حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية
أزمنة الريح والقلق والحرية

الفصل الأول: الميلاد - القدوم

المحتويات

نعمل - نحن أسرة حيدر ابراهيم - على إتاحة كتبه جميعها مجاناً للمنفعة العامة ومواصلة مشروعه التنويري. تبقى جميع الحقوق محفوظة ويمنع طبع أو نشر الكتب الا بموافقة مكتوبة.

فما حاولت في أرض مقاما ولا أزمعت عن أرض زوالا
على قـلــق كأن الريح تحــتي أوجـــهها جــنوبا أو شمالا
(المتنبي)

"أن نحيا بالموت أو أن نموت بالحياة من شدة الرغبة في عدم الموت،
أي الموت بالخلود".
(هيرقليطس)

"أنا من بين هؤلاء الذين خلقوا للاستثناءات وليس القواعد."
(أوسكار وايلد)

"علامة الحرية ألا يخجل الإنسان من نفسه".
(نيتشه)

كانت أربعينيات القرن الماضي أكثر فترات التاريخ البشري صخبا، وتجديدا، وحركة. فقد شهد العالم والإقليم والوطن، تحولات ما زالت حتى اليوم تحدد مصائر الشعوب، والحروب، أو السلم أو الاستقرار والفوضى. وكل الذي نعيشه الآن هو من بذور تلك الحقبة الضاجة بالأحداث، ونتيجة المنعطف المختلف. وكان للدنيا في تلك الفترة إيقاع آخر على كل المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية، في الداخل والخارج، فقد كانت فترة فجر العولمة وانبثاقها المُبَكر. فقد بدأ العالم يتحول لقرية، نتيجة للحرب، وإطلالة الرأسمالية من رمادها، وانقسام العالم لمعسكرين وبداية الرعب النووي. ولم تعد العزلة ممكنة مع قيام الأمم المتحدة، والأحلاف، والتكتلات، والشركات عابرة القارات، وتكنولوجيا المواصلات والاتصالات. ومن هنا تزايدت قوة التأثيرات الخارجية على كل أقطار العالم، وصارت العوامل الخارجية، داخلا.

لم يكن السودان استثناءً، فقد بدأ الاستعمار يجني ثمار تناقضه الداخلي. فالتعليم المحدود، والمحدد الأغراض الذي أدخلته الإدارة البريطانية، لم ينتج صغار الأفندية فقط. فقد بزغت من أحشائه فئة الأفندية أو صغار الموظفين، والذين كان بعض الاستعماريين يصفونهم بـ"أنصاف المتعلمين"، نخبة، كونت حلقات للقراءة وتعرفت على حق تقرير المصير، واطلعت على فكر الاشتراكية الفابية، وعلى أخبار حزب المؤتمر الهندي. وكانت نتيجة التعليم الأجنبي "الناقص" تأسيس أندية للخريجين عام 1918، ثم قيام مؤتمر الخريجين في عام 1938. وانطلقت المعركة بين التقليد والحداثة منذ ذلك الحين وحتى اليوم. فقد بدأ تيار الخريجين والمتعلمين مسيرته في تنافس وحصار من القوى التقليدية ممثلة في القبلية، والطائفية، والمؤسسة الدينية الرسمية (العلماء)، والشعبية (الطرائقية الصوفية). وكل هذه كيانات حرصت الإدارة الاستعمارية على تنظيمها ومأسستها، أو على الأقل تشجيعها. فقد كان قانون الحكم غير المباشر هو أساس الإدارة الأهلية التي قننت حكم مشايخ وزعماء القبائل عام 1927. كما دشن (سفر الولاء) في عام 1919 لتهنئة بريطانيا بالانتصار في الحرب العالمية الأولى، انحياز فئة الزعماء الدينيين السودانيين للإدارة الجديدة: الحكم الثنائي. وتأسس المعهد العلمي بأم درمان عام 1912 وعينت الحكومة الشيخ (محمد البدوي) لإدارته. وهكذا اعتمدت الإدارة البريطانية سياسة (فرّق تسد) ولعبت على تناقضات التيارين: التقليدي والحديث، في كسب التأييد. وقد نشب الصراع الأساسي، حول أحقية من يمثل الشعب السوداني ويتحدث باسمه؟ وكان الخريجون هم الأكثر انفتاحا على العالم الخارجي وأكثر دراية بالتغييرات والتحولات الدولية. وضمن هذه الأجواء العالمية المواتية، انبثقت بين الخريجين، روح جديدة، حيث تقدم المؤتمر بمذكرة تاريخية في 3 أبريل 1942 للإدارة البريطانية. وتضمنت مطالب رئيسية مثل: حق تقرير المصير، وقيام هيئة تشريعية لإقرار القوانين وإجازة الميزانية، والعلاقة مع مصر، وتأكيد وحدة شمال وجنوب السودان، وسودنة الخدمة المدنية. ورغم موقف السودانيين الثابت مع بريطانيا والحلفاء في الحرب، إلا أن الحكومة رفضت فكرة أن يقدم مؤتمر الخريجين نفسه كممثل للشعب السوداني، ولكنها وعدت بالنظر في سبل زيادة مشاركة السودانيين في حكم أنفسهم.

ضمن هذه الظروف، وفي هذا السياق صدر أمر في سبتمبر 1942 يقضي بإنشاء المجلس الاستشاري لشمال السودان. وقد تم افتتاح المجلس الاستشاري في الخامس عشر من مايو 1944. وتكون من ثمانية وعشرين عضوا أغلبهم من زعماء القبائل (الإدارة الأهلية) وبعض التجار والموظفين ومن أعضائه السكرتيرون الثلاثة: الإداري والقضائي والمالي، ويرأسه الحاكم العام. وسبق لمؤتمر الخريجين، وكانت الدورة برئاسة إسماعيل الأزهري، أن قرر مقاطعة المجلس. وكانت هذه بداية الانقسامات التي لازمت العمل السياسي السوداني حتى اليوم. فقد دخل الاستقلاليون (مؤيدو السيد عبدالرحمن المهدي - حزب الأمة بعد 1945) المجلس. بينما قاطعه الاتحاديون (مؤيدو السيد علي الميرغني ودعاة الوحدة مع مصر وعلى رأسهم مجموعة الأشقاء نواة الأحزاب الاتحادية بعد عام 1944).

كانت سنة 1944 تعرف ب"سنة القنابل"، وهي لم تصل إلى الخرطوم بحري. كما تسمى "سنة التموين" فقد أدخلت كثير من السلع الاستهلاكية في لب التموين بسبب شُحها. ويبدو أن دول المحور، المانيا وايطاليا، قد أزعجها تحرك الجنرال البريطاني (مونتقمري) السريع في الصحراء الغربية بعد أن تقدم في البداية الجنرال الألماني (روميل). وتم قذف القنابل عشوائيا في شرق السودان، حيث وجود الإيطاليين في إريتريا، لشغل البريطانيين في جبهة أخرى. والشاهد هو أن السودانيين كانوا عنصرا نشطا في الحرب ولم يكونوا بعيدين عنها، خاصة (كرن) في الشرق و(كُفرة) في الصحراء الليبية الغربية، وحتى الأغاني عكست هذا التفاعل، وعن بذل المحاربين السودانيين في الجبهة الغربية، يكتب الضابط الشاعر (محمود أبوبكر)، صاحب نشيد (صه ياكنار)، وقصيدة (زاهي في خدرو) التي غناها الفنان (أحمد المصطفى) والتي يصف فيها فراقه للحبيبة قبل ذهابه للجبهة الغربية:

" قالو ليا القطر تقدم وكُفرة نيرانها زي جهنم
حنّ قلبو ودمعو سال هفّ بالشوق قال وقال "

كما غنت (عائشة الفلاتية) للمجندين:

" الله ليا الليمون سقايتو عليا
الله ليا جاهل صغير وحمامة
الله ليا يوم لبسوه الكمامة
ودوهو خشم القربة
ياربي عودة سلامة
ياحاج أنا
الله ليا في الجو طيارات
وفي البحر غواصات
الله ليا وفي البر دبابات مدمرة "

كما غنت:

" ويجوا عايدين ضباط مركز تعيين "

ويردد الأفندية المطاميس في قعداتهم الماجنة قصة القنبلة التي أصابت حمار (كلتوم)، وهذا ما عُرف في القعدات بالأغاني الدكاكينية:

" طيارة جات من بدري حاملة القنابل تجري
جات تضرب الخرطوم ضربت حمار كلتوم.. ست اللبن "

وقد تجاوزت موضوعات ثقافة أغاني (التُم تُم) عن الحرب حدود البلد، فقد اشتهرت هذه الأغاني مجددا، أثناء الحرب الكورية (1951) مثل:

" الله ليا كوريا ياشباب كوريا "

كما سُمي عدد من الأحياء الشعبية في بعض المدن بكوريا، وغالبا ما تكون مشهورة بممارسات اجتماعية معينة.

