفن، ولكن شروط الفنون والإبداع عموما هي الحرية والخيال غير المقيد والحوار والنقد. وهذه متطلبات تتناقض مع الأصولية مهما خفت درجتها وتلبست بادعاءات ليبرالية. قام مقدم برامج يدعي الانفتاح قبل فترة قصيرة بتغيير كلمات قصيدة شهيرة وجميلة لشاعر معروف متوفى، لأنه ورد فيها ذكر للخمر والكأس والشفاه. وفجأة أختفى ادعاء الفن والثقافة، وغلبت روح الرقابة والكبت والقمع وعدم احترام الآخرين، وهذه صفات ثابتة فيهم تكاد تكون مثل بصمات أيديهم، مهما مثلوا وادعوا. ونتذكر جيدا محاكم التفتيش في مطلع تسعينيات القرن الماضي وبالذات عهد (الطيب مصطفى). ولا يعود هذا السلوك الظلامي المتخلف إلى السهو والنسيان، ولكن من صميم قناعاتهم. فالإسلامويون يعتقدون أنهم يمتلكون وحدهم الحقيقة المطلقة، لذلك يمكنهم الحكم على حقائق الآخرين. وهذه وثوقيات لا تستطيع التعامل مع الفنون ذات النسبية المطلقة. ويربط الإسلامويون بين الفن واللذة الحسية، وقد يكون بابا للغواية والإغراء. ومن هنا يتعرض للتحريم والأبلسة أو الشيطنة.

يعيش المجتمع السوداني - للمفارقة - ثقافة التفكك الأسري في دولة «المشروع الحضاري» وذلك من خلال التناقض بين التدين والترف من مال ونساء. فقد حاول بعض الإسلامويين جعل تعدد الزوجات ظاهرة. وفي عهد ذلك المشروع الحضاري ظهرت وانتشرت أغنيات مثل «راجل المرا حلو حلا»، وطرق أذني غناء يقول:

تكل العجلة بره
ما قصدي المضرة
بس عايزة يطلق الضرة

ثم في أغنية أخرى:

بقابلو في الصالون وأنا
بشربو الليمون
أنا بصافحو بالقانون

تفشت ظاهرة أغاني البنات بطريقة تنافس سنوات ظهور التُم تُم، وقد رصدت قبل عشر أعوام حوالي مغنية بينما هناك شاعرة واحدة يفاخر بها النظام وهي (روضة الحاج). ومن مظاهر الانحطاط الثقافي إغلاق دور السينما، وأخيرا جاء في الأخبار بيع سينما كولزيوم التي افتتحت عام 1953 لشركة استثمار (الأخبار 21/2/2015).

صدق (القصيمي) حين وصف الحضارة العربية بأنها ظاهرة صوتية. إذ كثيرا ما يتغلب العنصر العربي في الشخصية السودانية، فتميل للصوت والكلام أكثر من اليد والعين في خلق الفنون. فقد أتى حبي للشعر والغناء - كما يبدو - من هذه الزاوية. فقد كان الشعر هو مكون ذائقتي الفنية الثاني والمكمل. فالحياة تبدو منثورة ومبعثرة، فيعطيها الشعر إيقاعا، ونظاما، ولونا، ورائحة. ولم يكن لديّ أي تعريف للشعر، وكنت أجد التعريف الدارج: "الشعر كلام موزون ومقفى" قولا سمجا. وفرحت بوصف وليس تعريف (نزار قباني): "الشعر قنديل أخضر".

