حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية
أزمنة الريح والقلق والحرية

الفصل الثاني: الاسرة الممتدة أو عائلة متشابكة

المحتويات

نعمل - نحن أسرة حيدر ابراهيم - على إتاحة كتبه جميعها مجاناً للمنفعة العامة ومواصلة مشروعه التنويري. تبقى جميع الحقوق محفوظة ويمنع طبع أو نشر الكتب الا بموافقة مكتوبة.

شكلت الثقافة الدينية وبالذات التوجه الديني أخلاق أسرتي، ونظرتها أو رؤيتها الكونية الشاملة. فقد لاحظت اهتمام جديّ: (علي) و(أحمد) بقراءة "حزب السيف" أو "الحزب السيفي" الذي تلقاه القطب الفريد (إبراهيم الرشيد) المكي الدويحي، تلميذ السيد (أحمد بن إدريس) وأذن لمريديه به. وفي أحد الأدعية يلخص شروط السعادة والرضا عند الإنسان، بالقول: "اللهم أرزقني قلبا خاشعا خاضعا ضارعا، وعينا باكية، وبدنا صحيحا صابرا، ويقينا صادقا بالحق صادعا. وتوبة نصوحا ولسانا ذاكرا وحامدا. وإيمانا صحيحا ورزقا حلالا طيبا واسعا وعلما نافعا وولدا صالحا وصاحبا موافقا. وسنا طويلا في الخير مشتغلا بالعبادة الصالحة. وخلقا حسنا وعملا صالحا متقبلا. وإمرأة مؤمنة طائعة". ولم يفرط في تمني شروط الحياة الدنيا الفاضلة والسعيدة في وقت واحد. وكان شيوخ أسرتي الممتدة يحمدون الله كثيرا أنهم ذكور، وأحرار، ومسلمون. وكنت أسمع منهم كثير تمجيد الرجالة والضكارة والكرم. كما يتكرر في وصف تصرفات معينة، تعليقهم: "دي أخلاق عبيد". وقد كان أول سؤال لجدي (أحمد) لي بعد أن تسلمت أول مرتب وأنا في العاصمة: "أوعك تكون بتمشي بيوت الخدم؟"، فقد كانت أقدم مهنة في التاريخ مقتصرة - في نظره - على هذه الفئة الاجتماعية. وسار المثل بين الناس: "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها".

هكذا كان جدي (أحمد) يرى الكون. وهذه هي رؤيته الكلية التي كان لابد أن يخلط فيها الميتافيزيقيا بالواقع لكي يكون مقبولا. ويقال أنه في شبابه الباكر أطلق شعره (هل يستوحيه مظفّر الآن؟)، وساح على شاطئ النيل حتى وصل منطقة شندي، وهناك حلق له الفكي (إبراهيم) وضربه على رأسه، ثم أعطاه اسما وأظنه حزب السيف أيضا. ولكن جدي (أحمد) لم يكن درويشا أو مشعوذا بل مثقفا قرويا (أو بالأصح مثقفا عضويا بالقرامشية). فقد كان شديد الارتباط بالواقع ويفهمه جيدا. وكان يقرأ مجلة (الرسالة) المصرية لـ(أحمد حسن الزيات)، في تلك القرية النائية. وقد يكون هذا من تأثير المدينة التي عمل فيها أثناء فترة الجندية. وكان لديه العديد من كتب الفقه والسيرة. ومن تميزه أنه رغم غلبة الطريقة الختمية عدديا في البلد، فقد كان الأحمدي أو الإدريسي الوحيد في القرية. وكانت مواكب احتفالات الختمية السنوية (الحولية) حين تمر أمام منزلنا تتوقف قليلا، ليردد بعضهم منذرا ومهددا: "يامنكرين فويلكم".

بعد سنوات طويلة، كنت في المغرب، وبحلول أول عيد، قررت أن أمضيه في جامع السيد (أحمد بن إدريس) بمدينة (فاس) وفاءً للجد الأحمدي الوحيد في القرية، والمختلف عن بقية الأغلبية. وقد كان ذلك هو الدرس الأول في تربيتي مبكرا على عدم تهيب وخشية الاختلاف، ومفارقة القطيع، ونسق الفكر الجمعي.. وفي فترة سابقة، كنت قد أهديت له رسالتي للدكتوراة، بتقديم يقول: "إلى جدي أحمد بابكر، الشاعر، والفكي، والجندي، والمزارع". وأحيانا، أتمنى لو أنني قد كُنته أي مثله، لكفاني ذلك كل هذا القلق، والاغتراب والغربة، والرياح التي ظلت تتجاذبني راهنا. فقد كانت معرفته ذات جدوى ونفع، ومطلوبة دائما من الناس، وينتفعون بها. فهل ينطبق على علمنا ومعرفتنا، القول: "علم من لا ينفع"؟ كما أن الناس العاديين أمثاله، وأهل الحكمة الفطرية الذين لم يزوروا المدارس والجامعات، يرددون ساخرين: "القلم ما بزيل بلم". ويقول (عبدالله الطيب) عن الأفندية: مساكين! وصف بليغ فيه حسرة وشفقة على العجز، وعدم الشعور به في نفس الوقت.

كان شاعرا وناظما، ومادحا، وله شعر في قضايا اجتماعية، مثل (قصيدة الزار) والتي يقول فيها:

الظهر (الزار) انتشر يا عيسى ما تظهر تخلي المسلمين في دينها تتفكر.

كما كان يجاري الأغاني الحديثة للترغيب في المديح النبوي، وكان يردد قصيدة لا أدري هل هي من تأليفه أم لا؟ مطلعها يقول:

الحجيج وين قالو لي سافر
وهي على وزن أغنية (إبراهيم الكاشف):
الحبيب وين قالو لي سافر

رغم انفتاحه النسبي كان جدي (أحمد) ضد التعليم الحديث الذي أدخله الإنجليز باعتباره وسيلة للتبشير أو إفساد أخلاق أولاد المواطنين. وكان هذا الرأي عاما بين كثير من الأسر، ولذلك كاد التعليم ودخول هذه المدارس في البداية، أن يقتصر على مجموعات "المنبتين" أو أبناء الرقيق السابق، بالإضافة لأبناء مشائخ الإدارة الأهلية، وبعض الأعيان لأن البريطانيين أقنعوهم بأن هذه هي الطريقة الوحيدة للمشاركة في الحكم مستقبلا. وعموما، كان الجد قاسيا في التعامل مع أبنائه، خشية عليهم من مخاطر التغيرات المتسارعة التي بدأت تشهدها البلاد في فترة تثبيت الاستعمار لسلطته في البلاد خلال النصف الأول من القرن الماضي.

من أهم القضايا التي تشغل عقله، موضوع الأصل العرقي: حر ولا عبد. كانت البلاد قد خرجت قريبا من علاقات الرق التي الغيت رسميا بعد ممانعة واعتراضات قوية. ولكن ثقافة الرق والعبودية استمرت رغم انهيار المؤسسات الاجتماعية التي كانت تجسدها. وفي هذه الحالة، اكتسبت شجرة النسب -الحقيقية أو الوهمية- أهمية كبرى داخل كل الأسر كوثيقة إثبات لأصالة النسب ونقاء "الدم" من الرق. فقد كان من الأمور الدارجة أن يتنابز الناس بأصولهم أو يُتهم شخص في صفاء عرقه. وفي هذه المواقف، لابد أن يحضر المتهم شجرة نسبه ويقرأها بعد صلاة الجمعة في المسجد أمام الناس. وكان جدي (أحمد) يحاول تحفيظي شجرة تربطنا بالكنوز والبيلياب والفكي صالح. وهذه هي بعض عقبات التشكل القومي في السودان، وقد عادت هذه الممارسات كسياسة رسمية للدولة الإسلامية التي تسأل عن "القبيلة" في الأوراق الرسمية مثل الرقم القومي والجنسية.

أما الجد الثاني من الناحية الأخرى (علي بابكُر) أو (ود بابكُر) فقد نشأ شابا محبا للهو والطمبور والبُطان وعشق الصبايا. وكان حين يشعر بآلام الظهر، يطلب مني -في صغرى- أن أطلع بأقدامي على ظهره، فأرى آثار السياط القديمة مثل جداول صغيرة، وينطلق في حكى المناسبات وجمال الفتيات، وأخيرا كانت له قصة حب فاشلة خاطب بطلتها، بشعر ركيك يختمه بالقول فيه:

لو أنتي استغنيتي نحن كمان بالأكتر

وبالفعل استغني فقد ترك القرية ولم يزرها طوال عمره إلا لحضور عزاء أخيه (أحمد بابكر) في عام 1970م. ولم يكن ضخما، ولكن مشهود له بالقوة والشجاعة أو حتى التهور أحيانا رغم هدوئه الظاهري. وحدثني عن سر قوته، أنه كان يشرب زجاجة سمن بلدي في دفعة واحدة، أما العشاء فكان يرمي أكثر من 60 بلحة بركاوي في قرعة أو كورة مليئة باللبن ويقضي عليها قبل النوم.

عمل في أثناء رحلته جنوبا على الشاطئ، في مهن يدوية عديدة أهمها البناء (طيّان)، وحين وصل (شندي) التحق بالحملة (العسكرية). وتعرف على أقارب له هاجروا إلى (رفاعة) و(أبوزبد)، وتزوج من إحدى بناتهم، وهي جدتي (فاطمة بت صالح بشير عون) والأخير هو رابطهم بشايقية القُرير. وبعد الاستيداع، استقر جدي (علي) في (الدويمات) حيث أنجب بنته (نفيسة) وإبنه (إبراهيم). ولم يرث أرضا في تلك القرية، لذلك لم يعمل بالزراعة، خاصة وأن الأرض أصلا كانت محدودة. أنقذ الابن الوضع المعيشي لأسرته عقب عمله مبكرا بالجندية. وقام بمحاولات قصيرة فاشلة في التجارة في سوق (بحري) أثناء وجودنا في الوابورات. وأخيرا، اعتكف في القرية في هدوء أقرب لكهنة معابد البوذية. فقد اختار ظل شجرة نيم كثيفة، ويرقد تحتها على عنقريب (هبابي) بدون فرش، ممسكا بالمسبحة، ويقطع ذلك بقراءة من كتاب مهترئ من أحزاب الأحمدية. وكانت له رسائل مثل التلغرافات، كان زملائي يصرون على قراءاتها معي. فهي لابد أن تحتوي على ما هو غرائبي ومضحك. ومن رسائله التي أصبحت مثلا وكان صديقي (مصطفى عمر أو عكة) يرددها، أنه كتب لأحد أحفاده، هذه الكلمات فقط: "يا أحمد سيب الكضب" الظاهر وعده ولم يف بوعده.

عمّر (جدي علي) حيث تجاوز التسعين، وأصر على تعاطى التنباك حتى آخر عمره. فقد صارت السفة تضايقنا بعد أن صرنا نسكن في بيوت ذات بلاط. وحاولت إقناعه بتركها، واقترحت البدائل من جنزبيل، وسجائر، ونعناع، ولكنه يعود سريعا. وجادلني حول لماذا أطلب منه التخلي عن التمباك؟ فقلت له: عشان صحتك. فتحداني أن أماشيه في الشارع رغم سنه. فقد كان سريع الخطوة، وخفيف الحركة حتى آخر أيامه، ولم يفقد نظره ولا ذاكرته. وقد أراد بذلك إثبات عدم تأثير (السعوط) على الصحة.

ولد أبي في (الدويمات) حوالي عام 1923م. وقد تلقى بعضا من التعليم في الخلوة مثل قليل من أطفال القرية المميزين، ولكنه توقف في صباه الباكر وتقرر تدريبه على أن يعمل ترزيا. وكان شابا قصير القامة، قوي البنية، ومفتول العضلات، مليء بالحيوية، وصاحب ضحكات مجلجلة، محبا للمزاح وتدبير المقالب الأخوية البريئة، دويماتي أصيل. وبحثت عن سبب قوته الملحوظة رغم قصره، فحكى لي كيف كان في صباه يستحوذ على أكبر قدر من اللبن أو الروب المحفوظ في "المشلعيب" أو المعلاق الذي يتدلى من السقف بعيدا عن متناول القطط. وتطال حملته الغذائية هذه، كل بيوت الأهل المجاورة لسكنه. ولاحقا كانت له مع رفاقه، أمسيات للإفراط في الأكل حيث تملأ الصواني الكبيرة وأحيانا طشت نظيف، بالكوارع ورؤوس النيف (رأس الذبيحة)، ويتبارون في التهامها. وأستفاد الشاب من قوته حين قرر أن يعمل بالعسكرية، وهكذا اختار الاحتمال الثاني الحتمي المفترض لمستقبل أي شايقي حسب الاعتقاد الشعبي أو المزاح القبلي: العسكرية أو الطورية (تربال أي مزارع أو طياني أي بناء لبيوت الطين والجالوص). وقد أنجاه القدر أو أنجته الصدفة من الطورية. وذلك لأن أسرة الوالد، لم تكن تمتلك أرضا في هذه المنطقة الجديدة التي هاجر لها جدي (علي).

اتجه والدي إلى العمل شرطيا في السكة حديد، وهو في السابعة عشر تقريبا. وتحمل مسؤولية الأسرة الكبيرة مبكرا، وكان عملا مجزيا رغم ضآلة المرتب، بسبب السفريات خاصة إلى الجنوب حيث يعود (العسكري السفري) بالموز، والبن، والأخشاب. كما شهدت فترة الحرب ومابعدها عمليات التهريب أو البراشوت. ولكن والدي - الشرطي الشاب - لم يتورط في هذه العمليات، خشية سمعة الأسرة في حالة انكشاف الأمر. ولكنه كان مجاملا، ويغض الطرف عن مخالفات أقاربه للقانون الرسمي، لكي يحافظ على أعراف القرابة وهي أقوى عنده من قانون الحكومة. وقد عمل الشايقية في قوة دفاع السودان، والبوليس، وحرس الحدود في مصر (سلاح الهجانة)، وفي الدرك بفلسطين وشرق الأردن (كتاب هاميلتون: The Anglo-Egyptian Sudan from Within، ص 169) وكنت أظن المناضلة (فاطمة برناوي) السمراء من أصول شايقية ولكن يقال أن إبراهيم باشا أيضا جاء قبل ذلك بجنود سود في المنطقة. وكان زميلي السوري (د. حسن الديري) بجامعة (قار يونس-بنغازي) يمنيني بعروس سمراء من سوريا. وكانت صفة (سمراء) في ذلك الظرف شديدة التهذيب. فقد كان الليبيون عندما يقابلون سوداني أكثر منك "سمرة" يقولون لك: "قابلت أخوك الأوسخ منك!".