عُرفت تلك الفترة قصائد المدح أو الحماسة حسب لغة ثقافة الإنقاذ، ووصف المعارك من على البعد. وعن قصف (كرن). فقد دبّج الشاعر (محمد الحسن النصيري) قصيدة غنائية شعبية مطلعها "خطرية طوبجية سودانية قدرك سما"، جاء فيها:

" ضابطنا يا البحاري مقدام على الأخطار
يوم الهجوم الناري طاري أُم شِلِيخَا مجاري "

(المقصود الملازم أحمد مجذوب البحاري من قيادات انقلاب عبود 17 نوفمبر 1958 وصار وزيرا)

وخلّدت شقيقة الضابط (حسن بشير نصر) بطولاته بأغنية حماسية مطلعها "كشّاف للجيوش"، تقول فيها:

" كشّاف للجيوش مُودعاه الله يسلم حسن من غارة ما ضلّ
في يوم الحرب، شلت النصر لي جيت
وقِدام الصفوف زي القمر ضويت "

من الظواهر الاجتماعية والثقافية الغريبة التي تواكب فترات الحروب، هذا الميل المجنون للطرب والمجون أو "الفرفشة" لخداع الإحساس بالموت والفناء.


في فجر الحادي عشر من مايو 1943 والحرب العالمية في أوجها، ولم يكن (السودان) بعيدا عنها؛ فقد ساعدت في صعود الحركة الوطنية. وفي ذلك المنزل الريفي الطيني البسيط في قرية (القُرير) على أطراف مملكة (كوش) والتي حكمت مصر خلال الفترة (725-660 ق. م.). فهي تقع قرب (مروي) المدينة التاريخية المواجهة ل(جبل البركل)، والتي نقل اليها معبد الإله (آمون).

ومروي تُسمى (صنب) لوجود الآثار (الأصنام). وهي غير (مروي) القديمة أي (النقعة) و(المصورات الصفراء) قرب (شندي) الحالية، والتي استمرت من نهاية حكم مصر حتى أسقطها (عيزانا) القادم من إثيوبيا عام 350 ميلادي.

ويصادف يوم مولدي هذا نفس اليوم من عام 564 ق. م. الذي يعتقد البوذيون أنه يوم ميلاد "بوذا" وأسمه الحقيقي (جوتاما)، وتعني كلمة بوذا الإنسان العاقل أو المستنير. كما ولد الفنان سلفادور دالي في نفس اليوم عام 1904. وهي مصادفات مع ميلاد شخصيات جمعت بين كامل الحكمة والعبث، فيا ترى ماذا يحمل هذا من بشارة للمولود الجديد؟

في ذلك اليوم جاء إلى الدنيا مولود فرحت به الأم الصغيرة التي تكبره فقط بحوالي خمسة عشر عاما. وملأت الفرحة المنزل الطيني المتواضع، وحتى الجد الوقور لم يستطع إخفاء سعادته. فالتبكير بمولود ذكر في الأسرة بشارة خير، وفأل حسن، ومصدر فخر لأنه سيزيد عدد الرجال في هذه الأسرة الذكورية وهي جزء من المجتمع الذكوري الكبير، فهو سيُخلّد أسمها. ولذلك تدعو أو تتمنى الأم الشايقية لإبنها في سيرة العرس الولد البكر، وتترنم قائلة:

" تبكر بوليد وأنا أشيلو اسمو "

حملني جدي (أحمد) وذهب بي فرحا، إلى الديوان (بيت الرجال) ليقوم بعملية تدشين وتبريك. واستفرد بي في الديوان ليقرأ لي ك(تحصين) بعض آي من القرآن، ويعزم لي حماية من شر حاسد وما حسد، والعين الحارة. كما يقوم بعد ذلك باستشارة الخيرة أو استطلاع مستقبلي، وقد ينظر في برجي وهو الثور ويقول بعض مفسري الأبراج أن صاحب هذا البرج يمتاز بالمثابرة والصبر. ولكنه لا يتوقف هنا، ويقدح (الجد) فراسته، وقد نبهته العرّافة المسلمة الغائبة إلى احتمال وجود علامات موحية على جسد المولود. وبالفعل وجد علامة أو شامة على ظهر كفي اليمني تميل إلى الاخضرار - حسب التلوين السوداني أو إلى السواد - وعاد بي إلى فناء النساء، مستبشرا قائلا:

" الولد دا سيكون صالح، وبخيت، وناجح ".

وقاطعته قريبته (الهادي) وهي وحدها القادرة على السخرية منه ومعارضته، بقولها:

أها ياناس أب أدي (باللهجة الشايقية) - أي بدينا يا ناس (أب يد) - وهو درويش في القرية عرف عنه أنه فور ما يولد لهم مولود، يشرع في البحث عن علامة على جسده ليطلق نبوءة أو توقعا لمستقبل الطفل.

ويُقال أن الجد قام بعمل تحنيك أو ترييق، إذ يقوم بمضغ تمرة جيدا ويمسح بها لهاة الطفل لينقل ريق ذلك الشخص وبالتالي طباعه وأخلاقه. وهناك أحاديث تثني على هذه العادة. وكتب الجد، كما قال (محمد المهدي المجذوب) "ميلاده مؤرخا في المصحف الوضيء". ولذلك تحدد تاريخ ميلادي - لاحقا - في وثيقة رسمية أصلية (11/5) وتجاوزت تاريخ الميلاد السوداني: في يوم واحد واحد سنة كذا، وهو المعهود بين أغلب أبناء جيلي.

وكان الاسم (حيدر) من إبداعات الجد. ويدل هذا الاختيار على ثقافة الجد المختلفة، فالاسم جديد وغير تقليدي ولا يكرر أسماء الصحابة والخلفاء، والعبودية لله. ويتميز بالطابع الشيعي للإسم فهو من أسماء الإمام (علي بن أبي طالب) ويعني (الأسد). وقد ميّزني الاسم عند زيارتي لطهران، باعتباره حسب تعبيرهم "اسم جيد" (good name). وأظن أن الإسم المختلف عما كان سائدا، ومن المحتمل أن يكون قد مثّل تدشينا غيبيا، مبكرا للخروج عن العادي والسائد، ورفض المألوف.

أرى نفسي إبن فترة قلق، وهدم، وبناء وتأسيس. وليد عواقب الحرب العالمية الثانية، وتوابعها من أمم متحدة، وميثاق حقوق الإنسان، ونكبة تقسيم فلسطين، وبداية الحرب الباردة بعد تقسيم العالم إلى معسكرين: اشتراكي ورأسمالي، والعصر الذري بداية من قنبلة هيروشيما، ومشروع مارشال وبناء المانيا واليابان، وبروز الصين كأكبر دولة شيوعية عددا. لقد جئت في منعطف خطير وثري من تاريخ البشرية. ويقال أن ما أنجزته البشرية من علم ومخترعات خلال القرن العشرين يعادل كل إنجازات البشرية منذ أن وقف الإنسان العاقل على قدميه الاثنين. وعلى المستوى الوطني والمحلي، فقد شهد مقدمي صعود الحركة الوطنية السودانية. وهكذا ترعرعت في حقبة موّارة بالأحداث والتحولات العاصفة، وجئت للدنيا في مطلع عالم جديد شجاع. ألم يصبح عصر الفضاء! واحتفلنا ب(فالنتينا) رائدة الفضاء، ثم حضرنا في أواخر العمر الإنترنت والكلام بالإسكايب، وليس بالخيوط كما تنبأ الشيخ (فرح ود تكتوك).


