الفصل الرابع: التكوين والبحث عن رؤية
نعمل - نحن أسرة حيدر ابراهيم - على إتاحة كتبه جميعها مجاناً للمنفعة العامة ومواصلة مشروعه التنويري. تبقى جميع الحقوق محفوظة ويمنع طبع أو نشر الكتب الا بموافقة مكتوبة.
يعيش المرء في بلادنا، حتى سنوات الصبا في عفوية نفسية وعقلية كاملة، وقد تستمر طوال الحياة دون أن يدري ماذا يريد أن يفعل بحياته؟ وتستغل الحركات السياسية هذا التيه بين الشباب خاصة، وتقوم - حسب لغتها - بتجنيدهم وهم على عتبة المراهقة والدراسة الثانوية، في تنظيمات شيوعية أو إخوانية أو بعثية. وهو تأطير شكلاني وخارجي لا يُشبع الروح ولا العقل، ومجرد صراع سياسوي فجّ ينفس قليلا الكبت المتعدد الوجوه في تلك المرحلة. وتؤمم تلك التنظيمات دهشة العقول المقبلة على الحياة، وتشحن في مكانها شعارات ويقينيات ولغة خشبية. وتحرم الشباب من تعلم الاختلاف وفنون الحوار. ولذلك سرعان ما يتحول أي نقاش إلى عنف مادي أو لفظي. وقد ساعدتني فردية جاءت بها صُدف الحياة، وتجربة قصيرة فاشلة في التنظيم، بالإضافة لقلقي وبحثي المستمر عن الجديد والمختلف. فقد نجوت من ذلك القدر، وكنت شديد الحظ والتوفيق، حين صادفت الوجودية. فقد كنت، قبلها، وجوديا بالفطرة، ثم شرعت في البحث عن أسس فكرية تحصنني من النكوص وترسخ إيماني..
ووجدت ضالتي الجديدة، بعد حقبة (سلامة موسى)، في ترجمات (جان بول سارتر) (1905-1980) و(سيمون دي بوفوار) (1908-1986)، حيث تعلمت منهما، قيمة الحرية والالتزام والمسؤولية. وفهمت من (البير كامو) (1913-1960) معاني العبث والتمرد. أما (Soren Kierkegaard) (سورين كيركقارد) (1813-1855) فقد قدم لي خريطة حياة قائمة على الإرادة الذاتية وحرية الاختيار والفردية. ورغم أنني لم أقرأ له كثيرا، بسبب قلة ترجماته، ولكن أثره على السلوك الحياتي في علاقتي مع الآخر كان كبيرا. فهو يرفض ضرورة الخضوع لرأي حشدي أو قطيعي، ويرفض أن يرى الإنسان في مرآة الآخرين أي كيف يرونه ويقيمونه بل كيف يرى هو ذاته وفق الفعل الوجودي. ومن فترة مبكرة نصبت لنفسي ما أسميته "محكمة الضمير". عندما أرقد في الحوش وأتأمل السماء الصافية، وأشرع في استعراض يومي كله بأخطائه وحسناته، وبعد محاكمة سريعة، أغلق درج النهار وأنام براحة وعمق. وتعود فكرة "عقل الأدراج" لأخذي لها من (نابليون) أنه يقسم عقله لأدراج فيسحب الدرج الذي يريده ويبحثه ويعيده لمكانه، ويصل لخلاصة ثم لا يفكر فيه ثانية. لذلك، يروى أنه كان من الممكن أن ينام في وسط المعركة على صهوة حصانه لعشر أو خمس دقائق ثم يواصل. وكنت أطبق نصيحة سيكولوجية وهي (عدم الذهاب بمشاكلك للسرير)، لذلك أخصص له فترة وأغلق الدرج تماما.
جذبتني في الوجودية، فكرة أن الإنسان مشروع وجود، ولا شيء فيه معطى مسبقا أو جاهزا. وهذا مكمن فكرة الحرية، والمسؤولية، وإغلاق الطريق أمام الهروب والتهرب. وهكذا انفتح أمامي باب المغامرة، أو كما طلب منّا (نيتشه): عش في خطر!