توضح قسيمة زواج أبي -التي احتفظ بها حتى اليوم- من بنت عمه (فاطمة بت أحمد)، أن ذلك القران السعيد قد تم في الجمعة 10 فبراير 1939 بصداق يبلغ ثمانية جنيهات. وهي زيجة مرسومة مقدما، إذ يفترض عليه أن "يغطي ماعونه"، وهو زواج أفضل من زواج الأطفال الهندي، قليلا. وهو زواج يخلو من الخصوصية والحميمية، وتظهر فيه كل سلبيات زواج الأقارب من تدخلات وافتعال مشاكل وخصومات، وهنا تشتغل ما تسمى بسياسة العائلة (family politics)، المعروفة في المجتمعات التقليدية والتي تسود فيه العلاقات الأولية أو علاقات المواجهة حيث يلتقي الناس دائما وجها لوجه. ولا تنتشر مثل هذه العلاقات في المجتمعات المتقدمة والمعقدة، فالعلاقات ثانوية حيث لا يلتقي الناس مباشرة لوجود وسائط مثل البيروقراطية، والمؤسسات، ومنظمات المجتمع المدني. لذلك، ليس دقيقا تمجيد مثل أسرنا التقليدية الممتدة. فهو ليس مصدر محبة أو مودة مطلقة، فاحتمالات الصراع، والغيرة، والحسد، والخصومة كبيرة. وضمن هذا السياق العلائقي، يتسبب زواج الإبن البكر أو الوحيد، خاصة لو تزوج وهو صغير السن، في توتر مستمر. ويرجع ذلك لأن دخل الأسرة الأصلية سوف يتناقص كما أن الإبن سيقسم وقته بين بيتين، حتى ولو كان الحوش واحدا. وتتسع هذه العلاقة - سلبا أو إيجابا - لتصبح شبكة كبيرة متشابكة تشمل النسيبة، والحماة، والعديل، والأقارب، والنسابة، وهناك مثل أظنه إثيوبي يقول: "الأقارب عقارب". ولم يكن زواج (إبراهيم) من إبنة عمه (فاطمة) استثناءً وخاليا من سياسات العائلة المزعجة والمتوترة، خاصة بعد أن تحسن وضعه الوظيفي وترقى لرتبة ضابط.

لم يتمرغ أبي في تراب (الميري) فقط، بل ظل منذ سن مبكرة في صميمه، ولم يفارقه حتى سن المعاش. ولذلك، ضرب لخمة - كما يقولون - حين وجد نفسه خارجه، أي بعد "الخدمة الطويلة الممتازة" - كما تقول لغة التقدير في الخدمة - ولم يستطع والدي ممارسة أي نشاط بديل بعد المعاش رغم أن صحته كانت - لفترة - جيدة. وكان قد استفاد من السودنة على مستوى الوظائف الصغرى أو الوسيطة، ففي فترة الحكم الذاتي تمت ترقيته لضابط بوليس عام 1954 بعد كورس بمدرسة البوليس، أم درمان. فقد استوجبت الظروف إعادة هيكلة جهاز الخدمة المدنية بمجمله، وفي جهاز البوليس التحق عدد من كبار الضباط بوزارة الخارجية الجديدة. وشهدت تلك الفترة، صراع جهازي الإدارة والبوليس، فهم خريجو مدرسة واحدة، ولكن ظهرت الآن حاجة لقدر من التخصص الذي استوجب وجود ضباط البوليس وضباط المجالس المحلية. وقد تسببت حقبة السودنة في حراك اجتماعي غير مسبوق، فقد بدأت فئة الأفندية تتحول لبورجوازية صغيرة في نمط حياتها، وطريقة تفكيرها وثقافتها. وبرزت تناقضاتها في مجال التحديث مقابل التقليدية والمحافظة، فهي قد اكتسبت كل مظاهر التحديث الشكلية، ولكن ظلت ثقافتها وعقلها الباطن، أسيرين للماضي والتقاليد الراسخة. وولجت النخبة الجديدة سريعا في سباق الصعود، رافعة شعار: "كوّن نفسك!" وساعدهم جهاز الدولة الوطنية الذي سيطروا على مفاصله في عملية الاستحواذ على السلطة والثروة والتزاوج بينهما. وكتب مؤرخو الحقبة تلك، عن تمكن فئة كبار موظفي الخدمة المدنية والمهنيين (الأطباء، المهندسون، المحامون وغيرهم) وفيما بعد الضباط، من بداية الخمسينيات في امتلاك العقارات في المراكز الحضرية، ودخل بعضهم في استثمارات مشاريع الطلمبات والمقاولات، ورخص الاستيراد والعمولات.

(تيم نبلوك: صراع السلطة والثروة في السودان، 2006 ص 75)

وتقع حقبة ما بعد السودنة، في إطار ما يطلق عليه علماء الاجتماع، حقبة غلبة (اللامعيارية) أو (anomie)، وهي حالة تهتز فيها المعايير القديمة وتتغير، ولم تحل مكانها معايير جديدة بعد. وقد مثلت فترة الانتقال السياسية، فترة انتقال اجتماعية تسببت في كثير من المشكلات وخلخلة سلم القيم السائدة. وامتدت هذه الفترة القلقة حتى اليوم، خاصة بعد أن أصبحت البلاد حقلا للتجارب التي تقوم بها النظم السياسية المتعاقبة الفاشلة. ولقد استنزفت طاقات الوطنية الأخلاقية، والإبداعية، والروحية تماما مثلما هدرت الموارد المادية والبشرية الأخرى. وقد بدأ التغيير الاجتماعي- الثقافي الجارف منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ووصل قمته مع الاستقلال والحكم الوطني. وكثيرا ما أتأمل في تجربة والدي واتخذها كدراسة حالة للصدمة الثقافية-الاجتماعية التي طالت قطاعات واسعة من الفئات البسيطة والعادية. فقد حتمت عليه الوظيفة الجديدة أن يقتني نوعا معينا من الملابس، وبالفعل قام بتفصيل عدد من البدل لمناسبات مختلفة وربطات العنق. وبدأ في استخدام عربة الحكومة، والانتقال إلى درجة عليا في القطار، مع وجود مضامين (هم المساجين المسموح لهم بالخروج خلال اليوم من الحبس حتى المساء، تحت شرط وجود ضامن لهم)، يخدمون بمنزله. وتتغير حتى صيغة المخاطبة، فهو (جنابو) ثم (سعادتو)، وسلام التعظيم من الجنود الأقل رتبة، حين يدخل المكتب بالمركز.

صار لوالدي نصيب في سلطة ما بعد الاستقلال، وأصبح مشاركا فيها بسهم، فقد كان مفوضا بحفظ الأمن في مواقع كثيرة، خاصة النائية. وعندما نفكك تلك السلطة إلى عناصرها الصغيرة، نجد أنها صارت مبعثرة في كل مكان، نجد أنها قد تتمثل في: ضابط البوليس، وضابط المجلس (في المدن الكبيرة)، والقاضي، وضابط السجن، والحكيمباشي، وناظر المدرسة، وممثل للإدارة الأهلية، وكبار التجار. هذه هي الدولة السودانية مقسمة على مستوى القطر، وقد صار الأفندية وأعوانهم يكونون جماعات مصالح موزعة على أنحاء البلاد. ولم تخل هذه الامتيازات من عبء ومسؤولية خارج الوظيفة، فقد أصبح والدي من الشخصيات الهامة ويتوقع منه حل مشكلات القرية بوسائل رسمية وغير رسمية. وهذا من أشكال ما يُسمى بــ "النفوذ" الذي صارت تمارسه نخب مابعد السودنة، والذي حل محل سيطرة وغطرسة المستعمر.

أثّرت هذه النقلة الاجتماعية-الثقافية على والدي، والذي تغير كثيرا على المستويين: الاجتماعي والخاص، ووصل حد الارتباك، ولم يعد مقتنعا بوضعه السابق ويسعى لخلق وضع جديد. وكان أخطر ما أصاب شخصيته، أنه بدأ في مراجعة حياته في أسرته الصغيرة، ويبدو أنه وصل درجة عدم الاقتناع بالطريقة التي تزوج بها. وهي بالفعل طريقة مصطنعة خالية من التفاهم والمودة. ولكن هذا هو العرف والذي نفخر به لأنه: "عاداتنا وتقاليدنا". ونُقل الضابط الشاب ذو الأصول القروية إلى العاصمة الوطنية (أم درمان)، كأول مكان عمل بعد الترقية، وكانت هذه قفزة كبيرة. ورغم أنه عمل من قبل بمدينة (الخرطوم بحري)، ولكن ذلك قد كان في زمن آخر، وفي موقع أدنى. كانت نخبة السودنة قد اكتشفت عددا من سلالم الصعود الاجتماعي، وبعضها مازال ساريا حتى اليوم، إن لم يكن قد إنتشر أكثر. فبالإضافة للتعليم والوظيفة، تعتبر مصاهرة الأسر العاصمية العتيقة والمشهورة أو الغنية، من أسرع المصاعد الاجتماعية إلى أعلى. ويكون الريفي المشتاق للصعود، أكثر حظا لو كانت الزوجة المبتغاة بيضاء اللون. (يطلق المصريون على المتطلعين والطموحين، صفة: عبده مشتاق). وضمن هذا المناخ الاجتماعي، لم يكن والدي استثناءً. ولكنني أميل للقول أن دافعه كان عاطفيا، فقد سمع في هذا المجتمع المتغير، لأول مرة بكلمة إسمها: الحب، التي صار يسمعها ويراها في الأفلام وحياة المدينة. ولذلك، لم يفرط في أول دعوة حب قطعت طريقه، وكانت قد أطاحت بتوازنه الوجودي، وتعطل المنطق لتتحدث لغة الهوى.

كُلف الضابط الشاب القروي، مفتول العضلات والمبتسم دوما، بالتحقيق في قضية سرقة ذهب من أسرة أمدرمانية ثرية. وسجل والدي أول نجاحاته المهنية بالقبض على السارق، ولكن بتردده على المنزل والتعارف الوثيق بأفراد الأسرة، حدثت سرقة من نوع آخر ولكنها متبادلة: سرقة القلوب. فقد أنشب (كيوبيد) سهامه في قلب إبنة الأسرة الوحيدة، وفي قلب الضابط الشاب. وعاشا قصة حب أقرب للروايات الفرنسية في القرن التاسع عشر عن معشوقة الرجل المتزوج. وتشاء الظروف، أن يتزامن ذلك مع تعقيدات سياسات الأسرة التقليدية فهي تَختلق مشكلات كادت أن تطيح بالأسرة الصغيرة. فقد كان يحضر معه بعض أبناء أقاربه غير القادرين ليدرسوا في البندر ويسكنون معنا في بيتنا. وفي هذا الأثناء اشتكت له أخته (عمتي)، التي كانت في زيارة لنا، بأن والدتي تسيء معاملة أولاد أهله لأنهم ما أقاربها المباشرين. علما بأن أغلب أخوة والدتي وأقارب والدي سكنوا معنا في الوابورات بحري، زمن العسكرية الأولى. وجاءت هذه الأزمة لوالدي من السماء، فقد كان يبحث عن مبرر مريح يخلصه من عبء تلك الزيجة الجزافية. لذلك، قام بتصعيد سريع للأزمة، حتى وصلت عصر ذلك اليوم الذي إنحفر في نفسي. فقد التأم جمع من كبار وعقلاء الأسرة في صالون منزلنا للشهود على قرار الطلاق ومباركته. وفي جلسة صاخبة واتهامات، وتأكيد لوضعية المرأة الدونية، كنت على بعد خطوات من أن أستقبل حياة في أسرة مشققة ومنهارة. وكانت تلك اللحظات كفيلة من أن تجعل مني نصيرا بلا تحفظ لكرامة المرأة وإنسانيتها. وكنت أحضر بعضا من النقاش ثم أذهب للغرفة المجاورة لإخبار أمي بالمجريات. ويبدو أنها شعرت بخسارة قضيتها، فخاطبتني: تقعد فوق قلبه في البيت دا لامن تتم قرايتك. ولكن كان للقدر كلمة أخرى، فقد حضر جدي (عبدالحليم) متأخرا، وكان رجلا حمشا وحقانيا، ودخل فورا في الحديث، مخاطبا عمتي: لو طلقها حيجوزك أنت ولا عايزه تخربي بيتو ساكت، وطردها من الجلسة. والتفت لوالدي وانتهره: ما تبقى شافع ساكت يلا شيل حمل بيتك وأولادك! وانفض المجلس وأنقذتنا رجولة (عبدالحليم) من التشرد.

ومن الناحية الأخرى، تم تدبير زيجة مصالح للعشيقة، من رجل غني يمتلك جراجا ولم تكن راضية. ولذلك تحولت من حبيبة إلى عشيقة، وفي إحدى المرات اشتبك الغريمان داخل حوش المركز ببحري، ونُقل الوالد - تأديبيا- للحصاحيصا. وفي منتصف التسعينيات، قابلت ابنتها في فندق (أمية) وكنا نعرف بعضنا وتحدثنا معا ولم نتطرق لغراميات أهلنا التي كنا نتابعها بغرابة. ولكنها من الظواهر الاجتماعية التي أنتجتها فترة ما بعد السودنة. أما الوالدة فقد غرقت بعد ذلك في الإيمان بالزار، كما لم تغفر له ذلك الموقف حتى نهاية حياته وكانت لا تفوت فرصة للانتقام ولم تقبل أي اعتذارات. ولن أنس كيف رفضت أن تجلس لجانبه لأخذ صورة عائلية، وكان في أواخر أيام عمره.