كان من واجب الأم الذكية، أو الفالحة، والنجيطة- هذه صفات إيجابية بين الشايقية ومرغوبة - وهي عكس "المرة البومة" أو "الخرقا"، أن تُجهز لولدها سيرة يُحتفظ بها حتى يوم العرس، حيث تغني له وسط فرح الأهل والأقران. وبالمناسبة، من أهم التصنيفات الاجتماعية والأخلاقية بين الشايقية، التقسيم حسب صفات "البوامة" و"النجاضة"، والبوم في كثير من الأحيان هو نيء أيضا، أي لم ينضج تماما بعد. وهي تعني صفات وخصال مثل سوء تقدير الأمور أو أشتر، والفشل في التصرف اجتماعيا. وهي تعادل كلمة "دُمُك" التي كان يستعملها أهل المدن آنذاك. وهي عكس الفطنة، وسرعة البديهة، والظرف، والأريحية. وهي صفة في التقويم الأخلاقي - الاجتماعي الشعبي، أفضل من "العوارة"، فالعوير/ة يخلط كل أنواع السلوك، و"تستوي لديه الأضواء والظُلم".

وكانت (بت أحمد) تعتبر نفسها نجيطة أو كما كانت تقول لنا متحدية: "أنا والله اكتّف النمل!" دليل على النجاطة، والحذق، والدقة. لذلك، شرعت في نظم سيرتها المتميزة، وكانت تدندن خلال العواسة أو أثناء الطبخ بسيرتها المستقبلية، مرددة:

" قايمي السيرةِ لي ولدي وللولد البشيل قولي
قايمي السيرةِ للدكتور وللولد البحق القول "

وحين صرت معلما وليس طبيبا، قالو لها البعض: "سيرتك ما ظبطت ما طلع دكتور". ولكنها انتظرت طويلا، لترد عليهم ذات يوم: أها، بقي دكتور قراي (أي قراءة)! فهي لا تحتار في الرد، لذلك أسميها (حنك البليد البوم) فهي تتكلم لنفسها، وكذلك دفاعا عن الآخرين الصامتين، ولا ترى في ذلك تطفلا بل نجدة وتضامنا.

وتُردد الأم السيرة كأهزوجة للنوم، ويهدهد بها الطفل. وقد سمعت رواية من الأمير (ود أب ريش) في (البركل) عن هدهدة غريبة، ولكنها تكشف عن بعض ملامح نمطية لشخصية الشايقي، وفيها بعض حق وبعض تحامل، إذ تقول الأم لطفلها:

" متين تكبر يا عشاها وتشيل عاقة على وطه "

أو في قول آخر قد تردد الأم:

" متين تكبر يا ضوايا
تشيل الديم للشكية
و تبقى في الجودية زي ود ترية "

(الجودية ليست من الجود والكرم، بل تعني هنا الوساطة وفك النزاعات بين الناس).

وفي ظرف آخر تقول الأم الشايقية:

" متين تكبر لي ديمي وتشيل عاقة ناس كريمي "

أو:

" متين تكبر لي من جهلك
تسوي الفتنة متل أهلك
وشهادة الزور ورا ضهرك

وعندما ناقشت (ود أب ريش) حول وجود قيم سالبة في مثل هذا الكلام، وبعضها غير ديني مثل "شهادة الزور"، كان رده: "الزول الفاهم هو الزول الشكاي، هو رحمة للناس يدافع عن حقه ويحامي للمظلوم. تقعد ساكت في البيت يطيروك وين! شهادة الزور لازم أنجد زولي وامرقه من أي ورطة". (هذه قاعدة أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، بمحتواها الجاهلي).


يبدو أن طفولتي كانت سعيدة وملائكية، ولكنها فترة فردوسية قصيرة. وتذكّر بقول المفكر والشاعر السنغالي (ليوبولد سنغور) (1906 - 2001):

" لست أدري في أي زمن حدث ذلك
فأنا أخلط بين الطفولة وعدن
مثلما أمزج الموت بالحياة -
جسر مودة يربط بينهما

النشأة

كنت محظوظا، إذ يقول التحليل النفسي، وعلى رأسه (فرويد) أن شخصية الإنسان تتكون في سنواته السبع الأولى. فقد مارست الحرية والاختيار مبكرا، وكان لتعدد مراكز السلطة التربوية أثره الإيجابي عليّ. وتمثل ذلك في غياب أي سلطة توجيه مطلقة واحدة تفرض عليّ رؤيتها أو طريقتها. ولازمتني تلك النعمة أو النقمة طوال حياتي، أي غياب أو تغييب السلطة. فقد نشأت على رفض السلطة والتمرد عليها، مهما كان مصدرها، أو مداها، أو قوتها. فقد كانت تعددية المربين والموجهين، وكثرة الآباء والأمهات غير المباشرين، والحبوبات؛ تعني أن السلطة الخارجية غائبة أو ضعيفة، وبالتالي تعود مرجعية قرار السلوك إلى الطفل نفسه. ولذلك، صارت صدفة الحرية هذه، هي القانون الذي يحكم مصيري. وهذه ليست فوضى، ولكنها يمكن أن تكون مسؤولية مبكرة، فقد كنت أحاول ألا أُغضب هذا الجمع الذي يحبني، ويتوقع مني الأفضل. وبالتالي، كان ينمو حس بالحرية، داخلي، هو الضمير الخاص الذي يتجنب الخطأ أو العيب أو زعل الأحبة. وهذا نوع من الضبط الاجتماعي الذاتي، والعفوي الراسخ، وعالي القيمة. فكنت لا أريد أو لا أطيق أن أسمع أحد المحبين أو القريبين يقول لي: أنا زعلان منك يا فلان عشان عملت كده أو ما عملت كده. أحاطني حب دافق وبلا حدود من رجال ونساء، اختصروا لي الإنسانية والعالم في محيط صغير، وعدد قليل من البشر. ونشأت قادرا على تلقي الحب ومنحه بلا شروط، فالحب في هذه الحالة يصير مثل الينبوع الدافق بطبيعية غير مصطنعة وسهلة لا تتعب صاحبها. من جانب آخر، فالكراهية عبء ثقيل، تتعب في حمله الروح، وهي تتجول به في الدنيا كل الوقت.

لم تكن لديّ أم واحدة بل أمهات: فهذا العدد الكبير من الخالات، والعمات، والحبوبات المباشرات وغير المباشرات، يشملهن وصف الأم وشعورنا المتبادل طبعا. وقد كان للحبوبات بالذات، الأثر الكبير في تنشئتي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وكثيرا ما نقول عن شخص ما: "دا تربية حبوبات"، بقصد المدح أو الذم أو الاثنين معا. فالحبوبات مستودع الحكمة، والأحاجي، والتأديب، والخرافات، وسادنات العادات والتقاليد، ومناط القيام بأخطر دور وهو إثبات الأصول والأنساب. وفي هذه الحالة، ساعدن في استدامة وتكريس العنصرية، لأن الحبوبة تقوم بتحديد أو معرفة من فيه "عرق" أو "حر" - حسب لغة تلك الفترة - بسبب معاصرة الأسلاف. وقد عاشت حبوباتي السنوات الأخيرة للمهدية ويحكين عن "الكَسرَة" أي هزيمة جيش المهدية في كرري. ويتحدثن عن الممتلكات الثمينة المدفونة خشية النهب، حين يقمن بتجهيز "حفر الدخان" بقصد التجميل والصحة. وقد حافظن على الطقوس قبل الإسلامية في الثقافة السودانية الشمالية، والمرتبطة بدورة الحياة، من الميلاد وحتى إعداد الجثمان والحداد، مرورا بجرتق العرسان. وتخضع الأم والمولود لسلسلة من تلك الشعائر والممارسات لمنع الكبْسة، والعين، وكل أشكال السحر. ومن وسائل صدها أنواع عقود الخرز والجعران والاصداف، كذلك رسم صليب بالكحل على جبهة المولود، ثم قطع جريد النخل، وتختم الأربعين يوما "فترة النفاس" بزيارة للنيل يغتسل فيها الاثنان - الأم والمولود - بالماء (وفاء النيل؟) ورمى الخرق التي استخدمت خلال فترة أربعين الولادة. كما تشرف الحبوبة على عملية الخفاض الفرعوني للبنات، وتتأكد من عدم تهرب الوالدين المتعلمين من هذا الطقس الهام. ومن أسوأ الصفات في التنابذ: "يا غلفاء"، والتي تربط دائما في تصنيف ثقافة الحبوبات التقليدية بغير "الحرائر". وقد ذكر (ترمنقهام) (Spencer Trimingham) تعليقات ثاقبة عن الصراع الثقافي بين الأفندية والحبوبات في السودان، مؤكدا انتصار "ثقافة" الحبوبات المستمر على "التعليم الحديث"، وذلك بسبب تحكمهن في "الحوش" الكبير - مملكتهن المطلقة - فالأفندي يخشى أن يقود أفكاره التحديثية داخل المنزل إلى مداها، لأنه - حسب ترمنقهام - أناني وليس مخلصا في أن يمتد التغيير للجميع. وليس له نفوذ في رفض الثقافة التقليدية بين نساء الأسرة الجاهلات، ولا تأثير لحكمته ومعرفته بين الحبوبات. (Islam in the Sudan, London, 1965:112). ويصلح وصف (إدوارد عطية) لتجربة (معاوية نور) للتعميم على ظاهرة صراع الأفندية والحبوبات، يكتب: "لك أن تصوره وهو في أحضان أسرته في أم درمان تحيط به والدته وعماته وأخواته وبنات عمومته والنساء المنعزلات اللاتي لم ينظرن أبدا إلى أجنبي، نساء أميات ليس في عقولهن سوى الحقائق الأولية للحياة البايولوجية والعائلية كالولادة، الخفاض، الزواج، الحمل، الطلاق، الموت، النواح على الميت، الطبخ والزينة الشخصية. ثم تصوره في هذا الإطار وهو يقرأ أعمال جين أوستن والدوس هكسلي وهو يتجول داخل حجرات الرسم الإنجليزية المصقولة من طراز القرن الثامن عشر ويستنشق هواء بلومسبري في القرن العشرين". (كتاب: "عربي يحكي قصته"، ترجمة سيف الدين عبدالحميد، 2006:253).