كانت البداية مع الشعر في مطارحات الجمعية الأدبية في السنوات الأخيرة من المرحلة الوسطى. وصرنا نحاول حفظ كثير من الشعر للمنافسة حول معرفة: من القائل؟ أو تذكر بيت شعر يبدأ بالحرف الأخير من بيت شعر ألقاه المنافس، وهكذا. وفي امتحان الشهادة الثانوية، حفظنا معلقة (عمرو بن أبي كلثوم): "ألا هبي بصحنك فاصبحينا ولا تبقى خمور الأندرينا"، وخطبة الإمام (علي بن أبي طالب) التي يلوم فيها أنصاره على تقاعسهم في القتال. هذا بالإضافة لشعر (إبن الرومي) في الدراسة النقدية للـ (مازني) في كتابه: (حصاد الهشيم). ولكن بدايتي الحقيقية مع الشعر، كانت حين اكتشفت (إيليا أبوماضي) مبكرا، في سن الـ 13 عاما وبهرتني قصيدة "الطلاسم". وأيقظت في حسّا فلسفيا بتساؤلات عن الوجود والعدم مع الشك والحيرة. وبعد سنوات كنت أصعد بالديوان على قمة جبل "كنجومية" في زالنجي عند الغروب وأنشدها بصوت عال ليعود لي الصدى، ولكن بلا إجابات قاطعة. ثم كان (جبران خليل جبران) و(ميخائيل نعيمة) والأخير درّسنا (سيد الياس سيدهم) في ثانية وسطى، قصيدته:

أخي ! إنْ عادَ بعدَ الحربِ جُندي لأوطانِهْ
وألقى جسمَهُ المنهوكَ في أحضانِ خِلاّنِهْ
فلا تطلبْ إذا ما عُدْتَ للأوطانِ خلاّنَا
لأنَّ الجوعَ لم يتركْ لنا صَحْبَاً نناجيهم
سوى أشْبَاح مَوْتَانا

واحتل شعراء المهجر مكانة عالية في سلم أفضلية الشعراء والأدباء في فترة تكويني الأولى.

الشعراء الصعاليك فيهم الكثير من الوجودية: عروة بن الورد بالذات.

(طرفة بن العبد) قيل قُطعت يداه ورجلاه ودُفن حيا. وعاش حياة لهو. يُلقب بـ"الغلام القتيل"، فقد مات وهو في السادسة والعشرين.

عرفّتنا الأناشيد المدرسية على شعراء سودانيين وعرب. وكانت دروس الجغرافيا منظومة شعرا كما في الرحلات: "في القولد التقيت بالصديق". وقد كان مدرسو اللغة العربية من خريجي دارالعلوم بمصر، وتأثر بعضهم بأجواء ثقافية نشطة في الخمسينيات، وكان من بينهم شعراء وكتاب. وقد برزت أسماء أثرت الحياة الثقافية، منهم: محمد محمد علي وعبد القادر كرف وعبدالله الشيخ البشير وأحمد عبدالله سامي وغيرهم. فقد كانت المقررات المدرسية تعكس اهتمامات هؤلاء الأساتذة. فقد درّسوا العباسي والبنا إلى جانب أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ومحمود سامي البارودي والكتابات النقدية للعقاد والمازني وطه حسين وشكري. وكان للمدرسين اهتمام خاص بما أسميهم "شعراء العمر القصير" وهم: التيجاني يوسف بشير وأبوالقاسم الشابي. وقد أعجبت أكثر بالشابي، ويبدو أنني تأثرت بنقد (محمد محمد علي) لغموض شعر التيجاني ولكن بالإضافة لذلك، سحرتني قصيدة: "إذا الشعب يوما أراد الحياة" والتي تم بعثها مع الانتفاضات الشعبية العربية الأخيرة. ومن التأثيرات الهامة على مزاجي الشعري، عودة عدد من الشعراء السودانيين البارزين من مصر بعد الاستقلال: تاج السر الحسن ومحمد الفيتوري ومحيي الدين فارس وجيلي عبدالرحمن رغم أنه لم يستقر طويلا في السودان ومن بين الكتاب السودانيين الذين عاشوا في مصر، لفت الأنظار ناقد فذ، هو: (محيي الدين محمد) مؤلف الكتاب المبهر: "ثورة في الفكر العربي". ولكنه آثر الانزواء، حاولت البحث عنه لإعادة نشر كتابه الهام ولكن بلا جدوى، حتى سمعت بوفاته نهاية عام 2014.