وفكرة الضجر والملل والسأم تطالبك دائما بالتجديد والتغيير، وعدم التكرار، وعدلت المقولة الشهيرة، والتي أصبحت عندي: "لا تنزل النهر الواحد مرتين". وقد ارتبطت أفكار الحرية والمغامرة في داخلي بإحساس الموت الذي لازمني بسبب المرض المستمر. فقد جاءت بي والدتي بعد أقل من شهرين من مولدي للمستشفى، مريضا. وقد كانت والدتي نفسها صغيرة السن والحجم، وعديمة الخبرة للاعتناء بالطفل. وكنت مصابا بآلام في المعدة صارت دوسنتاريا ثم تحول التشخيص إلى وجود ديدان ثم تحول إلى "دبيب"! وكنت مُنعدم الشهية دوما، أرفض الأطعمة المطبوخة والدسمة. كما أن أدوية الصداع زادت من الحموضة في معدتي قاربت من القرحة.
ساندت وجوديتي شعوري بقرب الموت وأنني لن أعيش طويلا. لذلك لابد أن تعيش بكثافة، وتملأ السنوات القليلة الممنوحة لك بمتعة الوجود وفي نفس الوقت دون التشبث بمتاع الدنيا الفانية التي ستغادرها قريبا. ولذلك جذبتني حكم المعري والمتنبي في الاستخفاف بالدنيا. كما أحببت شعراء العمر القصير لما في ذلك من رومانسية الموت المبكر والذبول قبل الأوان بالأخص (التيجاني يوسف بشير) (1912-1937)
والتونسي (أبو القاسم الشابي) (1909-1934) وإلي حد ما (الهمشري) (1908-1938) وسيرة (اللورد بايرون) (1788-1824) و(آرثر رامبو) (1854-1891). وواقعيا مات إبن خالي (جلال الدين محمد الأمين) غرقا من وابور البحر وهو طالب في طريقه لوالده في جوبا، و(بغارة) وهي تضع طفلها البكر وغيرهم.
وبالطبع لم أصل للوجودية بالاختلاط المباشر بوجوديين أحياء أناقشهم وأحاورهم، وأفهم منهم ما استغلق. وهنا كان دور الكتاب في حياتي وتكويني. هذه الهبة السماوية التي أنقذتني من الحياة الميتة، وفتحت لي أبواب الكون، وأشرعت أمامي دروب الحياة ومسالكها الصعبة. وفي القراءة شفاء للناس، فقد اعترف قاموس (دورلاند) الطبي المصور لأول مرة بالعلاج بالقراءة عام 1941، وعُرف المصطلح الخاص بهذا المفهوم (Bibliotherapy) بأنه "استخدام الكتب وقراءتها في علاج الأمراض العصبية". لكن طبقاً لقاموس أوكسفورد الإنجليزي ظهر المصطلح مطبوعا لأول مرة عام 1920، في رواية كريستوفر مورلي "المكتبة المسكونة". هذا وقد أرجع البعض، الفكرة لعصر رمسيس الثاني، حيث خصصت غرفة ملكية كمكتبة وعلى مدخلها أقدم شعر تزين به مكتبة قراءة: "بيت شفاء الروح". كما أن العلاج بالقرآن ليس بعيدا عن هذه الفكرة.
ولكنني ذهبت أبعد من ذلك، اخترت القراءات التي تهتم أصلا ومباشرة، بعلاج الروح والنفس. فقد ساعدتني كثيرا مجلة (Psychologist Magazine) - كنت مشتركا فيها وتصلني ببريد المدرسة - في تكوين شخصيتي وفي تجنب الكثير من الأمراض النفسية أو العُقد أو الاضطرابات. فقد كانت تحتوي على تمارين عملية في الإيحاء لتقوية الثقة في النفس، وتكوين الصداقات المستدامة أو كسب الأصدقاء، وتعلم التركيز والاسترخاء. وقد أثّر في كثيرا كتاب كارنيجي (دع القلق وأبدأ الحياة).