انتميتُ في سن مبكرة للعيش في الإشلاق (أو القشلاق)، وكان لحياة الإشلاق بصماتها القوية والخالدة على شخصيتي، وعلى تكويني النفسي والروحي مستقبلا. فقد حظيت بحب وود يصلان حد التدليل المحبب أو اليقظ، وليس المفُسد. فأنا لم أتعلم الاشتراكية من الكتب، فقد عشتها عمليا، ثم بحثت عنها - لاحقا - فكريا ونظريا، وليس العكس. فقد كنا نعيش في كومونات لم تفشل مثل (كومونة باريس) والتي عاشت شهرين فقط (18 مارس حتى 27 مايو 1871). وكان لكومونة الإشلاق كثير من الأفضال عليَ، فقد أضعفت في حس الأنانية، والتملك بطريقة تكاد تكون غريزية، أو من الفطرة. ففي هذا المجتمع البسيط ذي العلاقات الأولية، أو حسب علم الاجتماع، القائم على "علاقة المواجهة"، أو علاقات الوجه لوجه، تخشى الإضرار بشخص ملموس تعرفه وليس مجهولا وغامضا. لأنك لو امتلكت أو استأثرت بشيء، أو خبأت منفعة، فأنت سوف تُنقص الملك العام المتاح للجميع، وأنت لك فيه نصيب أكيد، فلا تستحوذ أكثر من حاجتك. ومن المعروف، أن الكرم، والجماعية، والتضامن، والتكافل؛ أخلاق يولدّها اقتصاد أو مجتمع النُدرة. رغم أنه في حالات النزاعات القبلية قد يكون العكس تماما. ففي الحالة الأخيرة، قد تولّد النُدرة، الشعور بالخوف، وبالتالي الجشع وحب النفس. فقد كنت لا أجد أي حرج في أن أعرج على أقرب (قطية) في طريق عودتي من المدرسة، وأتغدي لو أحسست بالجوع قربها، أو أن أنام لو تعبت. والمهم هو أن أسرتي لا تعاقبني أو توبخني على ذلك التصرف. فالإشلاق بيت كبير، ويمثل أسرة ممتدة (extended family) جمعتها علاقة العمل، وصلة الجيرة، والعُشرة، وغياب الفوارق الطبقية. فضيق المكان والتصاق البيوت يدعم الحميمية، ولكنه يلغي الخصوصية والأسرار، فأنت مجبر على قول كل شيء. لأنه لايوجد مكان آمن تختبئ فيه الأسرار عن الأعين والآذان. ولكن الأسرار لا تفشى حين تُعرف، ويسري قانون أو مبدأ الشاعر الهمباتي: "أخوي إن زلّ ما بفشيبه ديمه بسترو"، هذا هو الكود الأخلاقي السائد في علاقات الإشلاق الاجتماعية.

ومن الفضائل التي علمني لها الإشلاق أيضا، عدم الكذب قدر الإمكان، خاصة حين لا يمكن تمييز لون الكذب الأبيض تماما، فالمرء لا يكذب على نفسه، هذا هو الشعور تجاه المجموعة. وهذا أساس قوي يجمع أبناء الإشلاق ليكونوا "جماعة النحن" (we group) متماسكة تجاه "جماعة الآخر" (other group). لذلك فالواحد منهم ينصر أخاه في كل الأحوال ومهما كانت عدالة أو صحة القضية. ولا ينصحه بالكف عن الظلم، بل يسانده ويغريه بالتمادي في الظلم، لو اقتضى الأمر. ولذلك اكتسبت صفة "أولاد الإشلاق" لدى الآخر كثيرا من الدلالات السالبة، مثل الشر والشراسة والعنف، ومهما كان، فليس من بينها الغدر واللؤم. فقد تعني العدوانية، والفوضى، وبعضا من "قلة الأدب". فهم "خوارج" ذلك المجتمع والزمن، رغم أن ذويهم هم حفظة النظام والقانون، وهذا هو سودان التناقض دوما. ومن اللعنات اللطيفة والمازحة لدى السودانيين القول: "ياولادة الضلمة!" وعند البوليس قد تكون اللعنة: "ياولادة الخدمة التالتة!" والدورية الثالثة هي في منتصف الليل عادة.

كان أفراد الشرطة والقوات النظامية بأنواعها - أي العساكر- من فقراء المدن القادمين من الريف، وما يميزهم المرتب المنتظم. ورغم أن المرتبات كانت ضئيلة، ولكنها قامت بمهمة إدخالهم في اقتصاد استعمال النقود أي الاقتصاد النقدي. ولتقدير مستوى المرتبات، علينا أن نقارن، ونتذكر إضراب الخريجين عام 1931م حين اقترحت الحكومة تخفيض المرتب من 8 جنيهات إلى خمسة جنيهات و 500 مليما بسبب الأزمة الاقتصادية. فالمرتب ضئيل لولا ميزة السكن المجاني والجمعيات التعاونية للبوليس، ولكنهم جميعا كانوا يعولون باقي الأسرة الممتدة القابعة في الريف أو "البلد". فقد كان الفقر الملعون يصيبهم بالضجر كما أن نظام العمل بالورديات الليلية مرهق ويربك انتظام الحياة. فقد يتحول الليل معاشا والنهار لباسا. وكان كثيرون منهم يعاقرون الخمر أو يرتادون الأنادي، وللمفارقة كانوا هم المكلفون بالقاء القبض على بائعات الخمور البلدية حسب القانون السائد! كما كانت تنتشر بينهم ظاهرة العنف المنزلي، خاصة ضرب الزوجات، وتأديب الأبناء، تنفيسا عن قهرهم الخاص ومللهم. وكانت الزوجات "يحردن" والحرد هو غضب ناعم ومؤقت، وفي هذه الحالة، يحتاج هذا النوع من الانتهاك لترضية أو اعتذار مباشر أو غير مباشر، ويأتين محتجات إلى بيتنا. فقد كان والدي من أصحاب الرتب المعتبرة (جاويش أي ثلاثة شرائط)، وأكبر نسبيا في السن، والأهم من ذلك، فهو دويماتي (من الدويمات) وباله طويل أكثر. وكان منظر النساء المجروحات جسديا ونفسيا، يثير في الكثير من التعاطف معهن والغضب على أزواجهن، خاصة وأن أغلبهن صديقاتي. وهذا درس آخر إنغرس في روحي مبكرا، نصرة المرأة المضطهدة والانحياز لقضية المرأة قبل أن اكتسب ذلك من الكتب والثقافة.