أما التغيير في العلاقات الأخرى، فقد كان الوالد - في الأصل- محبا للناس بلا حدود، وقادته هذه الخصلة الطيبة، للقيام بالوساطات، والأجاويد، والتدخل الحميد لحل المشكلات. وكان يقوم، منذ زمن، بهذه المهمة كثيرا بين أسر البوليس في الإشلاق حيث كانت تكثر المناوشات والمناقشات، والتي تنتهي بأن يقذف الرجل، الزوجة بالكركب (شبشب من خشب)، والتي تهرع بدماء سائلة إلى والدي شاكية، و"تحرد" يومين تلاتة حتى يسترضيها الزوج بثوب أو حذاء جديدين، تجنبا للاعتذار اللفظي، والذي لا يليق به، في المجتمع الذكوري، وقد يقلل من قيمته أمام الزوجة نفسها، مستقبلا. وكان الوالد يضرب صغار السن من الأزواج بالسوط - تأديبا - في مثل هذه الحالات، وفي الأخطاء الأخرى. وكان لسلطته الأبوية الممتدة هذه، جوانبها الإنسانية الواضحة. فقد إهتم بمصائر الكثيرين، ومستقبلهم. ولاحقا، بعد أن أصبح نافذا وله كلمة مسموعة، صار واسطة لكثير من الأهل والأصدقاء، للعمل في البوليس، والسجون، ومصنع النسيج، وشركة البيرة، في الستينيات حين كان ملاحظ بوليس الخرطوم بحري. ومن ألطف مواقفه الوساطية، أنه حين عمل في (الحصاحيصا) كان بعض الأقارب يأتون ليتحصل لهم على سلاح مهرب من (تمبول)! وأظنه كان يفعل أي شىء، مجاملة لأهله وإثباتا لسلطته. وكان مثل كل أبناء جيله يرتاح للمديح والشكر، فقد تربوا على كلام الحردلو:

"دا الأداك وكتر ما بقول أديت" أو "البشيل فوق الدبر ما بميل". وحين عمل في القضارف، كان يرسل في فترة المحصول، عربة بضاعة كاملة مشحونة بجوالات العيش لشندي ثم ترحل للدويمات، لتوزع على الأهل والمحتاجين. وكان متلافا للمال، "وإذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت نائله". وعلمت في إحدى المرات، أنه باع بيتنا في (كرش الفيل-الختمية شمال) بألفين جنيه لأنه كان في ضائقة مالية ومتوقع ضيوف من أصدقاء تجار قادمين من نيالا! ومن طرائف كرمه الذي يقارب ناس "عوج الدرب"، أنه كان قادما من عزاء بالدويمات في بص ذاهب لعزاء آخر في كسلا لأحد أقاربنا. وكان من المفترض أن ينزل الوالد في منزله بالحلفاية أثناء الرحلة. وعندما وقف الباص أمام منزلنا حلف عليهم الوالد بالطلاق أن ينزلوا معه ويشربوا الشاي ويصلوا ثم يواصلون! واستيقظنا في الخامسة صباحا على أصوات الرجال والنساء ووجدنا الحوش مليئا بالضيوف. وفي تلك الأيام، سبعينيات النميري، كانت البلاد تعيش أزمات حادة في السكر والخبز والوقود. ولكن ما يؤلمني في قصة الوالد، هو الجحود ونكران الجميل الذي تعرض له. فالكثيرون من الذين أحسن إليهم وتحسنت أحوالهم، تجاهلوه حين ترك الوظيفة، واحتاج لاهتمامهم وأنسهم، في شيخوخته. وقد استفدت من كرمه كثيرا، فقد كان يشترك لي في المكتبات فور بداية تعلمي القراءة. وكان لديّ اشتراك في مكتبة (أبعوف) في (دنقلا العرضي) وقبلها في مكتبة (دبورة) في (عطبرة). فقد قرأت بالإضافة لإصدارات (مكتب النشر) ومجلة (الصبيان)، المجلات المصرية مثل (البعكوكة) و(الاثنين والدنيا) و(المصور). ومن الأخيرة تابعت حركة 23 يوليو 1952، وكنت في سوق (دنقلا) أتحدث كشخص كبير عن (محمد نجيب) حتى كان بعضهم يناديني سخرية، بهذا الإسم.

لم يكن والدي ميالا للقراءة والاطلاع، ولكنه شجع كثيرا هذه الرغبة فيّ. فقد كان يمثل الشفاهة، وحب الونسة والكلام، ويريد الحياة طازجة من مصادرها الأولى - الناس - وليس من بطون الكتب والورق. كما أن العسكرية المبكرة جعلته يبغض العلاقات المنظمة والمنضبطة، لذلك لم ينتم لحزب سياسي ولا طريقة صوفية. وبعد المعاش، حاولت أن أقنعه بالانضمام للطريقة (البرهانية) لأن متطلباتها خفيفة. وكنت أخشى عليه من الشعور بالفراغ والملل، وتكوين صداقات جديدة. كما أن الجراح (محمود سنهوري) القادم من المانيا، كان شيخا للطريقة بأوربا، كان يمتلك مزرعة مجاورة، وأخته جارتنا المباشرة. وكانت لأبي علاقة ب(جمال الدين السنهوري) الذي جاء من مصر ليقود حملة (محمد أمين السيد) مرشح الحزب (الوطني الاتحادي) ضد (الزبير حمد الملك) الاستقلالي، في دائرة دنقلا في انتخابات عام 1953م الممهدة للحكم الذاتي.


أمّا الأم، فقد ختمت ثقافة القرية كتابتها على جسد الفتاة الصغيرة من ختان فرعوني، و"شلوخ" أفقية على الخدين تميز قبيلتها، ثم وشم الشفاه لاحقا. ولم تعرف الطريق لمدرسة، وبدأت في اكتساب مهارات زوجة المستقبل المدبرة والحصيفة. وكانت أول الدروس تعلم «العواسة» أو صناعة رقائق الخبز السوداني (أو الكِسرة) على الصاج المحمي الساخن. وهذه بداية صهرها بالنار كامرأة واعدة. وقد تماهت «بت أحمد» مع الصاج والعواسة حتى تجاوزت السبعين رغم تكاثر المخابز الحديثة. وهذا درس اقتبسته منها وحورته من الصاج إلى المكتبة والكتب: المثابرة والصبر والاستمرارية. ولم يكن للعواسة أوقات بعينها، فلو أنزل القطار ضيفا في الثانية صباحا، فهي تتجه بلا تململ للصاج وتشعل نار الفجر. وكان من عاداتها، وهي تعوس، الترنم بأغنية أو مديح نبوي، قتلا للضجر. هل هذه أخلاقية العمل والالتزام التي نسمع عنها؟ وكنت أجلس - عندما تسنح فرصة - قرب أمي وأمامها صاج العواسة مشتعلا في انتظار الطرقة الأولى والتي تأتي ساخنة وحميمة كأنها أول بداية الحياة في الانفجار العظيم. ألا يحق لي أن أردد مع درويش:

"أحنُ إلى قهوة أمي" مع تحويرها إلى: "أحنُ إلى كِسرة أمي"

وقد تحملت (فاطمة بت أحمد) مبكرا هذا العبء الذي دام عقودا، فقد جاء ابن عمها الذي عمل شرطيا بمرتب محترم - ست جنيهات - يطلب يدها، فتم الزواج فورا وهي لم تبلغ الخامسة عشرة. وانتقل بها من القرية إلى مدينة كانت مركز السكك الحديدية لحياة مختلفة عما ألفته حتى ذاك الوقت. أفرحت ابن عمها بأن يكون المولود البكر ذكرا، بعد عام واحد فقط من الزواج. ولكنها توقفت لمدة ثمانية أعوام، كانت هي الجحيم نفسه مع ضغوط لضرورة تطليق المرأة العاقر أو غير الولود. وصارت أكبر مخاوفها أن يأتي والدي بزوجة ثانية أو (ضرة). وصمدت «بت أحمد» طوال تلك السنوات العاصفة من دون أمان ووسط تهديد مصيري. وهذه عظمة أخرى وصمود حققته بسلاح ثقافة الزوج السائدة، ففي بحثها عن السبب، استقر الرأي بأنها تعرضت لسحر في فترة النفاس أو ما يسمى (كبسة). ولأن السحر يطرد بالمفاجأة أو بما هو غير معتاد، فلم تتردد في التجريب. وكانت من ضمن محاولاتها فك الكبسة، حضور قداس في كنيسة مار جرجس، أو النظر لتدفق فيضان مياه النيل عند فتح علب الخزان. ورغم أنها ممارسات مسيحية وفرعونية مخالفة لصحيح الدين، لم يمنعها أهلها المتدينون عن ذلك. وللمصادفة، جاءت المولودة بعد توقف طويل فاتحة الطريق لخمسة أشقاء. وجعل هذا الانتصار من «بت أحمد» شخصية قوية بل متسلطة بعد سنوات الخوف والتهديد. وانتزعت مكانة جعلتها صاحبة كلمة نافذة. وصرتُ أطلق عليها لقب «الكنداكة» وهي تسمية ملكة كوش السودانية خلال الفترة من سنة 40 ق. م. حتى 10 ميلادية، وقد حاربت الرومان في أسوان.

كانت (بت أحمد) ذات قاموس خصيب في الدعاء واللعنة، وكثيرا ما تستخدمه ضد ابنها الوحيد. رغم تحذير وغضب حبوبتي (بت صالح) والدة أبي وهي حنونة جدا وتؤمن بالعين والسحر، ويغلب عليها خلق (الدويمات) الهادئ طويل البال. لذلك تتشاجر معي والدتي - بسماحة - حين تسمعها تصرخ في بغضب: الضريب اليضربك، أو البلا اليخكمك. وأحيانا ما يمكن أن يسمى (المُلادة) (بضم الميم) وهي زي البنق بونق (تنس الطاولة) في الرد والكلام سريعا ببديهة حاضرة، مثلا، أقول لها: يمة أديني تعريفة؛ فترد سريعا: الله لا عرفك! أو: يمه أديني قرش، ترد سريعا: يقرش كنكوجك! وحين سألتها عن معناه قالت هو مثل العصعوص. يقابل اللعنات التي تنثرها الأم، التعاويذ أو التحصينات التي تجيدها الحبوبة (بت صالح) والدة الأب، والتي تخشى أن يسمع الدعوة شيطان أو حتى ملاك، فيلبيها. وكانت تقوم بتبخيري ببخور التيمان عند أي وعكة، تقول: سحروه! وقد تنتف شعرة من البنات والنساء الموجودات تضع مع البخور لطرد العين الشريرة. وتبدأ الطقس بمقدمة وافية بعد البسملة والحوقلة:

"العادة ياسعادة. بخور ناقتو الكسير، بخرها وقامت تسير.. بخور ناقة النبي البخربو ناقتو، ولحق رفاقتو بي فاقتو.. أخرجي ياعين ياعنية ياكافرة يا نصرانية، يا كعبة ياشقية، عرضتك نبيه، فيك الترابة محشية، البتفكر بي شنيه ما يضوق الذرية، والبفكر بالحسادة ما يضوق الزيادة. أخرص ياعين فكر ما ذكر أكان أنتاية وإن كان ضكر" وبعد ذلك، يوجه الدعاء بالتفصيل على كل أنماط البشر الذي يمكن أن يسببوا العين، مثلا: أخرجي! دُبة من عين الجار الأحر من النار، دُبه من عين الضيف الأحر من السيف، دُبه من عين الصبي شرا غبي، دُبه من عين الفتاة فيها الواطة.... ألخ، والقائمة طويلة. وحتى الوالدين ممكن يسحروا بسبب العجب الشديد، ولكن ضرره بسيط لأنه شفقة. وفي كل الأحوال لدرء خطر السحر، أن يقول الشخص: الصلاة ع النبي - أو عيني باردة - ماشا الله وتبارك الله. والساحر هو من يتفكر ولا يصلي على النبي. ولكي ترد السحر لو نظر اليك بحسد، تقول الله أكبر ثلاث مرات على الشر. أو عندما يرى شخصا يخشى من عينه، يمد يده تجاهه، قائلا: بيني وبينك حد الله أب سيفين بيني بينك (السيفين علي بن أبي طالب والنبي). ويشفي (حزب السيف) وآية الكرسي، أثر السحر. كذلك التحصين القوي يبعج السحر. ويورث السحر في العائلة. وتتهم أحيانا قبيلة كاملة بالسحر، وهناك منطقة شمال القرير يعتبر كل القادمين منها (سحاحير) أو سحرة. ويقال أن أحد الأسر كانت ساحرة أثناء وجودها حول الشيخ حسن ود حسونة ولكن رحلوا لبلدة (القوز) وزال عنهم السحر، وقالوا السبب: نفعهم عرق البلد! أي بالاختلاط مع أهل البلد.

لازمتني عقدة كراهية زفر البحر، وغضب البحر، وصرت أخشى البحر والمياه المتحركة والمتلاطمة رغم أنني أحب الزرع، وأشم بمتعة رائحة الأرض حين تمتزج بالمياه. ولكن يبدو أنني قد أصبت برهاب الماء (hydrophobia) بعد تلك الرحلة بالمركب إلى قرية (سلوا) غرب شندي. ففي رحلة العودة وفي المنتصف تماما، بدأ المركب يتشقق والمياه تدخل بغزارة والناس تغرف المياه من الداخل، ووضعت قطع من الملابس لسد الثقوب خاصة في الأماكن التي اتسعت فيها الفجوة بين الأخشاب، وانشغل آخرون بتلاوة الشهادتين. وبمعجزة وصلنا الشاطئ وكادت رحلة الميلاد أو البحث عن مولود جديد أن تصبح رحلة الموت. ولاننا لا نعترف بالتاريخ، فقد علمت أن جميع ركاب رحلة العودة - بعد أيام قليلة - قد غرقوا. أمّا لماذا الرحلة؟ فقد قررتها الوالدة ضمن تجريب البحث عن مولود. فقد قصدت (الفكي إبراهيم) راجل (سلوا) ليمنحها مولودا فقد توقفت بعد ميلادي سبع سنوات. وجربت خلالها كل الوسائل لفك (الكبْسة): دخلت كنيسة (مار جرجس) في الخرطوم بحري في أعياد الأقباط، ونزلت أدنى خزان (سنار) عند فتح العلب، وزارت ضريح الشيخ (فرح ود تكتوك)، وجربت كل أنواع الأعشاب الطبية وصارت أوراق نبتة (السنمكة) بالذات ضيفا مقيما بالبيت. وللمصادفة، حبلت بعد حادثة المركب ويبدو أن الفزع كان كبيرا فطرد كل العفاريت. وأنجبت طفلة حلوة فرح بها الأخ كثيرا فقد أذهبت عنه مكايدات أطفال الجيران: وي وي ما عندو إخوان! وأزالت عن الأم خطر زوجة ثانية بعد أن لحقتها تهمة العقم أو المرة العاقر! محليا.