واهتممت بكتب (اليوغا) والديانات الشرقية، والشعراء الحكماء. ومن الحكايات الموحية، أن أحد المثقفين كان يقرأ لأحد الأميين مقطعا من رواية (تاراس بولبا) فذكر له أن البطل عض خصمه غضبا حتى تدفقت دماؤه. فخطف الأمي الكتاب متسائلا: أين هو الدم في هذه الصفحة؟ هكذا قوة الكلمة المكتوبة في نظر الناس.
ومن موروثات العلاقة مع الكتاب، يروى أن (بنجامين فرانكلين) أحد محبي الكتاب الكبار، كتب قصيدة من أجل أن توضع على شاهد قبره، يصور فيها القارئ ككتاب:
"إن جسد فرانكلين عامل الطباعة
مثل غلاف كتاب قديم
محتوياته ممزقة
ومنهوبة أحرفه وطلاؤه الذهبي
يسجى هنا، طعاما للديدان.
إلا أنّ العمل لن يذهب سدى؛
لأنه في إحدى المرات، كما يُظن،
سينُشر من جديد
في طبعة جديدة وأجمل،
منقحة ومحسنة"
من مؤلفه. (مانغويل، تاريخ القراءة، ص 199).
علاقتي مع الكتب تصل درجة الولع والعشق الجارف، والذي أكاد أسميه (الحب الإيروسي) (erotic). إذ ينتابني أحيانا إحساس باللذة معها، لا تقل عن اللذات الأخرى. فقد يعجب أغلبية الذكور بأزياء النساء وقد يلفت ثوب نسائي هفهاف العين والقلب، وهذه نفس علاقتي ومشاعري مع أغلفة الكتب وتجذبني التصميمات المُبتكرة وأحس بمتعة دافقة عند رؤيتها وملمسها. وعندما تعجبني ألوان زي أنثى ما، أقول بلا تردد: "ينفع غلاف". فقد صار ذهني متجها في طريق واحد.
احتار في صدف التكوين الفكري، وهذه العلاقة مع الكتب، رغم عدم وجود البيئة المنظمة المساعدة على الاطلاع مثل وجود مكتبة في المنزل، فقد كنا متنقلين. ولكن الفضل يعود لكتب (مكتب النشر). وهذا المكتب من إبداعات معهد (بخت الرضا) الرائعة التي بادر بها، الأساتذة (عبدالرحمن علي طه، وعوض ساتي، وجمال محمد أحمد، وبشير محمد سعيد). وكوني وحيدا وبدون أخوة في البيت كان لابد من تسلية، فوجدت في الكتب ذلك التعويض. ومازلت أتذكر بعض العناوين، مثل: (صديق الرهو) و(مُشرع السدرة) و(العملاق). ثم كانت كتب الأطفال من مصر ل(كامل كيلاني). ثم تقدمت قليلا في سن الحادية عشر (1954) كنت زبونا في مكتبة (أبوعوف) في دنقلا.
وصرتُ أقرأ المجلات المصرية، مثل (الاثنين والدنيا) و(البعكوكة)، وأتابع أخبار اللواء (محمد نجيب) حتى كان بعض التجار في السوق، يمزحون معي بمناداتي بهذا الاسم - كما ذكرت سابقا، ثم عملا بوصية (سلامة موسى) أن تكون قراءة الصحيفة اليومية، عادة مثل كوب الشاي الصباحي، قررت اختيار صحيفة سودانية، وكانت جريدة (الصراحة) والتي أصدرها (عبدالله رجب) نصف أسبوعية عام 1950، وكان شعارها (التزام جانب الشعب). وأثناء المدرسة الوسطى كنت مواظبا على قراءتها بانتظام وكانت المساحة بين السرير واللحاف في الداخلية (مروي 1954) مليئة بالأعداد القديمة. وكنت أجد (الصراحة) في (القُرير) عند (حامد محمد حامد) ويعمل ترزيا، وكان قبلها من الذين اشتغلوا كعساكر في البندر، وتأثروا بقدر من الوعي، وهذه الفئات كانت تجذبهم فكرة اليسار من زاوية رفض الطائفية خاصة الطريقة الختمية.