ظل دور البوليس القمعي يزعجني كثيرا ويمثل مفارقة في تعاملي معهم. فأنا أعرفهم كأناس لطيفين ومرحين، ولكن في نفس الوقت أسمع حكاويهم عن ضرب المتهمين والمتهمات في الحراسات، ونزع الاعترافات. وقد اكتسبوا خلال صعود الحركة الوطنية، سمعة سيئة، واعتبروا جزءا من الإدارة الاستعمارية، وأداة قمعه. وكانت بعض الأغنيات الوطنية، تردد:

" يا عسكري ما تزدري الشعب عايز الأزهري "

ويحاول آخرون استفزازهم حسب الزي الرسمي: "كارب صليبو العكاز ضينبو".

ولكنهم فاجأوا الناس بإضراب البوليس الشهير عام 1951م وكان من أندر المواقف النقابية على مستوى العالم كله. فهو السابع في التاريخ العالمي لإضرابات البوليس، يسبقه الأول في بريطانيا عام (1918-1919) وقبله مباشرة إضراب بوليس (شانغهاي) عام 1940م.


هكذا، ارتبطت وانتميت لأسرة كبيرة غير قائمة على صلة الدم والقربى فقط، وجدت نفسي بين عدد كبير من الآباء والأمهات عوضوا الطفل عن وحدانيته وتفرده. ولم أكن كثير الوجود داخل المنزل. تحكي لي الوالدة (بت أحمد) أنني ما تعودت أن أشرب شاي الصباح في بيتنا، أدلف مبكرا إلى صديقتي الحنونة، جارتنا (النسيم) لأنني أفضل لبن عنزتها، لا أدري لماذا؟ ولكن يبدو أن المزاجية قد ضربتني ولازمتني في وقت مبكر جدا. وهي لم تكن تدعي الأصول الشايقية أو الجعلية أو الشكرية، مما منحها قدرا كبيرا من الحرية وتحقيق الذات، خلافا لناس (بت أحمد) و(الروضة) و(حُجرة) وبالتأكيد كن يحسدنها في دواخلهن. ولها على الدوام برنامج متنوع وثري من النشاطات الاجتماعية، وأمضي كل اليوم معها في الجولات المتعددة التي تشمل صبحيات الأعراس، وبيوت الزار، والتجهيز للأعراس (تعليم العروس)، وكل مواطن الفرح والبهجة التي تعبق بموسيقي (التُم تُم)، وبخور الزار، وبخور التيمان (خاصة المُر الحجازي)، وروائح الخُمرة والدلكة. وكانت تصحبني مع إبنتها (آسيا) نديدتي في العمر، إلى كل هذه النشاطات. ولكن للأسف لم أر الاثنين (النسيم) وابنتها (آسيا) مرة أخرى منذ ذلك الحين، رغم محاولاتي طوال وجودي بالخرطوم العثور على خيط يوصلني بهن. ولكنني علمت مؤخرا أن (آسيا) صارت من أجمل الصبايا وكتبت فيها قصائد الشعر الغنائية.

ولم تخل العلاقة مع (النسيم) من تنقيص، فقد حذرت الجارات (بت أحمد) بقولهن: "سجمك سايبه ولدك الويحيد صايع مع النسيم!" خاصة وقد صرت أقلد والد (آسيا) حين يأتي مُنتشيا من الحلة ويشيل العنقريب صائحا مفتخرا: "أنا أبوك يا آسيا!" وأقلد المشهد محاولا رفع عنقريب "هبابي" أي خفيف، و"اترتح" - أترنح - مُرددا نفس الصيحة بلا مناسبة. وقررت والدتي منعي محذرة: "أوعك تاني الصباح تمشي للنسيم!" وبالفعل لم أذهب صباح اليوم التالي لتحذير والدتي لي. وافتقدتني (النسيم) وجاءت ثائرة على والدتي:

"مالك يابت أحمد؟ قام عليك جن الشايقية ولا شنو؟"

وكسبت الهجمة، وغادرت البيت وهي ممسكة بيدي. واستمرت الجولات الغجرية الفرحة، والتي لم تنقطع حتى تم نقل والدهم (عوض زايد)، ثم غادرنا نحن إلى (سنار التقاطع) منقولين.

تاريخيا، كانت سنار عاصمة دولة الفونج أو السلطنة الزرقاء، نتيجة تحالف عمارة دونقس وعبدالله جماع في عام 1504م. وكان من المفروض أن تمثل المدينة القديمة التي نجدها في كثير من البلدان الإسلامية: فاس، القيروان، القاهرة الفاطمية، وبغداد. ولكن السوداني البدوي كان يفتخر بشجاعته في "تشليع" العمران مثل: شلعوها الخوالدة، أو خراب سوبا. وقد سكنا في (سنار التقاطع) وهي خلاف (سنار المدينة)، واكتسبت الاسم بسبب محطة تحويلات خطوط القطارات: شرقا أو غربا. وتميزت منطقة سنار بتشييد الخزان، وهو أول سد يتم تشييده في السودان على مجرى نهر النيل الأزرق. وقد قام بتصميمه وتولى بنائه في عام 1926 م، ثم إدارته فيما بعد المهندس الإنجليزي (استيفن روى شيرلوك) (Stephen Roy Sherlock). وقد استخدم في ري عدة مشاريع زراعية مملوكة لشركات النيل الأزرق الزراعية، وسكر غرب سنار، والجزيرة والمناقل والسوكي ومشروع الرهد الزراعي. كما يستخدم السد في توليد الطاقة الكهربائية. وقد نعمنا في (سنار) بكثرة الفواكه، والخضروات، وحطب الوقود من الأشجار التي يجرفها الفيضان. واستمتعت فيها بوجبة (الكُرارة) الساحرة لأول مرة. وترددنا كثيرا على ضريح "حلال المشبوك" أو الشيخ فرح ود تكتوك.

في الموقع الجديد، كان منزلنا، وهو من القش، ويطل مباشرة على السوق. وكان هناك مقهى يفصله عنا شارع اللواري فقط. وكان صاحب المقهى يضع الراديو فوق خشبة مربعة صغيرة على مكان عال فوق المدخل. وفي المساء يلعلع صوت الراديو بالأغاني وكأنه داخل منزلنا. وتحولت الفسحة الداخلية بين الصريف والقطية إلى مسرح يومي للرقص بأنواعه من رقيص الرقبة التقليدي وحتى (السكسكة) الجديدة، وغالبا ما كانت نوعا من السامبا والرمبة، موضة الوقت. وكانت الأمسيات تمثل جوا مرحا، ممتعا، وسعيدا. وقد علمتني تلك الفترة درسا آخر، وهو أن الغنى أو المال ليس شرطا للسعادة والرضا. فالسعادة حالة داخلية يصنعها الإنسان بنفسه.


تميزت الشخصية السودانية في فترة تكويننا ونشأة جيلي بتأثيرات المجتمع الذكوري وما يصاحب ذلك من عنف يمتزج بالشجاعة والكرم معا. والمثال الاجتماعي كما وصفه الشاعر: "كاتال في الخلا وعُقبا كريم في البيت". فهو يقاتلك في الخلا وسرعان ما يكرمك عندما تزوره في البيت. وقد حدث في الحرب بين سلطان سنار ومك تقلي، يقتتلان نهارا وينحر لهم الذبائح للطعام مساء عندما يتوقف القتال حتى الغد. وكان العنف والقسوة من شروط التربية لخلق "راجل ضكر" من الطفل. ولكنني لم أعرف أو أتعرض للعنف في تربيتي، لأن أبي لم يلاحقني بضرب الكف، تأديبا، مثلما كانت العادة السائدة والمرغوبة. ولم يمارس على العنف ولا العقاب القاسي. وهذه هي خلفية العقد التي تمشي بيننا، وتلك التربية المريضة البائسة، هي التي كونت الذين ابتدعوا بيوت الأشباح. فلقد تربوا بالسوط والبسطونة والكف على الوجه. وهذه عقوبة تمثل إساءة لا تغادر العقل الباطن، لأن الضرب على الوجه يختلف عن أجزاء الجسم الأخرى. فهو نافذة الإنسان على العالم، فيُشرخ بصورة أبدية.