تتميز فترة الحمل في منطقتنا بقدر كبير من طقوس أو شعائر الانتقال أو المرور (Rites of Passage)، نسبة لأهمية الخصوبة والولادة والكثرة في حياتهم. اهتممت بتوثيق طقوس الحمل والولادة، وسجلتها كما روتها (بت أحمد). ورغم معرفتها الدقيقة بها، ولكن يبدو أنها سهت أو دقست في التطبيق، فاصابتها الكبسة. أول ما تشعر المرأة بالحمل، تغرز في شعرها إبرة حماية من طق الطيرة (طيرة الحريم) حتى هبوبها لو مرت قربها، يقتل الجنين. وهذه الطيرة كانت فتاة لم تتزوج فغضبت ولم ترض بذلك. فسخطها الله فصارت طيرة تقتل الأطفال. وإذا لم تغرز الحامل الإبرة، تلبس طاقة خاصة عند الخروج بعد المغرب، لأن الطيرة لا تأتي بالنهار. وبعد نهاية الشهر السابع (احتمال الولادة) تعمل الرباط بعادة نسيبتها (أم الزوج) وليست أمها (الزواج من الأقارب). ويتكون الرباط من عضم الحوت، الرخيمة (سكسك أبيض وأسود)، وخرزة كبيرة خضراء، وسوار فضة (تُنضم عدا السوار في حريرة حمراء وتربط في اليد). بعد الشهر السابع مع الإبرة الصغيرة، إبرة فضة كبيرة لها شلاشيل، وسبحة أُسر، تعمل ضريرة. تدعو النساء لعصيدة بملاح روب وشاي، يسمى (قدح البياض). ولو وجعتها بطنها ولم تلد، يقال عسرت لعدم عمل العادة.

عند وجع البطن يولع بخور تيمان، وتنده (تدعو) النساء:

ياستنا فاطمة بت رسول الله
أندهي ليها أبوك اليحلها

تكون باركة (جالسة) لتوليدها، وإلي جانبها طبق عليه عيش وفوقه تمر لقطع الصُرة. وبعد قطع الصُرة يشتت البلح للناس، ويكب العيش للداية في قفتها. بعد الولادة يتم طقس شيل التبيعة (المشيمة التي تتبع خروج الطفل) للبحر، يتجمعوا بنات الحلة لكن التبيعة تشيلها إمرأة عجوز باعتبارها عاقلة، يتبعوهن الصبيان، تغني البنات لكي يكون فالحا:

يايمه ولدك عاجبني وعجبك
يبقى تمساح ولدك
ويشق الواح ولدك
يشيل السيف ولدك
وينط القيف ولدك

يرموا التبيعة ويوقفوا اللعب .. الأولاد يصفقوا والبنات يرقصن (من السخرية لوصف شخص بالعبط) يقال: "غلطوا رموا الولد وخلوا التبيع"! ويقال: فلان تبيعة، أي (لا رأي له). كذلك دفن الصُرة لكي يرتبط بالبلد والناس. وعندما يتردد شخص على مكان ما كثيرا يُقال: "التقول دافنين صرتو في المكان دا".

في حالة الأنثى تدفن التبيعة في البيت، ويغني لها:

جيدا جيتي لأمك بت
وسميناك فاطمة الست

في حالة كونهم "مشتهين" مولود يمكن أن يحتفل بها.

وبعد ثلاثة أيام تعمل "الحُرارة" اسمها أيضا "ملء البطن للنفساء" لا يُدعى لها الرجال مقصورة على النساء، ويُختار اللحم السمين ليطبخ للنفساء منفصلا يُسمى "الفروك". وفي اليوم السابع تكون "السماية" ويدعى الرجال والنساء -الرجال يقرأوا المولد عند المغرب ويتعشوا بعدها يوقفوا المديح أو الذكر. أثناء الرقاد تضع مصحف ومرواد تحت رأسها، وكل شيء تأكله أو تشربه ترمي جزءا منه تحت العنقريب، لأن الشيطانية تلد معها، ولا يحضر لها أي شىء مفتوحا (أي بدون غطاء) لكي لا تشمه الشيطانية. تترك قطع نظافة المولود حتى يوم الأربعين. ولا تستحم حتى الأربعين بل تُمسح وتُدلك لأن فوقها الملائكة لا تقوم ولا تعمل ولا تفتح رأسها. يوم الأربعين تستحم والمولود العصر بعد صلاة الظهر، وتنفض شعرها وتجمع قطع ملابس الطفل في قفة ويذهبوا للبحر ومعهم الأم "النفساء" وترمي الأشياء، وتغسل وجهها كذلك المولود. بعد ذلك تدخن بالطلح وتمارس أعمالها العادية.

زودتني أمي بكثير من المعتقدات الفولكلورية، وقد يكون هذا سببا في ميلي اللاحق نحو دراسة الأنثروبولوجي أو الاتنولوجي حسب مصطلح الألمان للأنثروبولوجيا الثقافية. وكانت تحكي لي كثيرا، ومن المعتقدات التي كانت ترويها بالتفصيل الدقيق، تقول لي: "الراجل لو ماتت زوجته الأولى والثانية والثالثة لازم يتم الرابعة - كرعين عناقريبه - يقال عنه نطاح. عند الرابعة تُوضع في مدخل باب الغرفة المخصصة لليلة الدخلة، بُخسة أو (قرعة غير مشقوقة نصفين)، تاتي العروسة بظهرها تكسر القرعة وتدخل". وهناك وصايا لتوجيه وتدشين لسياسات الأسرة في المستقبل. ففي سيرة العروس حين يسوقها أو يرحلها العريس لمنزله، تغني النساء لها، ناصحات:

ذمي وأدبي أدب الصغير من جهلو

امنّا هل يطيعك امنّا يروح لأهله (إما يطيعك أو يذهب لأهله)

وتحفظ (بت أحمد) كثيرا من الدُعاء على العريس وليس له، فهي ترى ذلك من وسائل التأديب والردع. فلو نظرت إليها مثلا بطريقة احتجاج وبطريقة لا تعجبها، تسرع بالقول: العين بحسين! والمقصود هنا دكتور (حسين أحمد حسين) (1904-1987) وهو أول أخصائي عيون سوداني. وتكثر من عبارات: "البلا اليخمك" أو حين تضرب آخر: "يضربك الضّريب شقاق العناقريب" (وهو الصقيع والضارب: عون الشريف، العامية، وأيضا الالتهاب). ولو أخذت شيئا دون إذن، تقول لك: "يشيلك أب نيف" (وهو التمساح) ولو قلت عايز قرش، قد يكون الرد: "يقرش كنكوجك" (والمعنى شبيه بوصف العصعوص). ولو سمعت بسفر شخص لا تحبه: "سفر البن دق وحرق". تمتلك قاموسا ضخما وجاهزا لكل المناسبات الخيرة والتعيسة، والأخيرة أكثر. وكانت حبوبتي الطيبة (بت صالح) تتطير من دعاء (بت أحمد) وتغضب، وتعاكسه مرددة: يبرا ويستبرا.

توقفت عند إبداعات الشاعر (حافظ إبراهيم) كثيرا ومن ذلك: الأم مدرسة، وصرت أتساءل دائما: كيف استطاع الكثير من الأمهات القرويات الأميات بناء رجال ونساء، وتأهيلهم لمهام صعبة في هذه الدنيا؟ لم تتعلم (بت أحمد) في المدارس، لكنها عوضت التعليم النظامي بالحكمة والفراسة. فقد اكتفت مدارسنا بتقديم المعلومات مهملة الحكمة وهي أحيانا تقتل الفراسة والفطنة. كنا نحاول أن نخفي عنها بعض الأسرار وتكشفها سريعا. وتقول بزهو: أنتو قايلين نفسكم أفهم مني عشان ما دخلت المدرسة؟ وتكرر قولها المأثور: "والله أنا أكتِّف النمل!" وما زال أصدقائي القدامى يسألونني: كيف والدتك التي تكتف النمل؟ وبالفعل، فقد تابعت ورعت بنجاح سبعة من الأشخاص، أربعة أولاد وثلاث بنات، وزودتهم بخصال طيبة. ولكنني كنت وما زلت أحظى بالحب والتفضيل بحكم الأقدمية أو طول العشرة، ولأن الذكريات المشتركة خصبة، ولنا الاثنان ذاكرة تسمح لنا بالاستعادة ومعاودة المتعة الماضية. والأهم من ذلك، استمرار أثر دروس الطفولة. فقد تعلمت حينئذ الدرس الذي أوصلني للإيمان بالاشتراكية والعدالة وحب الناس، ماشيا في طريق سهل وقصير: الممارسة والسلوك اليومي.

كنا نسكن في بداية حياتنا في منازل الشرطة وهي شبه معسكرات وهي الإشلاقات التي ذكرتها سابقا. وكان الجميع في مستوى طبقي واحد، لا يملكون الكثير واحتياجاتهم محدودة ويمدون أرجلهم قدر لحافاتهم. وفي هذا الجو منعتني (بت أحمد) أن أقول لأقراني من الأطفال: هذا حقي وذلك حقك، أو لا أعطيك حقي تلعب به. لذلك، لم تكن تمانع في حالة عودتي من المدرسة لو شعرت بالجوع، أن أتغدي وأرتاح في أي بيت. ولم أكن أعاقب على هذا السلوك، بل تشكر أمي صاحبتها التي استضافتني. وأضعفت هذه السلوكيات في كثيرا رغبة التملك وشعور الأنانية، ربما من دون أن تقصد ذلك. كما كان منزلنا أقرب للسكن الداخلي، يرتاده الكثيرون طلبا للنوم أو الطعام. لذلك كانت تعاقبني إذا سألت عن سرير (أو عنقريب بالسوداني) منفصل في حالة وجود ضيوف أو ترددتُ في مشاركة الآخرين في سرير، أو حتى في وضع مرتبة على الأرض. ولكن هذه الحياة الجماعية أدخلتني لاحقا في خيار صعب: كيف أكون فرديا وليس أنانيا؟

تشارك (بت أحمد) في كل النقاشات السياسية من خلال التلفاز والإصرار على أن نقرأ لها الصحف. ولها قاموس مميز للأسماء الخاصة بالرؤساء والبلدان، فهي تنطقها بطريقة خاطئة وتصر على تسمياتها وترفض أي تصحيحات ونستخدم نحن -مجبرين- تسمياتها الخاطئة لكي يستمر الحوار. وترجع هذه المكابرة إلى أن الذكاء الفطري أو قل الغريزي يميل لتكوين ثوابت وقناعات عند صاحبه، ويعتبر التراجع والمراجعة عيبا كبيرا يقلل من الكرامة، رغم أنه يكشف عن قوة الشخصية. ولكن الغريب انتشار هذا السلوك وسط المثقفين الحداثيين! وقد ساعدت المناهج التعليمية البنكية أي القائمة على الحفظ والتلقين في تكريسه.

تمارس (بت أحمد) شكلا من العلمانية الشعبية - لو صح التعبير - فهي لا تميل لأحاديث الفقهاء والمشايخ في الإعلام. ولها تعليقات جريئة. فعندما تسمعهم يروون كثيرا من الأحاديث النبوية، تقول: "والله الرجال ديل بكضبوا (يكذبون) جنس كضب (كذب) عن النبي، يقولوه القالو والما قالو". وتعلق على آخر يتحدث عن الجنّة: «شوف الراجل دا يتكلم عن الجنّة كأنه كان فيها أمس!». وقد أكملت فجوات دينها وبحثها عن المعنى والطمأنينة بالاعتقاد في «الزار» الذي تعقد له أحيانا حلقات وحفلات تلبس فيها الملابس الحمراء الصارخة وقد تدخن السيجار، وترقص على أنغام صاخبة، خاصة وهي يتقمصها «خيط» حبشي أو (لوليّا) التي تحب الصخب. وفي البداية تشاجرنا حول هذه الطقوس، ولكن في النهاية بدت لي مثل الدراما السيكولوجية التي تقوم بمهمة التنفيس وكسر التابوهات، فسكتُ ثم ساهمتُ في تكاليفها. وأخيرا، كان من أهم قراراتها، عدم ارتداء الحجاب أو النقاب. ولم تهتم بالنقد مثل امرأة كبيرة وما بتخجل ولا بتخاف الله. وهي ما زالت تجلس سافرة مع أجعص (أقوى) رجل وتجادله بلا وجل.

هذه صورة قلمية وذكريات عن امرأة شديدة التحرر والثقة في النفس، ولم تكتسب ذلك من الكتب ولا كونت منظمة مجتمع مدني ولا ساندت سيداو. وهي تمثل نموذجا يجعلك تتشكك في تفسير هذه العلاقة العكسية بين زيادة التعليم ونقصان الوعي والاستنارة. وكثيرا ما أسأل نفسي: كيف كان سيكون حال (بت أحمد) لو دخلت مدارس التدجين الحالية؟ أقراء، لماذا تغيب الحكمة في تعليمنا؟ ومن الأمثلة التي ترددها في التهكم على غباء المتعلمين الاجتماعي، قولها: "القلم ما بزيل بلم". وعندما تشاهد طريقة جلوس النائبات الإسلامويات في البرلمان السوداني والوزيرات، تعلق: «شوفهم مدندنات كيف!» (المدندن هو المتبلد أو الخامد الذي لا يعبر عن ذاته، سواء كلاما أو مظهرا).

تشكك (بت أحمد) في معركة «التمكين السياسي» حين رأت الوزيرة والنائبة مدندنة، وقد استبطنت الخضوع والاضطهاد. وقد وصفت إحدى «مثقفات» المرحلة بالكذب، حين سمعتها تدافع علنا عن تعدد الزوجات، باعتبار أنها لن تقبل العيش مع ضرة. لقد استحق جيل (بت أحمد) صفة جيل التضحيات والصدق مع النفس.