كتب (عبدالله رجب) لاحقا (مذكرات أغبش) وهو الذي صكّ مصطلحات، مثل: الأهالي الغبش، ومحمد أحمد للمواطن السوداني، والصراحة قنصلية. وقد برز كثير من الأدباء الشباب في صفحات (الصراحة) فقد اهتمت كثيرا بالشعر، والقصة القصيرة، منهم: صلاح أحمد إبراهيم، وعلي المك، وجعفر حامد البشير، والزبير علي، وشكر الله خوجلي، وشيبون، ومحمد إبراهيم حتيكابي. وقد تعرض لجرأته لعنف طائفي حين اقتحمت مجموعة من (الأنصار) مكتبه وأوسعته ضربا حتى كسروا يده بسبب نقده للسيد (عبدالرحمن المهدي). وتعرضت الجريدة للإفلاس، لذلك أجبرته الظروف ليرأس تحرير صحيفة (الثورة) الناطقة باسم نظام انقلاب 17 نوفمبر، ولكنه لم يكمل العام.
وعُين كبير ضباط الاستعلامات بكسلا، وكان قد كون رأيا سالبا في ممارسات الأحزاب، لذلك أيد العسكر وسرعان ما تخلى عنهم.
ولازلتُ أذكر (عبدالله رجب) نهاية الستينيات في شوارع الخرطوم يتحرك راجلا (كداري)، وتحت إبطيه حقيبة منتفخة بالأوراق والكتب، فقد اهتم بالترجمة وكان ينشر مقالات من مجلة بريطانية (The Psychologist Magazine)، وهو من زهاد السودان، أذكره بقميصه نصف الكم وكُم الفنلة الداخلية ظاهر خارج كُم القميص، وكان ذلك الوقت يعمل في القصر الجمهوري. ولكنه عاش ومات فقيرا غني الروح والقلب.
أيضا من مصادر التكوين الفكري، على مستوى العائلة، كانت عودة بعض الأقارب من مصر. وأولهم كان إبن عمتي (أحمد البشير) عرفني بالمجلات المعروفة. فقد سمعت عنده لأول مرة، باسم (روزا) أي (روز اليوسف)، والتي تابعت فيها المقالات السياسية، وروايات (إحسان عبدالقدوس) المسلسلة بالذات (في بيتنا رجل) التي بدأتها في (أم درمان) وأنهيتها في (القضارف) من مكتبة (حنا تسفاي) فقد كنت أرافقه يوم قطار الجمعة من محطة السكة حديد حتى المكتبة بالسوق، ليفتح الطرود وأكون أول من أخذ المجلة. تابعت (إحسان عبدالقدوس) في برنامجه الذي كان يختمه بعبارة: تصبحون على حب، فأقام عليه الدنيا وهذا ما يريده. وكما يقول نزار قباني: "إذا لم تستطع أن تكون مدهشا فإياك أن تتحرش بورقة الكتابة". وتفرعت من الدار مجلة شبابية، هي (صباح الخير) حيث وجدنا (مصطفى محمود) في مقالاته العميقة الجريئة، وبابه الجذّاب (اعترفوا لي)، وقد زرته في أول رحلة لي للقاهرة. بالإضافة ل(فتحي غانم) ورواياته المسلسلة (الجبل) و(الرجل الذي فقد ظله)، وكتابات (محمود السعدني) بدءا من (الولد الشقي). وتعرفنا على فن الكاريكاتير الراقي الممتع على يد (صلاح جاهين) في (قهوة النشاط) و(الفهّامة) ثم (الرباعيات) و(قصاقيص ورق) وقصائده: "على اسم مصر" و"تراب دخان" وأوبريت: "الليلة الكبيرة" وسيناريو فيلم: "خلي بالك من زوزو". وزار السودان متابعة لورثة زوجته الثانية (منى قطّان) واستضفناه في المعهد في أمسية شعرية بهية. وفي النهاية- بعد الهزيمة ووفاة عبدالناصر- دخل في حالة اكتئاب حتى وفاته (1930-1981).