وقد عوضني القدر عن الشجاعة الفيزيقية والعضلية بشجاعة أخلاقية وأدبية في قول الحق والحقيقة. وهي شجاعة تهزم عنتر ونابليون، كما يقول شاعر الحقيبة في سحر العيون. وعندما عملت في التدريس لم ألجأ أبدا للعقاب البدني، كما لم أمارسه مطلقا مع أبنائي. أفرق دائما بين العنف والقوة، لأن العنيف جبان يبادر بعنفه دفاعا وخوفا استباقيا ليرهب بذلك أعداء الله ورسوله واعداءه هو. وفي المثل السائد: "ضربة الخوّاف أي الخائف"، تكون واحدة وخاطفة، ولكنها شديدة الأذى، لأنه ليس قادرا على تكرارها! والنظم الشمولية عنيفة وليست قوية، فالقوة تأتي من الشرعية وهي فاقدة لها، وليس لديها غير التخويف، والعنف العاري. وعلى مستوى الأفراد، نجد أن العنيفين كالفتوات مثلا ينهارون سريعا - أخلاقيا ونفسيا - أمام من يفوقهم قوة، حتى قبل أن تجرب القوة الجثمانية. ونجد في كتابات (نجيب محفوظ) كثيرا من هذه النماذج الهشة والخاوية رغم العضلات والأصوات العالية.


فرضت شروط عمل الوالد في السكة الحديد التي قربت المسافات، فقد كان عليه التنقل بين نقاط الشرطة ومراكزها في كل أنحاء القطر. وقد رافقت والدي في كل تنقلاته بل في المأموريات أو زيارات تفتيش خارج الموقع، حين كبرت. وأصبح السفر مكونا أساسيا من شخصيتي. وكانت روائح وأجواء السفر لا تفارقني، وقد تحولت لاحقا للإعجاب بالطائرات خاصة عملية الإقلاع التي تمثل لي انطلاق الإنسان من ضرورات الطبيعة، هنا الجاذبية. وأتخيل المسافة الطويلة في رحلة البشرية من الكهف لارتياد الفضاء والوصول للقمر. وتمثلت رائحة السفر آنذاك في دخان القطارات، واستخدام الفحم الحجري دائم الاشتعال. وقد جربنا استخدامه في طهي الطعام، خاصة عندما كنا في (حلفا) نهاية الأربعينيات. ومن هنا نبتت في بذرة الترحال والتنقل والقلق. وصدقت نبوءة تلميذي (عمر نصرالدين) حين جاء ليودعني في سفرتي لأوربا والتي دامت طويلا، مرددا: يا أستاذ يا أستاذ، زمان الناس هداوة بال وأنت زمانك الترحال! وقد اكتسبت بعض صفات الغجر وليس البدو، فأنا أحب الغجر أكثر من البدو، رغم اشتراك الاثنين في الحركة الدائمة. فالغجر فنانون ومبدعون، ويستخدمون أيديهم بصورة جيدة سواء في الحدادة أو النشل أو العزف. ويقولون في أسطورة وجودهم، أنهم كانوا في الأصل طيورا. وفي إحدى المرات جاعوا فنزلوا على حقل جديد الري، فأكلوا وشبعوا، وعندما أرادوا الطيران مجددا لم يستطيعوا. لأن الطين أمسك بأرجلهم كما أن وزنهم صار أثقل، ومنذئذ ظلوا ماشين على الأرض، وصاروا بشرا عاديين.

جعلت هذه التنشئة المبكرة غير المستقرة، علاقتي بالزمان أقوى من علاقتي وارتباطي بالمكان. ولذلك تجنبت أن أمتلك منزلا أو شقة أو سكنا خاصا، خشية مصير الغجر، أو خوفا من الصفة المفزعة التي تسمى: الاستقرار، وهي في حقيقتها تعني الجمود والاستسلام، وصرت سريع التأقلم مع الأماكن الجديدة، ولا أشعر برهبتها وغرابتها. فمن عاداتي الثابتة في العطلات أو عندما أذهب إلى المؤتمرات والندوات لأيام قليلة، أن أجعل من غرفة الفندق سريعا، بيتا وكأنها سكن دائم، وأحولها لمرفأ، أو بيئة مصطنعة، وتتكوم الأوراق والكتب والأقلام، وألبس الجلابية داخل الغرفة وليس البيجاما. وهنا أتذكر أحد أصدقائي الذي اصطحب معه مخدته القديمة حين تزوج إلى مكان شهر العسل. وكان يردد أنه لن يغترب حتى لو جاء الاغتراب إلى حلة (خوجلي) ببحري! وللمفارقة فقد مات مبكرا وذهب إلى اللامكان ووحشة الفراغ والخواء مفردا وسريعا. بعض من عبث الحياة.


نُقلنا سريعا، وفي نفس العام من (سنار) إلى حي الوابورات بالخرطوم بحري (هذا الحي الأثري بقطاطيه أو قبابه المميزة الشكل، ولكن تم بيعه في عام 2009م لمستثمرين قطريين بثمن بخس). وأخبرني الأخ (عبدالوهاب الجعلي)، أحد جيراننا القدامى هناك، أنه ذهب بعد هدم المنطقة واحتفظ بحجر من قطية والده المرحوم (الجعلي). وقد كانت (الوابورات-بحري) بداية صلتي بالمدينة، وصارت القرية هي هامشي الرومانسي، أو الحديقة الخلفية، للعطلات والتراث. وفي الوابورات-الخرطوم بحري، كان سكننا قرب بعض معالم المدينة والتحضر: السينما الوطنية، والمحطة الوسطى والترماج، والسوق خاصة دكاكين اليمانية وقد شربت أول زجاجة (بيبسي كولا) من دكان (يحيي) المطل على القطاطي، اشتراها لي جدي (ود بدري) معلقا: "قالو بتهضم الأكل". كما لم نكن بعيدين من نادي العمال حيث كانت تقام الحفلات الغنائية، ثم كان فجر الحركة العمالية وكانت تعقد فيه الاجتماعات، وفصول محو أمية مسائية. وغير بعيد، يوجد ضريح السيد (علي)، والكنيسة ومدرسة الأقباط التي استوعبت عددا من أبناء الوابورات، ومن أوائل طلابها الأستاذ (كمال شانتير) وعلى بعد أمتار حديقة البلدية. وتميزت (بحري) ببعض اللاعبين النجوم، مثل: الجعيص والجاك عجب، وكذلك أندية قوية مثل (التحرير) أو استاك سابقا، وسلاطين سابقا أو (الاتحاد) والتي تحولت بعد الاستقلال. بينما ظل اسم مدير السجن البريطاني (كوبر) مرتبطا بالحي والفريق حتى اليوم.

كان بيتنا دائما ملكا للحكومة، والأسم الآخر للوابورات هو (حلة الميري). وهذا يؤكد أن الميري لم يفتنا لكي نتمرغ في ترابه، بل كنا جزءا أصيلا منه. ولكن البيت كان في حقيقة الأمر ملكا مشاعا للأهل والأقارب، بما في ذلك الشارع المحاذي حيث تتناثر العناقريب بسبب فائض الضيوف. وقد كانت "القطاطي" هي السكن المحدد لكل جنود قوة السكة حديد. وقد تغير نوع السكن بعد تحول الوالد إلى قوة المديريات الأخرى. فقد كانت بيوت "الإشلاق" المعروفة، وهي أشبه بالمعسكرات أو الثكنات (barracks). وتختلف نوعية المساكن حسب طبيعة المنطقة، ففي سنار والقضارف كانت المواد من القش والقصب، بسبب غزارة وكثرة الأمطار. وكان المنزل الحكومي ينتظرنا أينما نقلنا، وكانت تتم عملية تسليم وتسلم، ولا يتحرك العسكري قبل أن يتأكد من خلو منزله الجديد وهذا يتم عندما يصل البدل وينزل مع زميله المنقول أياما في القطية الواحدة حتى يرتحل.