كانت كتيبة حبوباتي تضم (بت صالح) أو (فاطمة بت صالح)، والدة أبي، وأختها (سواكن). كانت لهما طريقة فريدة في السلام عليّ، فتشم الواحدة عنقي بقوة أو (تكرفه) كما يقال للشم العميق. وكانت (فاطنة بت صالح) -كما أسلف- مصدرا لثقافة السحر والغيبيات، وقد شحنتنا بكثير من الخوف، وكان تأثير أساطيرها قويا، وترك في عقلنا الباطن كثيرا من الخزعبلات التي شلت تفكيرنا. وأتذكر أنها كانت تمنعنا اللعب في الشارع عندما تمر بعض الجماعات القادمة من غرب أفريقيا، بدعوى أنهم يسرقون مصارين الأطفال. ولكن يحمد لها أنها كانت الضامن الوحيد لاستمرار زوج ابنها، كما أنه لم يتزوج إمرأة ثانية، رغم رغباته الدفينة. وبالمناسبة كان هاجسي أن يأتي أبي بامرأة غير أمي. وكنت في داخلي مصمما على تسميمها لو حدث ذلك. أما (سواكن) فقد شاءت الظروف أن أكون قريبا منها لفترات طويلة. وعندما دخلت الثانوي، كنت أمضي نهاية الإسبوع في ذلك البيت الضيق مساحة والواسع مودة، في الإشلاق الغربي، والذي تميز ببيوت صغيرة جدا للعساكر، وقد بناها الأتراك. وكانت تدللني حتى مراحل متقدمة من العمر. فقد كانت تصر أن تطلع لي القطائع من الظهر، فقد كنا نحدثها عن التدريب العسكري (الكديت) في المدرسة. وكان إبنها (حسن) يحظى بحب ودلال فائضين، كيف لا وهو الولد الوحيد وسط خمس أناث وكان (حسن بدري) يطلق على أمهاته (فاطمة وسواكن) لقب (بنات الفقرا) لصلاحهن وليس للأسم فقط ووالد أمهن فكي كبير:

أحمد أب كراس الفي الخليج درّاس (هل الخليج الحالي؟) كانت تندهو لابوي في كل خطواته. تحب "النديهة" أو التوسل للفقرا. أخوها (أحمودي) لديه فكي يندهه عند المرض ينادي: يا أب باع وعندما تسأله يرد: أب باعا طويل.

كنت شديد المحبة لـ (حسن) ليس بسبب حب أمه له، بل لأنه أهل لذاك الحب. فقد كان لطيفا، ودودا، ومرحا، ووسيما شكلا ومضمونا. وكانت علاقتنا شديدة الحميمية، وكان يسميني (الخواجة خريستو) أو (الخواجة) فقط، فقد كان الأغاريق يمثلون الجالية الأكبر من الخواجات. وكانت هذه التسمية قبل هجرتي لأوربا، وأرجعها لطريقتي المختلفة في التعامل مع الناس. ولم يستطع الاستمرار في الدراسة، وكان يتوق لمدرسة الأقباط بحري، وكان والده (ود بدري) يعمل خفيرا بالوابورات و"محمولا" بالبنات والضيوف المقيمين للدراسة، أو القادمين للبحث عن عمل. وكان عنده قطية واحدة، لذلك تتناثر العناقريب في الشارع الذي كان مشاعا وتصل قرب شارع الظلط. وتوفي (ود بدري) الوديع الكريم فجأة عام 1955م، مورثا (حسن) تركة ثقيلة من المسؤوليات. وسارع أبي بتعيينه هو وخالي (عثمان أحمد بابكر) في الشرطة. وكانت هناك حاجة شديدة للجنود عقب حوادث الجنوب في أغسطس 1955م. وكانت الأجواء محزنة تتناثر فيها أغاني، مثل: "في الجنوب كم ماتوا شباب بالكوكاب وبالنشاب". وكتب (صلاح أحمد إبراهيم) قصته القصيرة عن المندوكورو: "ماتو سمبلة (أي بلا مقابل أو تحوير للكلمة الإنجليزية (simple) - حسب تخريجات عبدالله الطيب - وكان من المفروض أن يغادر المجندون للجنوب، ونُقل (عثمان) لملكال. ولكن والدي قام بجهد خارق لإعفاء (حسن) من الذهاب للجنوب، ونجح في ذلك، وبقي في الخرطوم. بعد فترة قصيرة استوعب في المباحث (بوليس سري) وكان يسميها: شغلانة المضرة. وأثناء الحكم العسكري كان يكلف بمراقبة بعض السياسيين وكتابة التقارير. وكنت أذهب له قرب مكتب (أحمد سليمان المحامي) ومنزل (داؤد عبداللطيف) ويجلس في الفسحة المجاورة لكافتيريا (أركويت بحري).

كان (حسن) رغم ظروفه الصعبة، مرحا وحيا، يبحث عن بهجة مفتقدة، بعيدة المنال. فهو يحاولها في أغاني الحقيبة، أذهب إليه في الأمسيات عند أمكنة المراقبة، ومع (الشري أبو بت) تنطلق حنجرته، مستخدما الكبريتة في الإيقاع، مبتدئا بأغنيته يردفني في عجلة الحكومة، إلى مطعم (باندونق) أو (الاستقلال) ملبيا دعوتي للعشاء. فقد صار عندي مرتب شهري (واحد وعشرين جنيه وريــال - ماهية المعهد). وكانت تلك العجلة هي التي يوصلني بها للمطار أو محطة السكة حديد في سفرياتي العديدة. ولحسن الحظ لم يكن عندي عفش أو حقيبة ملابس. ولكن عند العودة، خاصة من مصر، عليّ أن أعود بشنطة كتب ثقيلة ويخاف معها على لستك العجلة. ويحتج بخفة دمه المعهودة: ياخواجة إنت أصلك طه حسين جايب لك كتب قدر كده!

كان نمط حياة (حسن) يجعله مهددا بكثير من أمراض بعينها. فالشرب، والتوتر المكبوت، رغم أنه كان يضحك وينكت في أحلك الأوقات، وكذلك نوع العمل. وبالفعل أصيب بالسكري، وضغط الدم، والقلب. وفي رحلة قطار من (بون) لـ (فرانكفورت) وكانت معي صحف سودانية أحضرتها من السفارة، ووجدت صورته ونعيه (1974)، فقد أخفوا عني الخبر لأنهم يعرفون معزة (حسن ود الفقرا) عندي. كان قد تزوج بنت عمتي (حياة) حسب زيجات أو تربيطات أبي المدبرة، وأنجبا ولدين وأربع بنات، حمل أغلبهم خصال أبيهم الفاضلة. وفيهم جميعا كثيرا من المودة والبشاشة والهدوء.

كان صديقي الآخر من بين أقاربي، هو (أحمد البشير) إبن عمتي، وكان لي بمثابة الأخ الأكبر. فقد إنفصل والده عن أمه، مبكرا، فعاش معنا في أسرة واحدة. وكان منذ يفاعته شجاعا يصل أحيانا حد التهور، ومغامرا ومقامرا، وكريما، وصاحب خيال واسع. وقد كانت أول دروسه لي في الشجاعة كارثية. فقد كنت حينها دون السادسة، وفي إحدى المرات كنت ألهو بفرار، وكانوا ثلة من الصبيان يرقدون في ظل الظهيرة الضئيل، فأشار لي - بلا مناسبة - أن أضرب أحدهم وكان نائما، ففعلت، وتدفق الدم من جبهته. وكانت عقدة مبكرة أفقدتني روح المبادرة في المشاجرات القادمة في حياتي. وكان يحمل سكينا صغيرة ويطلب من أقرانه وهم صبية، أن "يطالعوه الخلا". ولكن بسبب ميوله المشاغبة والدلال المفرط الذي أحاطه به خاله أي والدي، لم يحقق تقدما جيدا في الدراسة.

فاجأ (أحمد) الناس في واحدة من مغامراته الكبرى، حين قبل للدراسة في مصر. كان شعار وحدة وادي النيل تحت التاج المصري، أو هتاف: عاش الكفاح المشترك، تدلان على حتمية أن يتوحد البلدان في حالة تقرير المصير. ولصناعة المستقبل الثنائي، اهتمت مصر بتعليم السودانيين في مصر. وجاءت لجان تقوم بإرسال الشباب السوداني للالتحاق بالمؤسسات التعليمية. وكانت اللجان تقبل بأي مستوى تعليمي للمتقدم، وتمنح للمقبولين تصاريح السفر. وعند وصولهم القاهرة، يتم إسكانهم في بيت السودان بالمنيرة وأماكن أخرى مخصصة لهذا الغرض. ثم تتم عملية تنسيق لتحديد المستويات. واستفاد الكثيرون من نظام امتحان التوجيهية المسمى (ثلاثة في واحد) أي جمع مقررات السنوات الثلاث تدرس وتمتحن في عام واحد. وتمكن كثيرون من الالتحاق بالأزهر ودار العلوم، ودرس قليلون الطب والحقوق والزراعة والآداب. ووصلت درجة الاهتمام بتعليم السودانيين إلى أن استفاد بعضهم مما سميت بعثات (السنهوري) للدراسات فوق الجامعية في فرنسا. وقد تحصل عدد منهم على الدكتوراة، مثل: بشير البكري، وأحمد السيد حمد، ومحيي الدين صابر، وعقيل أحمد عقيل، ثم لاحقا: شاهين ومحمد علي مختار. أما (أحمد) فقد سافر لمصر ولكنه بقلقه الفائض لم يصبر على الدراسة. وكان من أفراد دفعته: علي شمو، وسيداحمد الحسين، وعلي عبدالله يعقوب. وعاد بعد أقل من عامين، وكان على والدي أن يبحث له عن عمل، ولكنه لم يكن يمضي في الوظيفة أكثر من عام ويخرج منها بمشكلة أو شكلة سيان. وأخيرا، لم يبق له غير التدريس، واستفاد من فوضى الوزارة لذلك لم يفصل، كان يسكن معنا في أم درمان عامي 54 و 1955م وكان له فضل تعريفي على المجلات المصرية المحترمة مثل (روزاليوسف) أو (روزا) حسب ما يقال في مصر. وتعرفت على قصص الكتاب الذهبي، خاصة كتابات إحسان عبدالقدوس، ومحمد عبد الحليم عبدالله، وفتحي غانم، ويوسف الشاروني، وعبدالرحمن الشرقاوي. والأهم من ذلك، اكتشاف السينما معه ومشاهدة الأفلام المصرية، والإعجاب بفاتن حمامة، وعماد حمدي، وفريد شوقي، ومحمود المليجي، وشادية، وتحية كاريوكا، وسامية جمال، وكوكا، ونجيب الريحاني في أواخر أيامه. وقد فتح لي مصدرا رائعا للثقافة والمتعة معا، ونبهني للغناء الحديث وبالذات (عثمان حسين) بداية (بناس لا لا) ثم بعد ذلك كل رومانسيات (حسين بازرعة). ووعدني بزيارة (سيد خليفة) والتعرف عليه باعتبار أنه كان زميله في مصر. ولكن ذلك لم يحدث، ولكنني صرت معجبا بصاحب (ياقماري) و(أنت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنّا) والتي يقول فيها: (أعلى الجمال تغار منّا ماذا عليك إذا نظرنا). كما عرفني في إحدى المرات بمقهى (يوسف الفكي) بفنان لم يشتهر، هو (الأمين علي سليمان) في عام 1955. وقد غني: (في سبيل نظرة من عيونك احتمل كل ما ألاقي كيف تكون السعادة دونك؟) التي رددها الفنان (حمد الريح) لاحقا. وهي من كلمات شاعر غير محظوظ، هو (خضر حسن سعد). وهو صاحب أغنية (ماشقيتك وإنت الشقيتني) والتي غناها (حسن سليمان) المشهور بالهاوي. وقد سمعنا منه عن هذا الشاعر المجيد. وكان (الهاوي) يعمل محاسبا في مدرستنا (التجارة الثانوية). وكان شخصا ودودا وصامتا بلبسه الأبيض الكامل. وقابلت مع (أحمد) الشاعر المقل (عوض أحمد الحسين) في مقهى (شناكة) وسط البلد. وكان معلما في معهد (نوري) وإبن عم ناس الشاعر (تاج السر الحسن). وهو صاحب أغنية (يا نسيم أرجوك روح لها وحييها وبالغرام البي والشجون أحكيها) التي غناها (التاج مصطفى). وكان من معارفه (محمد الحويج).