كانت الانفتاحة الكبرى على القراءة، حين عرفت مطبوعات (الكتاب الذهبي)، وهي تصدر من دار (روز اليوسف). ولذلك قرأنا من خلالها كل روايات كُتاب (روزا) و(صباح الخير) بالإضافة لروايات: يوسف السباعي مثل (أرض النفاق)، و(السقا مات)، وتلك التي تحولت لأفلام مثل: (رد قلبي) و(إني راحلة) و(بين الأطلال). واغتيل في قبرص عام 1978. وروايات (محمد عبدالحليم عبدالله) مثل (لقيطة) و(بعد الغروب). وقصص (يوسف إدريس) منها: (أرخص الليالي) و(الحرام) و(العيب) و(لغة الآي آي)، وقد شاهدت له مسرحية (الفرافير) بطولة (عبدالرحمن أبوزهرة) عام 1965 بمسرح (الجمهورية). وصدرت عن نفس الدار، روايات لسعد مكاوي وامين يوسف غراب الذي تحولت روايته (شباب إمرأة) لفيلم جيد بطولة (تحية كاريوكا) و(شكري سرحان). وعثرت على رواية لكتاب سوداني (بدوي عبدالقادر) عنوانها: (هائم على الأرض) أو (رسائل الحرمان) وهو طبيب درس في مصر. وكانت الوحيدة ولم أسمع عنه أبدا بعد ذلك. وأخيرا تعرفت على أدب (نجيب محفوظ) بعد زيارة لمصر، فجبّ كل ما سبق وجعل من تلك الفترة جاهلية في السرد والحكي.
وأيضا، ترجمات سلسلة (كتابي) وشعارها مصباح (ديوجين) المُضيء، وصاحبها (حلمي مراد).
ثم كانت سلسلة (كتابي) ل(حلمي مراد) مصدرا لا ينضب لروائع الكتب المترجمة؛ فقد قرأت فيها: (البؤساء) لفيكتور هوغو، و(مدام بوفاري) ل(غوستاف فلوبير)، و(الحرب والسلام) لتولستوي، ومؤخرا (دكتور زيفاجو) لبوريس باسترناك، والذي تابعنا باهتمام صراعه مع السلطات الروسية التي أجبرته على عدم قبول جائزة نوبل عام 1958. وكانت هذه بداية اهتزاز إيماني بالنموذج السوفيتي لل"اشتراكية". ثم جاء الاحتلال السوفيتي واخماد ربيع براغ عام 1968م ليقضي على ما تبقى من احترام وإيمان بالنموذج. وفي نهاية الخمسينيات قرأت في نفس السلسلة، رواية بديعة مترجمة لفتاة شابة في عامها التاسع عشر، هي (فرانسواز ساجان) (1935-2004) أسمها "صباح الخير أيها الحزن" وتحولت لفيلم: "مرحبا أيها الحزن"، وشاهدت لاحقا فيلم: "هل تحبين برامز؟" وكنا نتابع حياتها الصاخبة فهي مراهقة مثلنا مع الفارق. وفي ذات الصدد وجدت اقتباسا منها يقول: "لم أنتظر شيئا من الحياة، ولم أتوقع شيئا من أحد، فالحياة في حد ذاتها تكفيني". وبعد التعرّف على كتابات (سيمون دو بوفوار) اعتبرتها سطحية وساذجة ولم أعد أهتم بما تكتب. ورغم مطاردات الوالد، خشية أن أصبح لصا، كان أرسين لوبين من أمتع القراءات، ثم روايات أجاثا كريستي.
ومن أهم المصادر المعرفية، كانت تلك القادمة من مصر. فقد عاد العم (محمد عبدالمجيد بابكر)، وصديقه (محمد عثمان عبدالله). وكانا ضمن عمال قناة السويس الذين تم الاستغناء عنهم في عام 1953م. وكان تأثير الحركة الشيوعية المصرية (حدتو) واضحا عليهم. فقد كونوا فور عودتهم، نقابة ضمت المفصولين، وقد كانوا عمالا مثقفين ومنظمين سياسيا وقاموا بأول اعتصام، وإضراب عن الطعام عام 1955 في حديقة مجلس الوزراء! وكان (محمد) يقتني مكتبة أنيقة والكتب مجلدة باللون البني. ووجدت عنده كتب الروايات الروسية المترجمة وعليها تصميم (حسن فؤاد) وبعضها من سلسلة (الغد) بخطوطها السوداء الكثيفة والقوية التي تستوحي سواعد عمال المصانع أو خشونة أيدي الفلاحين. وكان من أهم الاكتشافات رواية (مكسيم جوركي) الرائعة (الأم) والتي قرأتها في صباي عشرات المرات وصادقت بطلها (بافيل) وكأنه يسكن معنا في القشلاق. وكنت آنذاك، حين يدخل القطار القادم من الشمال، مدينة (بحري) وتظهر على شرق القضيب، المباني الجديدة للمنطقة الصناعية بمداخنها، استدعى سريعا حلما بالصناعة، والبروليتاريا، وبالطبع فجر الاشتراكية. وتعرفت من مكتبة (محمد عبدالمجيد) على أهم الكتاب اللبنانيين التقدميين في تلك الفترة مثل (ميخائيل نعيمة) و(جورج حنا).