تنوع شكل الميري، فقد عرفت بعد ذلك حياة الداخليات. وهنا أيضا تكفلت بي الحكومة. وكانت البداية عند دخولي مروي الوسطى عام 1954م. وهكذا كنا أبناء الميري بامتياز، رغم تلك البدايات كرهت أن أتمرغ فوق تراب الميري، وكنت أفزع حين أتصور أن تبتلعني طاحونة الخدمة المدنية، وأن يكون لي "فائل" أو ملف يحتوي على العلاوات والترقيات والجزاءات والسيرة المهنية، وأتخيل الفائل أو الملف، مثل شاهد المقبرة. واقتصرت علاقتي بالميري السوداني على خمس سنوات في التدريس (66-1971) ثم ركبت الريح. ولو أخذت الحياة مجرى آخر، كنت هذه الأيام أجري وراء تسوية المعاش، وينتظرني ذل الحصول على المعاش في وقته. وكنت سأكون مثل اليتيم في مأدبة اللئيم، وبالفعل هي حكومة لؤم تأخذ الإنسان لحما وترمي به عظما. وقد عايشت تجربة منسوبي البنوك مع حكومة الإنقاذ. كما أن المعاشات مع التضخم هي عار على الحكومة.


عند الحديث عن النشأة والتكوين، لا يمكن أن أتجاهل ثنائية الأصول القبلية لعائلتي الممتدة، والتي إنشقت إلى نصفين متناقضين رغم انحدارهم من أصل واحد، أي من الإثنية الشايقية. فقد إرتحل فرع من العائلة الكبيرة بسبب شح مصادر الرزق أو هجمات المهدية، واستقر في قرية (الدويمات) بين مدينة (شندي) ومحطة (القوز). فقد كانت (شندي) مركزا تجاريا كبيرا تأتيه القوافل من كل الأنحاء، لذلك جذبت المهاجرين، وقد عرفت هذه المنطقة هجرات عديدة من بلاد الشايقية. وهذا المكان بالذات والذي يشمل (الفيجيجة) وحتى (القوز)، قطنته مجموعة من (الحمدتوياب) جاءوا من (نوري) ونواحيها. ويورد (ود ضيف الله) عددا من القصص عن هؤلاء الأولياء، على سبيل المثال، (الشيخ صغيرون) وهو (سيدي محمد بن سرحان العودي) أمه (فاطمة بت جابر) من نسل (رباط بن غلام الله) وبعد مشاكل كثيرة مع أهله في البلد قرر الهجرة. ويقال أنه اختار هذا المكان حسب نصيحة النبي الخضر عليه السلام، ونقرأ في الطبقات: "قال له سكنك قوز المُطرَق مقابل سهلة أم زين"، فسافر اليه ووجده كله شجرا وعرا. فمشى إلى الفجيجة (بين الدويمات والضوياب) فوجدها "فجة" - ساهلة من الشجر - وقال هذه الفجيجة ينزل فيها إخوان الشيخ عبدالرحمن ولد حمدتو (...) ثم أن الشيخ رضى الله عنه بنى المسجد بتأسيس الخضر عليه السلام. ويقال أن الشعبة الوسطى التي هي موضع المشايخ للتدريس هزّاها بيده الكريمة". (الطبقات 1992:236). ومن بين المهاجرين (عبدالرحمن ود أسيد) والذي انتقل مع أخواله من مسجد نوري إلى الأبواب (الفجيجة) حيث بنوا مسجدهم هناك سنة 1107: "وأوقد نار القرآن ونار العلم، ومن ساير الفنون وعمرت الناران عمارا شديدا". ومنهم كذلك (عبدالرحمن الشيخ صالح بأن النقا) و(الشيخ محمد ود الشيخ مدني)، وغيرهم. وكان والدي من مريدي الفكي (مُحُمد) في القوز وذهبنا اليه كثيرا خاصة في البحث عن مولود إذ تأخر المولود الثاني بعدي. ومازلت أتذكر قامته الطويلة الصلدة وسمرته الداكنة، ونُسكه وزهده ومكتفيا بقليل الطعام وملتحفا ثوبا كبيرا فقط بلا ملابس أخرى. وكان ملتزما ب: "قلة الطعام، وقلة المنام، وقلة الكلام"، وتزداد خلوته لنفسه. وأغبطه كثيرا على ذاك الحال، ولكم نفتقد تلك السكينة المطلقة.

كنت أقسم العطلة بين القُرير والدويمات. ورغم صلات الدم، ولكن اختلاف نمط الحياة، ومضمون الثقافتين كان واضحا بسبب البيئة والعلاقات الاجتماعية والنشاط الاقتصادي. فأهل (الدويمات) لا تفرقهم ملكية الأرض، وصراعات الري (أسبقية السقاية ونصيب الماء) وتوزيع المحاصيل وبيعها، ونزاعات الورثة أمام المحاكم والعمد، ومواجهات السلطة. لذلك لا يميلون كثيرا إلى التنافس، والغيرة، والخصومات. فهم يمتازون بهدوء في الطبع، وطول البال، والمرح والنكات والمقالب البريئة أو المحاكاة وتصيُّد سقطات اللسان (فلان وهم - بكسر الواو والهاء).

ويجيد بعضهم لعب الورق ويردد الجميع أغاني الحقيبة. وكان أعمامي (حسن بدري) و(العوض محمد صالح أو ود أب شقة) يغنون الحقيبة بـ (دق الكبريتة)، وكانوا شيالين في الحفلات العامة بالحلة فقط. وقد ظهر فنانون من أبناء القرية، أشهرهم في هذا المجال (حسين شندي)، وهو من أبوين رائعين: الأب (علي ود جبريل) والأم (بت المنا) وهي صديقة بت أحمد الحميمة. وأخذ بعض أهل القرية من التدين، مكارم الأخلاق فقط مع تسيب ورقة في الالتزام بالشعائر الدينية.

ومازلت أذكر الشيخ المثقف والفكه (ود أحمد) حين أقنعته الشلة بأداء صلاة العيد باعتبارها سريعة وفرصة لمقابلة الناس. ولكن لسوء حظه، في تلك المناسبة استهل مولانا الإمام (عبدالله ود شيخ) الصلاة بسورة طويلة. وفي وسط الصلاة، صاح (ود أحمد) به:

"كوُثرها كوُثرها ياود الشيخ!" (أي أقرأ سورة الكوثر فهي قصيرة). وكانت آخر مرة ولم يكرر التجربة.

تعطينا (الدويمات) نموذجا عمليا للفشل التنموي لدولة مابعد الاستقلال. ويتجلى ذلك في أمرين، الأول: كانت - تقريبا - كل أسرة في القرية تمتلك بقرة، وكانت تختلط أصواتها في المغربية عائدة من الرعية، مثل معزوفة تبشر بشاي رائع وعشاء أروع. وننتظر شاي المغرب المقنن (أو الشاي القانوني كما أدلعه) وهو نتيجة حرق اللبن في قاع الحلة المخصصة للتسخين ولا تغسل بقصد التعتيق. وغالبا ما يكون العشاء رُقاق بلبن، وضحى اليوم التالي يخشوا (أي يهزوا) اللبن في السعن لاستخراج الفرصة (الزبدة) والروب، ومن الروب الغُباشة (إضافة الماء) قاتلة الظمأ. وتباع العجول والاستفادة من السماد. ثم انحسر وجود الأبقار مع نهاية الستينيات وفي منتصف السبعينيات - مع ظاهرة الاغتراب والهجرة - لم يعد للأبقار أي وجود في القرية. وحل محل (مُراح) البقر، الصالون بعد أن ضُمت هذه المساحة للبيت. فقد شرع الشباب المغترب في المباراة في البنيان: الطوب والمسلح، والموبيليا والموكيت.

أما الظاهرة الثانية، وسببها الاغتراب أيضا، فهي العزوف عن التعليم، والذي تراجع موقعه في سُلم القيم الاجتماعية لصالح المال والثراء السريع مهما كان نسبه أو أصله. ففي جيلنا أنجبت (الدويمات) أساتذة جامعيين في القانون والزراعة، وأطباء، وسفراء، ومعلمين ومعلمات، ومهندسين، وضباط. ولكن سنوات التعليم، الآن، أصبحت مضيعة للوقت، وخصما من عمر الادخار والتراكم. وعندما استعرض شباب عائلتي المباشرة، أجد قلة قليلة صبرت حتى وصلت المرحلة الثانوية، وغالبا لا تكملها.