وكما قسّم عُروة بن الورد «جسمه في جسومٍ كثيرةٍ» يطيب لي أن أوزّع نفسي على الأشياء، خصوصاً على تلك التي لا تتوقّف جراحُها عن النّزيف.

وكنت قد حلمتُ بأنّني أبَحْتُ لدمي أن ينثر ما يشاء من حمرته على شقائق النّعمان العربيّة التي هي نفسها الشقائق التي نبتت في الأسطورة من دم أدونيس.

كان للمديح أثره على اهتمامي بشعر العامية أو الشعر الشعبي - كما سُمي في بعض الفترات - وكانت البداية مع الشعراء المصريين: بيرم التونسي وصلاح جاهين وفؤاد حداد وأحمد فؤاد نجم ولكنني لا ارتاح كثيرا لـ عبدالرحمن الأبنودي رغم شعبيته بين السودانيين ونجيب سرور، خاصة في مجاراة: "البحر بيضحك ليه وأنا نازلة أملأ القلل". وكنت أرجع لـ (جاهين) كثيرا ولكن احتل (نجم) مكانه. وأذكر أنني عندما أرادت (أنديرا) أن تسجل للباليه، فرحت كثيرا وتذكرت (صلاح جاهين) وكنت أردد قصيدته:

" وبنت أم أنور بترقص باليه
بحيرة البجع
سلام يا جدع...
سلام ع الأيدين اللي بتقول كلام،
سلام على الساقين المشدودة زي الوتر،
سلام ع القوام اللي مليان دلع مش حرام،
حلال وزي نور القمر
وبنت أم أنور، بتضرب بساقها الفضا،
وبتشب، وتلب، وتنط نطة غضبة، ونطة رضا،
وبتقول بلغوة أيديها:
اللي فات انقضى.. حقيقي ومعنى.
كان أمك يابنتي، في أزجال معلمنا بيرم عليه السلام،
ماتعرفش تركب سوارس تروح الإمام،
وتمشي .. تقع.

يتميز الشعر العامي السوداني بوجود مستويين، الأول يستخدم لغة وسيطة بين العامية والفصحى ويتجلى في الأغاني ومثل (مصطفى سيداحمد) أعلى هذه المراحل حين شدا بقصائد حميد والقدال وأزهري محمد علي. واعتمد (وردي) على عامية (إسماعيل حسن) و(محجوب شريف)، أما (هاشم صديق) فيمثل تيارا منفردا ولا يرتبط شعره بالغناء فقط. ولست من المتحمسين لعامية شعر (سيداحمد الحردلو) فهو ناظم للكلمات بعيدا عن سحر الشعرية. والثاني يسمى نفسه (الحلمنتيشي) وهو قائم على التظرف وبلا قضية من أي نوع. ويبدو مثل محاولة إخوانية لإغراق الشعر العامي الجاد والملتزم.

لفت انتباهي في شعر العامية السودانية اتجاهات فكرية مخالفة للقول الشائع عن تدين السودانيين الفطري، وأسميتها "العلمانية الشعبية". إذ يعبر هؤلاء الشعراء عن مواقف يمكن أن تدرجهم حاليا في خانة "الردّة" وقديما ضمن "الزندقة" أو على الأقل "المجون". فـ (الحردلو) الكبير مثلا، يقول:

"قام قنعان خلاص وأتيقن الهاديني

قال لي توب وأرجع من طريق ستيني "

وفي موضع آخر:

" بع لهن شبابي كان أحمدن
تركت ليهن الفرض والسنة عمدا "

أو:

" اللملموا الجماعة وقالو لي تتوب
من العنق زي الشمعدان مصبوب
الحاس بيهو ما ظنيتو مس أيوب "

ومن أشعار العلمانية الشعبية:

" كل ما أقول أتوب إبليس يلملم ناسو
يقول لي ما تتوب التابو قبلك خاسو
ما شفنا الكريم بنارو حرّق ناسو"

شارك الصفحة

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