وقد نافس كتاب "الأم" في عدد القراءات، كتاب: "ماجدولين أو تحت ظلال الزيزفون" لـ (مصطفى لطفي المنفلوطي). ووفاءً لجدي أحمد بابكر أدمنت قراءة كتاب: "من وحي الرسالة" ل(أحمد حسن الزيات).
في المرحلة الثانوية، عمّدت نفسي ابنا روحيا لسلامة موسى كما ذكرت، هذا، وقد تميز (سلامة موسى) بسبقه وريادته في التعريف بموضوعات حداثية وتجديدية مستخدما أسلوبا سهلا بلا ابتذال، مع غزارة الإنتاج. وقد أثّر على الأجيال الشابة منذ فترة مبكرة، مبشرا بفكر المستقبل. فقد قدم فكرا يتسم بالعلمية، وشرح مبادئ الاشتراكية، وتطورات الثورة الصناعية وبسط نظرية التطور للناس البسطاء وغير المتخصصين. وقد جعلت منه تأثيرات الحضارة الغربية ثائرا على طريقة الحياة العصرية وفي الشرق عموما. ولم يخف إعجابه بإنجازات الغرب المادية وغير المادية مثل التصنيع، والاشتراكية، وحرية الفكر. ورأى فيه عدد من الدارسين لفكره، علمانيا صريحا يعتقد بضرورة فصل الدين عن الدولة، وإبعاد الدين عن التأثير في الحياة العامة. ولم يهمل التفاصيل التي تجعل الحياة عصرية مثل الفنون والآداب.
من كتبه المؤثرة: (نظرية التطور) و(حرية الفكر) و(أحلام الفلاسفة) و(ما هي النهضة؟) و(التثقيف الذاتي) و(هؤلاء علموني) و(كتاب الثورات) و(دراسات سيكولوجية) وأعجبتني الكلمة وكنت استخدمها كثيرا بمناسبة وبدون مناسبة، و(المرأة ليست لعبة الرجل). والعنوان الذي كتبه في حد ذاته دعوة للتنوير والتقدم والنهضة. وله كتاب عنوانه (الأدب للشعب) وهي نفس فكرة (سارتر) عن الالتزام.
وقد ثارت معركة "الفن للفن أم الفن للحياة".