سادت علاقات الجنسين في القرية، قدر كبير من العفة والاحترام المتبادل مما جعلها منفتحة وخالية من العقد. فقد كان اللعب المختلط والونسة الجماعية، عادات متاحة ومقبولة. وفي سن معينة يجري تقسيم - نظري - لزيجات المستقبل حسب الميول والأمزجة بين شباب الجنسين. ولكن لم تتحقق ولا واحد من التوقعات أو الأمنيات. وقد كان والدي من هواة التربيطات الزواجية، ومعظم الأسر الحالية من تدبير (إبراهيم علي). وكان الكثيرون يحملونه وزر التوترات أو نقص السعادة الزوجية. أما هو فقد كان سعيدا لأنه "غطي كثيرا من المواعين". ومن المفارقات أن الاختلاط في (القُرير) صار مقيدا كثيرا مع التقدم الشكلي. فمن الواضح أن المرأة الشايقية العاملة لم يعد لها وجود مع دخول الفتيات المدارس. ففي طفولتنا كنا نلتقي بالمرأة العاملة في أزقة القرية، وهي لابسة الضلالة وراكبة الحمارة. وسمعنا ب(جمال الباشا) (وهي جدة خلف الله الرشيد رئيس القضاء الأسبق) كان لديها جيش وقوافل. هل يمكن القول: أن التعليم هناك ساعد في تدني وضعية المرأة اجتماعيا وحصرها بين البيت والمدرسة؟ يُضاف إلى ذلك، أن الشايقية "شنافون" و"نباشون" أي كثيرو النقد والتنقيب عن العيوب، ومحبون للقطيعة أكثر من ناس بربر المتهمون بذلك. وقد خضعت المرأة لضبط اجتماعي شرس خاصة في القرى ذات السكان القليلين.

كانت للدويماتيين صياغات وابتكارات لطيفة للأمثال المنتزعة من قلب الأحداث الحياتية. ولذلك لا تُفهم هذه الأمثال الا في السياق المحلي الخاص بالدويمات فقط. إذ نجد (فاصولية الفضل) الشهيرة الإجبارية. فقد كانت خيارات الأكل والطعام محدودة بين الويكة والملوخية والفاصوليا، وما يمكن تجفيفه فقط حتى اللحم (الشرموط). ومن المعروف أن البقوليات ومنها الفاصوليا، تتسبب في الانتفاخ والغازات. وفي إحدى المرات عاني (الفضل) من وجبة فاصوليا، وقرر حسم أمره، فوقف معلنا: "على الطلاق، الفاصوليا دي تاني ما آكلها". وأثناء حلفه أو قسمه تذكر أنه في هذا الموسم لا يوجد غيرها، فاستدرك مكملا: "وإذا أكلتها ما أكتر منها!" ويضرب للتريث وقبول الأمر الواقع. أمّا إجازة (عامر) فلها مناسبتها الخاصة بمحاولة إخفاء أمر ما سيكشف عنه الزمن. فقد كان (عامر) يعمل في مكافحة الجراد، وهو عمل موسمي يستمر لفترات قصيرة، ثم يتوقف. وجاء (عامر) بعد أحدى التوقيفات، وطال بقاؤه، وحاصره الفضوليون بأسئلة مثل: "مالك قاعد يا (عامر) في البلد؟" وكان رده: "إجازة!"، ولم تنته الإجازة، فصار المثل للمفصولين والمستغنى عنهم، يُقال لهم: "إنت في إجازة (عامر) ولا شنو؟" وقد عرفت ابنه الوسيم الأنيق صديق الأرستقراطية الإغريقية وكبار الضباط متنقلا بين الخرطوم وجوبا. وكان فلفل القعدات ويجيد كل ألعاب الورق الأجنبية رغم أنه لم يكن يعرف كتابة اسمه بسهولة على الشيكات والكمبيالات الضخمة التي تأتيه بالنهار ولكنها لا تصبح حتى الغد. وحين أراد أن يبعث ابنه للدراسة في الخارج أرسله لـ (أثينا) التي يحب أهلها. وبعد سنوات شك في تحصيل الإبن الذي جاء في إحدى العطلات. فأراد اختباره فاصطحبه إلى النادي الإغريقي وطلب من أحد أصحابه اختباره في اللغة. فجاءه الصديق قائلا: خسارة يا خبيبي ولد بتاعك ما يعرف غير كلام يوناني وسخ! فمنع الابن من العودة وأرسله للرياض لكي يعمل هناك.

مازلت أذكر (صديق ود حاج علي)، نسيبنا وجار ناس جدي بالدويمات وصهرهم، وهو ينهر الملائكة بصوت جهوري، ويصرخ في (علي الكرار) منبها من الكفار الغادرين الآتين من خلفه. ويطلع على قوز الرمل ليوزع على أنصار النبي أوامر الهجوم. وينتصر (دون كيشوت) القرية المتزنر بالسلاح ودرع الصفيح على صدره رغم الحر القائظ. هذا نموذج حي للأصولية بلا تفلسف والعودة إلى مجتمع المدينة. وكان صادقا ومتسقا مع نفسه فقد عاد اليه فعليا، خلافا للمثقفين المنفصمين الذين يريدون العودة للماضي على طائرة ومرسيدس وتقنيات الأجاكسي. كان نموذجا أصيلا للأصولي أو السلفي بلا رتوش، وبلا سفسطة الجمع بين الأصل والعصر. وهذا هو المستحيل عينه، لأن عجلة العولمة لا ترحم وصارت مثل القضاء والقدر. ولا يمكن للسلفيين رد هذا القضاء وعليهم الاكتفاء باللطف فقط. فقد عاش في عصر النبوة والغزوات الأول بروحه وعقله. وهو يذكرني بالشيخ (الطيب السراج) الذي عاش في العصر الجاهلي فنصب خيامه وربى حصينه في أم درمان خلال خمسينيات القرن الماضي.

كذلك استرجع في (الدويمات) صوت (فطومة) الأبح، تطل وعلى رأسها منديل البوليس الأحمر المُهدي لها من جارها رجل الشرطة الذي يخالف القوانين لكي يثبت سلطته أمام أهله ولن يرضيهم. وكنت استمتع في القرية، بفروسية صديق الشاردة، وانوثة (فطومة) التي أخطأت مكانها لتختلط برجل وتعذبه، أنثى في رجل ورجل في أنثى (اثنين في واحد). وكانت لها قصة زواج مثل الومضة، ولكنها أصبحت - كالعادة - مجرد مثل سائر، وصار الجيل بعد الجيل يرويها. فقد إنتهت الزيجة مبكرا، ففي ليلة الدخلة، والتي تمت في قطيتها الصغيرة الضيقة. ويبدو أنه مع العراك الشجي والممتع، المعتاد في مثل هذه المناسبة، كسر العريس زير الماء (أو الجر) الوحيد. فما كان منها إلا أن طردته في نفس اللحظة، مطلقة جملتها التي جعل منها أهل (الدويمات) الظريفين مثلا متداولا:

"أصلو عرس ولا كسير جُرار!" (جمع جر أو زير).

طقوس حفلات الزواج في (الدويمات) أحبها، بطقوسها وفرحتها الإضافية لدى المرحين أصلا: أمتعها قطع الرحط أو الرهط - سيور مشققة من جلد أحمر تشد في وسط الجسم في موضع السروال أو الملابس الداخلية يقال تلبسه الجواري حتى سن البلوغ أو حتى الزواج- ومن طقوس الزواج أي تدشين الدخول في مرحلة جديدة، أن يقوم العريس في رقصة العروس الشهيرة بقطع سيور من رحط رمزي. وحتى فترة قريبة كانت الوالدة تعيب العرس الحديث لعدم أداء هذا الطقس. وتقول: فلانة ماشية بي رحطها! ولا تعترف أنها أصلا ما لبست رحطا ولابسة (ميني جيب) مثلا في الستينيات طبعا. وكان الرحط معروفا في كل أنحاء السودان عدا البقارة كالمسيرية والهبّانية والتعايشة والرزيقات يستغنون عنه بالتنورة وكانت العرب تلبسه ويسمونه الرّهط كالسودان بالهاء (عون الشريف، ص 280).

شارك الصفحة

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