تعاملنا كأخوة وكان يصر على تنشئتي وتوجيهي حسب رؤيته للحياة. وعلى ضوء هذه النظرة الحياتية، ذهبت طريقة تنشئته بعيدا وتكثف اهتمامه بعد قبولي في الثانوي، وتلك في نفس الوقت بداية المراهقة. وبالمناسبة أتذكر عندما كنا نسمع أسماء المقبولين من الراديو في صيف 1958م، وعندما أذيع أسمي، خلع ساعته وأعطاني إياها هدية. لا أنسى فيه أبدا مثل هذه الأريحية. ولكن القفزة "التربوية" لأحمد، كانت حين حضرت للداخلية في الثانوي، ونزلت عند (حسن بدري) في الإشلاق الغربي. جاءني أحمد صباح الجمعة وفطرنا معا. ثم فاجأني: شوف أولاد العاصمة ديل ماكويسين بالذات في الداخليات. وطلب مني أن نخرج للفسحة، وذهب بي إلى المنطقة التي تقع فيها - الآن - كلية الطب وبعض مباني الجمارك، وكانت تسمى (زقاق أبو صليب) حيث أمكنة بائعات الهوى - كما يقال - أو صاحبات "أقدم مهنة في التاريخ". أدخلني لأحد المنازل، حيث اُستقبل جيدا مع دهشة الساكنات تجاه "الطفل" الذي يصطحبه. وقال لأحداهن: "دا ود خالي، جاي يقرأ هنا في الداخلية وأنا ما دايرو ينحرف". وفهمت مقصده، وأمسكت بي وقادتني لغرفة مجاورة، ولم تكن تجربة ممتعة أو "لذيذة" فقد كنت مفزوعا. وتكررت التجربة وعودني (أحمد) على عالم غريب. وبسبب صغر سني، كانت تنمو بيني وبين مقدمة الخدمة، علاقة عطف وأمومة أكثر منها جنس وشهوة. ولم أعد أنظر للعاهرات باحتقار فهن ضحايا نظام اقتصادي ظالم وثقافة قمعية. وفي السودان كانت هذه الظاهرة منتشرة بسبب تفكك نظام الرق اجتماعيا، دون أن يتم استيعاب الرق السابق في المجتمع بطريقة إيجابية ومساواتية. وكان البغاء إحدى وسائل الاحتجاج وإغاظة ما يسمين بــ "الحرائر"، خاصة وقد كانت البغي تمتلك الحرية المطلقة في جسدها، والجرأة في الحديث والفعل. تعمقت في المشكلة وجوديا واجتماعيا، وكونت موقفا متعاطفا لا يخلو من احترام وتقدير للظروف. خاصة بعد الاطلاع على مسرحية (المومس الفاضلة) لسارتر، وقصيدة (بدر شاكر السياب) الطويلة (المومس العمياء) المنشورة عام 1954م. وتجاوبت مع (مظفّر النواب) حين قال:

سيدتي نحن بغايا مثلك
يزني القهر بنا... والدين الكاذب.. والفكر الكاذب
لم يتلوث منك سوى الجسد الفاني
والبعض يبيع اليابس والأخضر

وكنت أردد قصيدة صديقي بمعهد المعلمين والذي ارتاد ذلك المكان لأول مرة، آتيا من فترة تدين استمرت طوال المرحلة الثانوية. وقد خرج من التجربة الجديدة المثيرة بقصيدة عصماء يعيد فيها لصاحبته الاعتبار، يستهلها:

أببا لست بغيّا

وكنت أغيظه بقصة الشايقي الذي نقل إلى (جوبا) فاصطدم بالحرية والحياة الجنسية الليبرالية، فصرخ نادما:

  • واميغيصتي الما بلغت في جوبا!

قرأت عن البغاء المقدس الذي أقامته (عشتار) أو (عشتروت بالعبرية)، وتسمياتها المتعددة في الحضارات القديمة. وهي إلهة الحب والحياة. وقررت إقامة هذه العلاقة في معابد (بابل)، وقد فُسرت كرمز للخصوبة. وفي أسطورة (جلجماش) وصراعه مع (إنكيدو) كثير من هذه الحكايات. وقد انتشرت عبادة نجمة الصباح أو الزهرة في اليمن، وعبر عنها الشعر الشعبي. ويقول الألوسي: "كانت المرأة من العرب إذا عسُر عليها خاطب النكاح، نثرت جانبا من شعرها، وكحلت إحدى عينيها، وحجلت على أحد رجليها، وكان ذلك ليلا، وتقول: يا نُكاح أبغى النكاح قبل الصباح، أي أنها تريد الزواج أو المخالطة الجنسية قبل ظهور نجمة الصباح أو الزُهرة". (عن: شوقي عبدالحكيم، الفولكلور والأساطير العربية. بيروت، 1978، ص 37 ومابعدها). وكتب (هادي العلوي) عن المشاعية الجنسية.


كنت أقول في نفسي دائما، كيف أفلت (أحمد) من أن يكون بطلا في إحدى روايات (نجيب محفوظ)؟ فقد كان رغم علاقاته الخاصة العشوائية، مزواجا. وتمثل كل زيجة من زيجاته حكاية مكتملة. ففي المرة الأولى، كان معلما بقرية (الصلوعاب) غرب شندي. فأرسل برقية لوالدي في القضارف- يقول فيها أنه بالمستشفى وتحت العملية ويحتاج لعشرين جنيه. وحضر الأمر والده (محمد البشير) وكان قد جاء للزراعة في الخريف.

وحذر والدي من الاستجابة، قائلا له: "دا ولدي وبعرفه كويس، يا عامل مصيبة أو ناوي على مصيبة". ولم يسمع أبي التحذير، وأرسل المبلغ تلغرافيا للأهمية. وفي الأسبوع التالي جاءنا الخبر أن أحمد عريس. علما بأن زوجته الأولى هي (أمونة بت سواكن)، وهذه أيضا من تدابير أبي. أما الزيجة الثانية فقد شاركت في وزرها دون أن أدري. فقد صار يتردد عليّ في مدرسة بحري الثانوي، حيث كنت أعمل. وكان يطلب مني كتابة خطابات غرامية لحبيبة متخيلة، ولأنني لا أرد له طلبا كنت أفعل، ويدفعني حبي للكتابة أصلا. وبعد مدة افتعل لقاء في السوق العربي، مصادفة، ليقدم لي الفتاة التي تقصدها رسائلي، وأنه يحبها "لله" دون نوايا بعيدة. ولكن بعد أيام قليلة، وبينما عديله وغريمه (محمد الأمين) يمارس هوايته في تتبع الحفلات الليلية، قصد حفلا في شمبات جذبه إليه الغناء العذب. ووقف بعيدا يتابع، ثم عنّ أن يقترب من الكوشة وكانت المفاجأة أن يكون العريس الجالس مبسوطا هو (أحمد). ووصل الخبر سريعا ل(حسن)، ولكن غادر العريسان صبيحة اليوم التالي بقطر (حلفا) للقاهرة لقضاء شهر العسل. وفور عودتهما بدأت المعارك، فقد كان كل طرف يظهر للآخر أنه غني. فقد كانت (محاسن) موظفة في المجلس الريفي والتقاها في ميدان سباق الخيل، حيث كانت تعمل بعد الظهر. وبانت حقيقة كل طرف، وبدأت ملحمة عنيفة لفك الاشتباك، أسلحتها المقالب والشائعات، والتهديدات، وفي النهاية تدخل أولاد الحلال، لينتهي الموضوع بأقل خسائر. وبعد أن قلنا، أن الراجل عقل واتعظ من التجربة، جاءنا الخبر من (عطبرة) حيث نقل، أنه تزوج شرطية. وقد كانت إمرأة فاضلة استقر عندها هذا الإعصار وأنجب منها ذرية طيبة. والآن مازال في رحلاته المكوكية بين (الدويمات) و(السجانة).

لم أخاصم أحمد رغم كثرة المقالب والورطات التي أدخلني فيها، فقد ظللت وفيا له وسأظل. أشعر بكثير من الحنان والدفء بين أهل أبي وناس الدويمات عموما مقارنة بأهلي من جانب والدتي في القرير. وعندما أسمع منه جملة: "ود خالي إبراهيم"، تتدفق كل عواطف الدنيا في قلبي. ولدي دائما مقارنة بسيطة بين علاقتي مع (أحمد) وأحد أخوالي وهو مقارب لي في السن وأمضينا كثيرا من صبانا معا. ولقد خدمه الحظ وانتماؤه الإسلاموي، فتقلد كثيرا من المناصب الكبيرة في عهد الإنقاذ. وأعرف أنه يسكن في (الثورة) بأم درمان، ولكنني لم أدخل بيته أبدا. فهو لم يقل (كشكرة) نشوفك أو تعال أشرب معانا شاي العصر. ليس ذلك لخلاف أيديولوجي، لأن لديّ علاقات مع إسلاميين، ولكنه خواء الروح وجفاف القلب. وتواصل حنان ناس الدويمات ليطال إبني (مظفّر) حين ذهب في زيارة قصيرة ومايزال يكرر شكرهم، ويقول أنهم أكثر سعادة من الألمان رغم فقرهم المادي. وليس قصدي التعميم على (القُرير) لأن لديّ صلات حميمة وعميقة، ولكن قصدت على مستوى الأسرة الممتدة فقط.

عشت في أسرة ممتدة حقيقة، فهي كبيرة العدد بجناحيها: (البابكراب) من القُرير، و(آل صالح) من الدويمات، ثم أضفت لهم (العبيداب) بعد زواجي من (حياة عبيد). وتجمع أسرتي الممتدة، مثل كل أسر المجتمعات التقليدية، كل أنماط الشخصية البشرية: الأذكياء، والكسالي، والمتدينين، والمجدفين، والشعراء، والسكاري، والكرماء، والبخلاء، والخبثاء، والطيبين... الخ. ولكنني إنحزت داخل الأسرة إلى ما أسميهم بالمتمردين، أو الرافضين، أو الخلعاء؛ لأنهم لم يكونوا مقبولين ومرحب بهم في التيار العام. فكانوا أصدقائي لأنهم صادقون، صريحون، وواضحون. ولم أتعامل مع الآفلين والمزيفين في الأسرة مهما كانت مكانتهم ووضعيتهم. أحببت كثيرا واحترمت عقدا من البشر الأصفياء: (أبوحليمة) و(التومة) و(عثمان الأطرش) و(أم النصر) وزمان (الطويهر) و(غوالي). وكان (البابكراب) الكبار أي جيل ناس جدي، يضم رجالا فريدين جسدوا أخلاق وقيم ما قبل عهد الأفندية، وآخر ما تبقى من عهود الفروسية، والكرم، ورجولة المواقف. ولكل منهم نمطه وخصوصيته ولكن ضمن الثقافة الفرعية السائدة، هناك: (عبد الحليم) و(عبد الغني) و(عبدالوهاب) و(عبدالمجيد) و(الطيب). ولكن يجمع بينهم سرعة الانفعال والغضب والحدة، وأظن أن ذلك يرجع لعدم تساهلهم في قبول الخطأ والمسخرة.

كان أميزهم (عبدالحليم) الذي اشتهر بقوة مع عنف، وكرم رغم العوز. عمل في الحملة بشندي، ثم البوليس. قام مع زميل له بسرقة جوالين عيش من عليقة الحصين، وتم القبض عليهم. وفي المحكمة أمام المفتش البريطاني، أبدى زميله بعضا من الضعف والإنكار، فتحمل (عبدالحليم) المسؤولية بسرقة الجوالين. وسأله المفتش شلتهم كيف، فوضع كل جوال تحت إبط ومشى بهما. فأعجب الخواجة من شجاعته وقوته، فصاح به: "برافو عبدالحليم، خلاص شيلهم أمش البيت"! وطبق قول الهمباتي: صاحبي إن زل ما بفشابو ديمة بسترو. ثم عمل بالسواري في أم درمان، وكُلف بالمناطق التي اشتهرت بتواجد الفتوات والرباطين مثل الأربعين والموردة، ليواجه ناس كبس الجبة وغيرهم. بالإضافة للحد من فوضى الصعاليك في سينما (برمبل) و(الوطنية). ولكنه كان يطارد، بالحصان، أبناءه (محمد) و(عبدالوهاب) في أزقة الإشلاق، مثل الكاوبويات، حين يحاولون الفرار من عقوباته القاسية. أما إذا وجدهم نياما، بعد عودته من وردية منتصف الليل، فكان يدلق على رؤوسهم، الماء البارد من الإبريق، ليقوموا فزعين وجاريين في أي اتجاه.

من عجائبيات (عبدالحليم) العديدة، فقد كانوا عائدين من العطلة السنوية من (القُرير)، وفي محطة سكك حديد (كريمة) تعطل القطار - كالعادة - فترك أسرته في المحطة وذهب لزيارة أقارب له في (البركل) على بعد 45 دقيقة. وعندما وصل، وجد تجمعا للناس وضوضاء. وعندما سأل عن الأمر، أخبروه أن ود ناس فلان مفروض يتزوج قريبته فلانة، وكانت بينهم مشاجرة وعندما حضر المأذون للعقد، ما كان من (عبدالحليم) إلا أن جلس مكان العريس الغائب وحلف بالطلاق أن يعقد له على البنت، التي وضعت في موقف لا تحسد عليه. ورضخ المأذون والأهل لطلبه. ورجع لأسرته في المحطة، عريسا، ولم يعلموا بالحكاية، إلا عندما وصلت العروس، بعد شهر، للإشلاق بأم درمان. وأنجبت له عددا من البنين والبنات الذين أخذوا عنه همته وكرمه وقوته. وتذكرني حادثته بقصة رواها الروائي السوري (حنا مينا) عن جده الذي كان يعمل حمّالا في ميناء (اللاذقية). وجاءت في إحدى الرحلات فرقة فنون غجرية، وعندما شرعت الباخرة في التحرك، غمزت له مغنية بعينها. فما كان من الجد إلا أن قفز في الباخرة المتحركة ولم يظهر ثانية إلا بعد سنوات!

يُقال في السودان: "البطن بطرانه"، وذلك عندما تختلف شخصيات وطباع أخوة ولدتهم أم واحدة. وينطبق هذا القول على أولاد (بت الكنزي)، لأن أخوة (عبدالحليم) الآخرين تميزوا بخصال مختلفة. فقد عمل (عبدالغني) سجّانا في العاصمة، ولكنه جلس لحلقات تدريس العلم (أي المعارف الدينية) في جامع (فاروق) القريب من الإشلاق الغربي. وكان معلمه شيخ أزهري مصري (أدهم) وهو حنبلي أو وهابي، ولكنه بذئ اللسان يكثر من السباب في درسه. وأخذ (عبدالغني) عنه "العلم" بسبابه وكأنه جزء من الفقه. وصار يفرض على كل من يزورهم أن يتلقى درسا فقهيا. وتضايقت زوجته (آمنة بت أحمد) منه وكانت تتشاجر معه، قائلة: "الله يلعن (أدهم) وإن شالي قبره ملي (أي إن شاء الله قبره نار) الكان علمك لينا علم الشيوعي! (أي الشيوعية باللهجة الشايقية)". ولأنها لم تكن تفهم ما يقول، فقد ظنت أن زوجها صار شيوعيا، وكانت تسمع هذه الكلمة كثيرا في وصف كل ما هو غريب أو جديد. وتتأكد لها التهمة، حين يقوم بتدريس أبناءه (حسون، وبابكر، وعمر، وعثمان) الحساب، ويطلب منهم أن يجمعوا: ديشليون زائد خرتومية ألف! وهي أرقام لا وجود لها واقعيا، وقد تكون في بعض الكتب الصفراء.