أضفت لـ (سلامة موسى) في سنوات تالية، ولكن على مستوى أقل في المحبة، طه حسين والمازني ولم أحبب العقاد رغم أنني قرأته تماما. ويحتمل أن أكون قد تأثرت بقول الناقد اللبناني (مارون عبود): "أنني لأرحم العقاد رحمتي لقبيحة تحشر نفسها وسط الحسان وهي مؤمنة بجمالها، فما أكثر المغرورين في الدنيا، وأولهم العقاد الشاعر. والذي يردد بينه وبين نفسه: والله متم نوره ولو كره الكافرون. العقاد ممن يرفعهم الله إلى أسفل في النظم". وكان أسلوب العقاد فكريا صرفا، انهزم فيه الشاعر الفحل تحت سطوة المفكر الجهم الصلب الخشن، صارت الجملة طويلة الذيل واسعة الحنك لتتمكن من الالتفات حول الفكرة وافتراسها وابتلاعها مهما كانت كبيرة الحجم. أما أسلوب سلامة موسى فكان فريدا إذا قيس بحال الأسلوب العربي بوجه عام في أوائل القرن الماضي. كان أسلوبه تطويرا فذا للبلاغة العربية، فإذا كانت البلاغة هي مطابقة العبارة لمقتضى الحال، فإن أسلوب سلامة موسى هو السهل الممتنع. لقد تخلص من المترادفات ومن ترهلات البيان والبديع والمحسنات والإطناب والاستعارة وكثرة التشبيهات. (خيري شلبي: عناقيد النور. القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2011:134)
احتلّ (طه حسين) مكانة متميزة خاصة وقد اكتشفته بجهد ذاتي. فقد كان مقررا علينا (المازني) وتم تجاهل كتاب (الأيام) مثلا. ويبدو أن بعض تآمر الأزهريين والدرعميين انتقل من مصر مع بعض الخريجين السودانيين. فكل هؤلاء لن يغفروا له أنهُ صاحب كتاب (في الشعر الجاهلي) صدر عام 1926 والذي عُدل عنوانه وبعض مضمونه (في الأدب الجاهلي). ويعرّف الكتاب حسب قوله: "الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شىء، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين، وأكاد لا أشك في أن ما بقي من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدا لا يمثل شيئا، ولا يدل على شىء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي". وكانت الصدمة الكبرى هي استخدامه منهج الشك الديكارتي في الفكر العربي. وهو المنهج الذي اشتهر به الفيلسوف الفرنسي "رينيه ديكارت" (1596-1650م) أبو الفلسفة الحديثة. وقد عرف بمقولته: "كلما شككت ازددت تفكيرا فازددت يقينا بوجودي".
لم يكن (طه حسين) يتوقع المعركة التي اندلعت فهو صاحب حياة هادئة ومتأملة. وهو القائل عن نفسه: "لست أزعم أني من العلماء، ولست أتمدح بأني أحب أن أتعرض للأذى، وربما كان الحق أني أحب الحياة الهادئة المطمئنة، وأريد أن أتذوق لذات العيش في دعة ورضا، ولكني مع ذلك أحب أن أفكر، وأحب أن أبحث، وأحب أن أعلن إلى الناس ما أنتهي إليه بعد البحث والتفكير، ولا أكره أن آخذ نصيبي من رضا الناس عني أو سخطهم علىّ، حين أعلن لهم ما يحبون أو ما يكرهون". ولكن النائب (عبدالحميد البنان) أقام دعوى قضائية ضده. وحققت النيابة معه في 19 أكتوبر عام 1926، ولم يكتف «البنان» بذلك بل قدم إلى مجلس النواب في جلسته المنعقدة بتاريخ 13 ديسمبر من نفس العام باقتراح ينص على مصادرة كتاب «في الشعر الجاهلي» وتكليف النيابة العامة برفع دعوى ضد «حسين» لطعنه في الدين، وإلغاء وظيفته في الجامعة. وصدرت العديد من الكتب والمقالات التي تهاجم «حسين» وتنتقده، وتجرّح في شخصه.
يرى البعض أنه أخطأ في قوله: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي". والخطأ الثاني فهو مسألة "هل يجوز استخدام القرآن الكريم مرجعا علميا؟" وجوهر فكرة «حسين» هنا هو لا يجوز لنا استخدام القرآن مرجعا من المراجع العلمية، سواء في التاريخ أو الفلسفة أو علم النفس، فالعلوم متغيرة، وتخضع لتغييرات، بينما القرآن قائم على أسس ثابتة. وقد تراجع عنهما في الطبعات اللاحقة.
بالإضافة لهذا الكتاب - القضية - فقد كنت معجبا لدرجة الوله بكتابه: "الفتنة الكبرى" وهو في رأيي أخطر من كتاب "في الشعر الجاهلي". ففي هذه الدراسة اختط منهجا علميا جديدا في كتابة التاريخ الإسلامي نازعا عنه قدسية ونمطية لازمته سنينا مديدة. وكتب تاريخا اجتماعيا للفترة الأولى، ولم يتردد في نقدها. أما ريادته في النهضة فقد عبر عنها في كتاب: "مستقبل الثقافة في مصر". ولم يجامل في القول بأن المستقبل مرتبط بالاتجاه شمال إلى المتوسطية وليس شرقا.