كان (عبدالمجيد) فكها ومرحا، يملأ سوق (الأربعاء) بالقصص والنكت والأمثال. وكان يكره المتجهمين والغاضبين، وعندما يرى المكرضمين، يقول: فلان مليان برم أو امتلأ برما. وأخذ الصورة من فتل الحبال. وكانت هديته العظيمة للحياة إبنيه (محمد) و(حواء) وقد كنت أحبهما كثيرا بسبب ذلك اللطف الذي ميزهما، ولحسن الحظ ورث عنهما نسل حواء وعبدالله آدم.

أما جدي (عبدالوهاب) فقد كان هادئا، أنهكه العمل ورقة الحال، وكان يشكو من مرض يسميه (أبوحربة) أظنه الغضروف كان يحس بطعنات في ظهره. فقد عمل كثيرا في سواقي القاش بكسلا في ظروف صعبة وقاسية، ولم تمكنه تلك الظروف من تعليم أبنائه. ولكن (سيداحمد، ويس، وعمر) برعوا في العمل الميكانيكي بأنواعه. أما ابنته الوحيدة (آسيا) فهي ذات مكانة خاصة في قلبي، أحترمها وأقدرها كثيرا، فقد تمردت مبكرا على قهر أعمامها، وعملت رغم أنفهم ممرضة في كسلا والقضارف، لمساعدة والدها في المعيشة الصعبة. ثم تزوجت من خارج الأسرة (حسين محمد آدم) وهو زميلها في العمل من أبناء كسلا، وقد أنجبا باقة من البنات وولد وحيد. وأخذن عنها المبادرة والجرأة والتحرر، كما تعلمن تعليما جيدا. وهذه الأسرة هي - في نظري - ريحانة عائلتنا الممتدة التي غلبت عليها المحافظة والعقد. وقد كانت (حنان) نموذجا رائعا للفتاة الحديثة، ولكن النظام الظلامي أضرّ بكثير من طموحاتها وأحلامها وإبداعاتها.

كان (محمد الحسن عبيد) من الشخصيات النادرة في أسرتي الممتدة. فقد عرف بالذكاء الحاد رغم أنه لم يجلس لتعليم منتظم، وكان صاحب عقلية تجارية وحسابية مدهشة. يقال أنه كان يقف على باب دكانه الكبير و"يجرد" البضاعة برأسه ويطلب من أولاده تسجيل ذلك كتابة ويكون الجرد صحيحا تماما. كان تاجرا مغامرا وفيه من روح البروتستانت التي ذكرها (ماكس فيبر) عن نشأة الرأسمالية. وأدرك فطريا نظريات العرض، والطلب، والندرة، ولذلك كان ينقل السلع المتوفرة في المنطقة إلى الغرب والجنوب وحتى فرنسا (تشاد الحالية)، ويحضر من هناك البضائع المعدومة في بلاد الشايقية. وقال لي بأن الماهية حرام. وكان يبدو غريبا في القرية بسبب نشاطه وبغضه للتبطل والكسل والجلوس للنميمة. وأتخيله يردد قول (الضرير) شاعر الهمباتة: "واحدين في الفريق مكبرين عمامهم، قطعوا الحركة والزول أب عوارض لامهم". ويرى أن أرواحهم قد خلت من الطموح. ولذلك، لم يكن يصلي مع الجماعة في القرية، فهو يراهم نمامين وجهلة، وكان يكره الأغنياء والسلطة ممثلة في العُمد. وكان له دعاء فريد ابتكره، ويتلوه بصوت عال، ويعدد فيه كل عيوب أقاربه، وجيرانه، والبيوتات المختلفة. ويبدأ بالقول:

أعوذ بالله من خلاف العبيداب (وهم أسرته)

ويستمر: أعوذ بالله من عوارة ال.. .. أب

أعوذ بالله من فسالة ال.. .. أب

ويستعيذ بالله من بوامة، ومرض، وجن، وتعريص، وفقر، ورق... الخ كل البيوت والأسر. ثم يختم:

أعوذ بالله من حكم الكدنقاب

أعوذ بالله من مركز مروي أريته بالخراب.

وتكرر مثل هذه المواقف من السلطة والحكومة من قطاعات أظهرت عداء عميقا للحكام، رغم الفكرة السائدة عن علاقة الشايقية بالسلطة، يقول أحد شعرائهم مستنجدا بالفقرا ضد الحكام، باعتبارهم السلطة الحقيقية:

يا ولاد جابر قول كب ويا المسوداب أهل القبب
تقلعوا الميجر من صنب1 تقلعوا النصاني الكعب
بس فشان أنه قليل أدب.

وكان مثل غيره من (الجلابة) يتزوج في البلاد التي يمكث فيها أو يتردد عليها. وأقول لـ (حياة) أبوك ينطبق عليه قول المادح: في كل بلد سوالو ولاد. ففي تندلتي تزوج (آسيا) بت ناس (جميل) وهي أم (هنية) و(آمال) و(فائقة) و(فوزية) و(عوضية) ومن الأولاد (صلاح) و(عماد) و(عامر) والذي توفي صغيرا. وتزوج في (الغبشة) وأنجب (عبدالله) الذي يريد استخدام شهادة ميلاد (حياة) في الدخول للمدرسة. وتزوج في حوالي التسعين من عمره من (أب رنات) قرب (القرير). وله من (بت الريح) الأولاد الكبار (أحمد) و(نفيسة) و(سيدأحمد) و(عثمان).

لقد أنساني سرد تفاصيل الأسرة الممتدة، حكاية الأسرة الصغيرة. فقد أنهت (بت أحمد) فترة التوقف الغريب والمقلق، وحاولت اللحاق بالآخرين من ذوي الإنتاج الكبير، خاصة وأن أبي لم تكن له غير أخت واحدة. جاءت (كوثر) في نهاية أكتوبر 1951م. وفرحت بها كثيرا، وكنت أضع المولودة الجديدة وسط الغرفة تحت الضوء لأرى لمعان عينيها مع نور الكهرباء. وكنت أريد أن أسميها (ناريمان)، لأن ولادتها تزامنت مع أحداث ارتباط الملك (فاروق) ملك مصر الأخير بناريمان صادق قبل حركة 23 يوليو 1952 بقليل.

وهذا يظهر أنني منذ ذلك الحين كنت على صلة ما بالعالم الخارجي، ولم أكن محليا. كما يدل اقتراح الأسم غير المتداول، على ميل للبحث عن الجديد وتجاوز السائد. فلم يذهب ذهني لأسماء مثل (زينب) أو (عائشة) ولا حتى (فوزية). ووجدت المولودة الجديدة اهتماما مبالغا، كيف لا وقد جاءت بعد هذا الانتظار الطويل. وكبر معها الاهتمام ليتحول مع الزمن إلى تدليل، ولنقل (دلعا)، عفاها من عقوبات وبالتالي من الضبط الاجتماعي المطلوب في تلك السن الممهدة لتكوين الشخصية. ومع سن المدرسة والاختلاط أكثر مع الآخرين، تدخلت مظاهر قسوة رادعة لمنعها من سلوك غير مقيد. واختلط التدليل مع القسوة في تنشئة (كوثر) مما جعلها في كثير من الأحيان مترددة في التصرف، أو يتدخل لديها الخطأ والصواب. ولسوء حظها، كان لوجود (فتحية بت أحمودي) خال والدي معنا في المنزل للدراسة، دورها في كسلها. فقد كانت تقوم نيابة عنها بكثير من واجبات الفتيات في تلك السن، وهذه الاتكالية حرمتها من تحمل المسؤولية، والتعلم، والاندماج اجتماعيا في الناس. وفي المدرسة، وقعت في يد معلمات أعتبرن رسالتهن تقويم البنات قبل فوات الأوان، مثل ست (عشة حسب الرسول) التي تخصصت في تأديبها بلا رحمة. وكانت على وشك ترك الدراسة بسبب خلل المعاملة بين البيت والمدرسة، وحاولنا التفاهم مع المدرسة. ولكن كان يصعب على (كوثر) التوقف عن الشيطنة والتخريب والإهمال. ولكنها كانت موهوبة في الرسم والعمل اليدوي، فاعتبرنا هذا مخرجا ولتكييف مستقبلها في هذا الاتجاه.

دخلت كلية الفنون الجميلة- المعهد الفني، في عام 1970م. وكانت المكان المناسب لقبول مثل تلك الشخصية، بالإضافة للتأهيل العلمي والمهني. فقد كانت بعض التخصصات الجديدة في مجتمعاتنا التقليدية، مثل الفنون والفلسفة، تتسامح في غرابة الشخصية وتعتبرها من متلازمات العبقرية والإبداع وكان ذلك يظهر في الشكل، والملبس، والسلوك الخارج أو المستفز. وفي كثير من الأحيان، كان كثير من الطلاب يدعون أو يجبرون أنفسهم على أن يكونوا مختلفين أو غير عاديين. كان إدخال هذين التخصصين: الفنون والفلسفة من أهم معالم الحداثة في محيط التقليد في السودان المعاصر. فالدين عموما لديه موقف محافظ من الفنون باعتبارها بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة للنار. وعقدة التحريم أو الكراهية، تكمن في محاولة تقليد ما خلق الله. أما الفلسفة، فمن تفلسف فقد تزندق. لذلك، كان على أهل هذين التخصصين أن يكونوا قادرين على المنافحة وإظهار حداثتهم وعلمانيتهم بلا مواربة. وتميزوا بنشاطهم ضمن الحركات التقدمية والحديثة، خاصة بين الفنانين. ولكن في مجال الفلسفة وعلم النفس أيضا، فطن الإسلامويون لضرورة ملء هذه المجالات بعناصرهم بهدف احتكارها ومنع انتشار الفكر النقدي والحديث. ومن الملاحظ أن كثيرا من التشكيليين اتجهوا نحو التصوف وجذبت الحركة الجمهورية بعضهم. ويمكن القول أن هذا الخلل في تطور الفنون والفلسفة، من أهم أسباب تعثر خطوات التنوير والتقدم في السودان.

يحتاج الفنان التشكيلي الناجح، لقدر من النشاط والمثابرة في عمله. ولكن الإصرار على فوضوية بلا ضفاف، والكسل الخامد، يقضيان سريعا على الموهبة الفطرية مهما كانت قوتها. وهذا ما جنته (كوثر) على نفسها، فهي لم تحاول المواصلة وتتعامل مع نفسها كفنانة: مهنة وهواية. وكنت على يقين بأن المرأة لأنها أقرب للطبيعة من الرجل، فهي بالتالي لديها الاستعداد والقابلية أكثر للتفوق. لذلك، دعوتها إلى (المانيا) وتجولنا في قاعات (فرانكفورت) و(برلين) وكان لابد من (اللوفر) و(باريس). وقد تفتحت أمامها فرصة التعامل مع الخارج، خاصة وقد أظهرت قدرة عالية في تصميم الأزياء. وفي حضور أستاذتها (كمالا) استعرضت مع زائرة أجنبية، مقترحاتها وكانت مقنعة .. لكن (كوثر) تشبه وطنها (السودان) تماما، قدرات كامنة غير محدودة وواقع مزري وشديد التواضع. واستمرت في هدر إمكانياتها، وبدا يلفها فراغ قاتل ثم تورطت في زيجة فاشلة مقدما أعترض عليها الكثيرون، ولكنه في النهاية كان قرارا خاصا جدا. وأنجبت بنتا ثم تم طلاقها، ودخلت في دور الشخصية المضطهدة داخل الأسرة وغير المحظوظة. ورغم أن الانفصال والطلاق مجرد تعثر في الحياة الخاصة وليس كارثة.

وكنت أحاول إقناعها أنه من الخطأ أن ترى المرأة نفسها ناقصة فعلا، بلا رجل. وضربت لها أمثلة بنماذج زميلات لي في التدريس مررن بنفس التجربة، ولكن كرّسن حياتهن لتربية بناتهن أو أولادهن، وجعلوا منهم أطباء عظيمين ومهندسين مهرة.

أطلق على أسرتنا المحدودة أو بيتنا، اسم (السودان الصغير)، فالسودان الأصل "ممحوق" لم يستفد من قدراته كما يجب، وما أنجزه أقل كثيرا من الممكن. وكثيرا ما أقول أن السودان الكبير ما هو إلا حاصل جمع هذه السودانات الصغيرة، لذلك علينا ألا نتعجب من مصيره الراهن وهذا المآل التعيس.

كان أخي (أنور) هو الثالث في الترتيب الأسري، ولد في فبراير 1954 بدنقلا العرضي، وسُمي تيمنا بالشيخ (أنور الإدريسي). إستهل حياته الدراسية متفوقا ولم يتخل عن أول الدفعة حتى نهاية المرحلة الوسطى. وتراجع مستواه الأكاديمي واهتمامه بالتحصيل الدراسي، وفي الشهادة حصل على نسبة تزيد قليلا من 60%. وسرعان ما صممت (بت أحمد) له مستقبله، كالآتي: (أبوه يكلم ليهو دفع الله - تقصد دفع الله الحاج يوسف - يشغلو في مصنع النسيج، ويقرا بالمساء في الفرع). ولكن- كالعادة- أبت على دعاوى الحداثة والتفلسف، إلا أن أتدخل بطريقتي "المُفلهمة". قلت المسألة ليست مجرد شهادة بل حياة وخبرة فيها، وكان (أنور) هادئا، قليل الكلام، وبطيء الحركة، وبالضروري أن "يتلحلح" شوية لمواجهة الدنيا بحكمة وفهم. ورأيت في دراسته بأوربا فرصة جيدة ليبدأ معرفة العالم من آخره أو من أحدث مافيه. وبعثت له ببطاقة السفر، ووصلني في (فرانكفورت) يوم 6 أكتوبر 1973م مع اندلاع حرب العبور. وبعد أيام قليلة توصلت إلى أنه لن يستطيع مجاراة إيقاع الحياة الألمانية، وخشيت عليه من الضياع الذي طال الكثير من الطلاب السودانيين والأجانب. واخترت له يوغسلافيا بديلا، باعتبار أنها رخيصة ويكفي أن أرسل له 100 مارك في الشهر وغير مطلوب منه أن يعمل ويدرس كما هو الحال في المانيا ورأسماليتها المستوحشة. وكانت أوضاع الدراسة في يوغسلافيا معروفة لديّ، فوقع اختياري على إقليم (مكدونيا) وعلى عاصمتها (أسكوبيا). ولكنني لم أكن أدري أن للحياة السهلة وجهين، فقد تساعد على التحصيل في أجواء هادئة، ولكنها في نفس الوقت قد تكون مغرية للاسترخاء والكسل والخمول. فقد تميزت المنطقة بتعددها الثقافي من سلاف وغجر وألبان وأغاريق وغيرهم. وكانت العاصمة تحتمل اندماج جالية سودانية ذات اللون المختلف، والقدرة على تحمل كل أنواع المشروبات الروحية، مع تميز باجتماعية مبهرة في تكوين العلاقات. وكانت النتيجة أن أغلب الطلاب شعروا أنهم في "وطنهم" الثاني تماما، فلا داعي للاستعجال والعودة. وقد عبر (ليستون) عن هذا المستقبل، في رده على إبن أخته (سليمان) القادم حديثا حين احتج على وقوفهم في الجليد، قائلا: ياجماعة عايزين تكتلونا بالبرد ونحن لا شُفنا حريرة ولا ضريرة! رد عليه سريعا: أنقُر أنت تاني حتشوف حريرة ولا ضريرة بعد ما جيت أسكوبيا؟

صرت زائرا دائما لمتابعة سير (أنور) الأكاديمي بلا جدوى، ولكن صرت صديقا لقبيلة سودانية اتخذت جبال أسكوبيا دارا بدلا عن سهول البطانة مثلا. فقد كانوا متماسكين بصورة جيدة ضد أي "اختراقات" من خارج الجماعة. فهنالك قسَم خفَي على عدم الإجابة على أسئلة مثل: فلان في سنة كم؟ أو فاضل ليهو كم سنة ويخلص؟ خاصة لو جاءت من أقارب له أو معارف. ولا يعطي الأسكوبيون مطلقا، عنوان سكنهم خشية أن يطب عليك فجأة أبيك أو أخيك مساء يوم ما، وظل العنوان بريدي فقط (Posta Restanta) تصل بواسطتها الحوالات والأخبار، وتجدهم يتحلقون حول المقاهي القريبة لو جابت الظروف لملاحقة من يهمك أمره. أما الإجابة على سؤال: ليك كم سنة؟ فقد حله لي طالب إيراني في (فريبورج)، قائلا: نحن صرنا نحسب سنواتنا هنا بالدورات الأولمبية التي حضرناها في المانيا وليس بالسنوات!

أخيرا، رجع (أنور) عام 1986م ليواجه كثيرا من مشكلات التأقلم من جديد والبحث عن عمل يليق بعمره ولايسبقه مجايلوه أي أبناء جيله. وتحول الهدوء القديم إلى توتر، وقلق، وتشاكس يصل أحيانا درجة العدوانية. ولكنه تكيف بطريقته مع نمط الحياة السودانية ليجد مكانا ما تحت الشمس المحرقة. وعمل بمصلحة الغابات حتى سن المعاش، وكان قد تزوج خلالها وأنجب ولدا وبنتين.

كانت (ثريا) هي المولود الثالث، في عام 1956م بالقضارف، وكانت شديدة الحيوية والنشاط الذي يبلغ أحيانا حد التسرع، وكان أصدقاؤها يغيظونها بتسميتها (الإعصار) لشدة اندفاعها أحيانا. وأذكر جيدا أول يوم لها بالمدرسة ولم تتعلم بعد حرفا واحدا، سالتها مازحا: تتهجى إسمك كيف؟ وبسرعة البرق ردت: ص راء ياء! ومازلتُ حتى اليوم أناديها بهذه الحروف. درست هندسة في (المعهد الفني) وعملت في مصلحة (الطرق والكباري). وكانت ذات علاقات واسعة، وسريعة في تكوين العلاقات ولكنها في نفس الوقت سريعة في فض كثير منها. فهي لا تفوت شيئا ولا تتحمل "الخمج" كما تقول ويقول إبنها (حمودي). وقد أضافت (ثريا) بانفتاحها على الناس، بعدا جديدا لأسرتنا الصغيرة. فقد صرنا بفضلها "نسابة" لأسرة أنصارية عريقة، حين تزوجت زميلها في الهندسة (عبدالسلام بشرى حامد). ووالده من أحفاد الإمام (المهدي) ولكن من الجناح البروليتاري للأنصار. وكان والده السيد (حامد) يحظى باحترام ونفوذ في (الجزيرة أبا)، ولذلك فاز بجدارة في انتخابات عام 1965م. ولكنه قام بخطوة أثّرت في تاريخ السودان الحديث حتى اليوم. فقد تنازل عن مقعده في البرلمان للسيد (الصادق الصديق عبدالرحمن المهدي) بعد أن بلغ الثلاثين من عمره.

كان لنا نصيب من مخطط حكم الإسلامويين الخاص بافراغ السودانيين من الكفاءات، بل خطة اجتثاث النخبة التي بدأت في التكون منذ مجيء الإدارة البريطانية، فقد رأى الإسلامويون في وجود إنتلجنسيا حديثة، وتكنوقراط، وفنانين مبدعين ينتمون للعصر، ونساء متحررات، ورأسمالية وطنية، ومجتمع مدني يمور بالنقابات والاتحادات والروابط؛ رأوا في كل ذلك عقبة كؤود في طريق العودة بالسودان إلى ظلمات العصور الوسطى. فقاموا، فور استيلائهم على السلطة، بفصل كل المخالفين لهم في الرأي، من أجهزة الخدمة المدنية. وكلها كوادر مؤهلة صرف عليها الشعب السوداني مقتطعا من لقمته. وحدث هذا في بلد نسبة الأمية تفوق ال 80% ويحتاج لخريج المدرسة الوسطى. أي تخريب هذا وأي خيانة بإسم مشروع حضاري يبدأ باجتثاث المتعلمين والمستنيرين؟!!

كان الإسلامويون يتربصون بالقوى الحديثة منذ زمن طويل حتى في فترات الديمقراطية التي كانوا جزءا منها. يكتب أحد مؤرخيهم الملتزمين: "وإذ تولى مكتب الفئات المختص والذي ظل ضمن الأجهزة المستترة لا سيما شقه الأمني المعلوماتي الذي كان يستقصي أحوال العاملين في الأجهزة الرسمية بين يدي كل الانتخابات النقابية وانتخابات اتحادات العمل والمهن منذ أول الحركة، ثم انتظم واتصل بكفاءة وفعالية مع مراحل التخطيط الاستراتيجي بعد المصالحة الوطنية، بدأ في عهد الثورة مرحلة جديدة أشد حساسية وخطرا عن مجرد الفوز بكسب المقاعد في نقابة أو اتحاد، إلى المساس بجوهر عملية تأمين الثورة الإسلامية. فوجدت عناصر الفئات ذات النزع الأمني والمعلوماتي في قوائم "الصالح العام" سانحة قياسية لحسم تاريخ طويل من الصراع المهني والنقابي، ولم تجد أنّات الآلاف في تلك القوائم وشكاواهم الموضوعية المريرة ممن فقدوا مصدر رزقهم ومعاش أبنائهم أذنا صاغية أو بديلا يلجأون إليه ليؤمن لهم كسبا يجنبهم الجوع والفاقة ويستر عالة أبنائهم ويحفظ صحتهم وتعليمهم". (المحبوب عبدالسلام، الحركة الإسلامية...، 2010، ص 111-112).

هذا اقتباس مطول من إسلاموي كان شديد القرب من شيخ حسن الترابي، ولكنهم جميعا لم يحركوا ساكنا إلا بعد أكثر من عشرين عاما. فقد كان بين الإسلامويين اتفاق بأن الله سوف ينصرهم بالرعب وتخويف مواطنيهم. لذلك كان (الصالح العام) وبيوت الأشباح. فتفاجأ السودانيون و"إنخلعوا"، فتساءلوا: "من أين أتى هؤلاء؟" لأنهم لم يكونوا يتصورون أن سودانيا يفعل في بني جلدته، ما لم يفعله الاستعمار. واستمرت سياسة الإسلامويين المعلنة والمطبقة هي احتقار شعبهم والكذب عليه بلا تردد. وكانت الهجمة الإرهابية الإسلاموية ناجحة، لأنها شلت قدرة هذه الآلاف على أن تنظم نفسها وتواجهها جماعيا واتجه الجميع نحو الخلاص الفردي. وتعرضت أختي الأصغر (سمية) مع زوجها (عبدالرحمن قرشي) للفصل معا في يوم واحد من وزارة الثقافة.

هاجرا (ثريا وعبدالسلام) لأمريكا، وكانت الفائدة الكبرى هي تفوق أبنائها في الدراسة. فإبنهم (شادي) الذي كان يعاني من مناهج الحفظ العقيمة في السودان وكاد أن يفشل، تفوق هناك وحصل على قبول بمنحة في كل من جامعتي (هارفارد) و(ستانفورد). وفضل الأخيرة لأنها أقل أرستقراطية، وتخرج بتقدير عال، وهو الآن من أميز محرري وكالة (رويترز) في شؤون مصر والسودان.

كانت (سمية) المولود الرابع في عام 1959م ولكنها غادرتنا سريعا قبل خمس سنوات، رغم حبها الدافق للحياة. كانت تحب المرح والضحك والسخرية والتقليد. وتستمتع بالشعر والأغاني، وتمتلئ نوتاتها الصغيرة بشعر هاشم صديق، وحميد، ومحجوب شريف، والقدال، بالإضافة للقصاصات من الصحف. وتعجبها الثياب الملونة والفساتين الأنيقة، وكانت لنا حكايات لطيفة في الثياب حينما كنت في (الإمارات). فهي تطلب ثوبا معينا فأحضره لها، وتقول هذا ليس المطلوب بالضبط، ولكن تحتفظ وتحدد المطلوب الآخر. وكنت معها في مكايدات، وكانت كثيرة المرض في طفولتها وحين أعود في العطلات، أسألهم: إنتو بتكم دي لسه حية؟ ولكن حين ذهب بها القدر حقيقة، بكيتها بحرقة بالغة، وأصابني ما نسميه (اللارو) -أظنها نوبية- توقع للحدث يصحبه توهان نفسي ولا تحديد للمشاعر. فقد حضرت فجر ذلك اليوم لمستشفى (فضيل) وعلى باب غرفتها في العناية المركزة، استوقفني الطبيب: البركة فيكم! دخلت عليها ووجدتها كالنائمة، قبلتها ولاحقني رماد طعم الموت ولازمني لفترة وظل يعاودني عندما أتذكرها.. الآن ازدرده في فمي. ورددنا لها أغنية (عمر أحمد): كان بدري عليك تودعني وأنا مشتاق ليك.

ولكننا نحاول أن نتعود على الموت وهذه جسارة وعظمة الإنسان، وكما يقول الوجوديون "إن سمو الإنسان يكمن في كونه الكائن الوحيد الذي يدرك أنه ميت ومع ذلك لا يتوقف عن الحياة". ولذلك يلجأ الموت دائماً للخديعة، وهذا ما أسماه الشاعر الجاهلي «الموت الفجاءة» ومع ذلك يتسلل الموت إلينا بحيل شتى، وللمتنبي قول رائع - كالعادة - في هذا المجال:

لولا مفارقة الأحباب ما وجدت لها المنايا إلى أرواحنا سبلا

فالمنايا تعودنا على قبولها حين نفارق الأحباب، ونرى الموت فيهم ونتألم لفقدهم. ومن التكرار، وفقد الأحباب ومفارقتهم، يحاول الموت أن يكون صديقاً وعادياً ومقبولاً وهذا هو الطريق السهل إلى أرواحنا والتي تكون قد عرفت الموت وتساكنت معه.

وللألمان مثل يقول: "الفراق أو الوداع موت صغير"، وهكذا أيضاً من خلال هذا الموت الصغير المستمر نصل في النهاية إلى الموت الكبير.

تركت لنا قرنفلتين من أثرها: (فينوس) و(وضاحة) - لاحظ دلالة اختيار الأسماء - و(حمودي) الذي تردد هي ووالدتها: طريقتو زي خالو! فأشعر بالزهو لهذا المدح الموارب، كان آخر العنقود في الأسرة الصغيرة، وفق حساباتي أي فارق السن، هما (ياسر) المولود عام 1961م و(ناظم) ولد عام 1964م. وكان والدي يريد أن يسميه (عمّار) وأرسل لي برقية بذلك من (جوبا). ولكن شاعري الرائع التركي (ناظم حكمت 1902-1963) كان قد رحل قبل شهور. وكانت مفاجأة لأبي، ولكنه بتسامحه المعهود، تجاوز الأمر. وقد حظيا باهتمام كبير، خاصة وقد صرت مشاركا لأبي مع تقدم سنه، في كل المسؤولية العائلية. ولذلك، كان لديّ شعور أبوي خاص نحوهما. وكانا محظوظين فقد جاءا في مرحلة رفاهية أسرتنا، وظهر ذلك حتى في تكوينهما الجسماني الجيد. أما نحن فقد جئنا في عهد (الويكة) و(النبق) وحتى الدايات البلديات. وتقول بعض الأغاني الهابطة التي تمجد المجتمع الاستهلاكي الإسلاموي الذي اجتاح الوطن:

نحن تربية بيت
وفرش موكيت
تربية عز
ورضاعة بز

وقد درسا في مصر، الأول الهندسة والثاني علم نفس واجتماع. وهنا تظهر جليا جريمة حكم الإسلامويين في تفريغ البلاد من شبابها وكيف أنها تصادر مستقبلنا وتختطفه، بعد أن سلبتنا الحاضر. فقد كانا ضمن الخروج العظيم (exodus). فالأول يعمل مهندسا قديرا في (أراب سات) بالرياض، والثاني تسحقه ماكينة الرأسمالية في (مينوسوتا) قارصة البرودة. وهذا بعض من حصاد المشروع الحضاري الإسلاموي على مستوى أسرتي الصغيرة، فكيف بالسودان جميعه؟ فهي لم تتعرض لقصف دارفور وجبال النوبة، ولكنها تعرضت لقصف من نوع آخر وهو في المركز وليس في الهامش، وقد يصنفها البعض بين الجلابة وأولاد البحر.

الهوامش

  1. صنب الاسم الذي اشتهرت به مروي بسبب الآثار ↩

شارك الصفحة

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