يبدو أسلوب (طه حسين) مملا وفيه تكرار، وقد يعود ذلك لعدم النظر. فهو يتلمس الكلمات والعبارات ويعود لها أكثر من مرة. وتجئ كتابته أقرب إلى النحت منها إلى الرسم مثلا. وقد يكون التكرار والمترادفات دليل شك وأنه لم يحسم قوله نهائيا. وفي كل الأحوال فطه حسين هو الأول عندي في عموميته. ويبقى (سلامة موسى) هو صاحب الرسالة التنويرية والتي ينافح عنها بلا مواربة. كان أسلوب طه حسين أدبيا صرفا، طروبا يهتم بالجرس والإيقاع المسموع اهتمامه بالجزالة والرصانة والرسامة وفنون البلاغة العربية بذوق "ثقافي" حديث-كما قال عنه (خيري بشارة).
عثرت ضمن مكتبة القادمين من مصر على كتاب (خالد محمد خالد) (1920-1996) المثير للجدل: "من هنا نبدأ" (1950) والذي قال فيه صراحة بفصل الدين، وأن الإسلام لم يكن محتاجا لدولة لذلك لم تذكر في القرآن. وهاجم ما دعاه "غرائز الدولة الدينية". ورغم تعاطفه آنذاك مع الإخوان المسلمين، فقد هاجموه بضراوة قاربت أحيانا حدود القذف والسب، خاصة في كتاب (محمد الغزالي) بعنوان: "من هنا نعلم". وصرت شديد الإعجاب بـ (خالد) وأقرأ كل ما يكتب، بل كنت اتخذ عنوان كتبه المبتكرة، افتتاحيات في الجرائد الحائطية التي أكتب فيها أو أصدرها، وعلى سبيل المثال: (هذا أو الطوفان) و(الله والحرية) و(الدين للشعب) و(لكي لا تحرثوا في البحر) وغيرها. ولم يتردد في نشر كتاب في نفس عام الانقلاب 1952 عنوان: (الديمقراطية أبدا). وكان الضباط الأحرار معجبين بفكره، فاشركه (عبدالناصر) في لجان دستورية وسياسية، ولكنه كان الوحيد الذي اعترض على قرارات تأميم عام 1961. وتراجع في أواخر عمره عن قناعاته، فأصدر كتاب (الدولة في الإسلام) (1989) داحضا بنفسه كل طروحات كتابه الأول.
كانت فترة المعهد أو بدءًا من عام 1963 هي فترة تمتين الوجودية الفطرية العفوية، بأسس فكرية راسخة تمنع التردد أو التخاذل. فقد كان عليّ أن أدخُل في عملية تثقيف ذاتي صعبة، تلج مجالا فكريا وفلسفيا عميقا وجديدا. وكان عليّ أن أفهم كثيرا من المفاهيم المعقدة والمقولات الغامضة خاصة وأن الترجمة لم تكن دائما دقيقة وغير خائنة. وقد اعتمدت على ترجمة اللبنانيين: سهيل إدريس وجورج طرابيشي، والمصريين: عبدالرحمن بدوي، وعبدالغفار مكاوي، وعبدالمنعم الحفني، ومجاهد عبدالمنعم مجاهد. وكان البعض يقول أن كل فرد يمكن أن يجد في الوجودية ما يريده أو يبحث عنه. ولذلك جذبتني الوجودية على مستوى حياتي أو طريقة حياة وممارسة.
ويقال أن للوجودية دلالتين، كتيار فلسفي وظاهرة اجتماعية، وقد حاولتُ التوفيق بين الاثنين. ولهذا السبب، كان كتاب (سارتر) المعنون: "الوجودية مذهب إنساني" كافيا لكي يمثل لي مرشدا ودليلا هاديا بلا تعقيدات وتقعر. فقد كانت أفكار مثل: الإنسان محكوم عليه بالحرية، أو الفرق بين الماهية والوجود. فالإنسان ليس تعبيرا عن ماهية موجودة مُسبقا بل هو مشروع قائم على اختيار في مواقف متجددة يحقق بها ذاته (وجوده). ومن كتبه الفكرية الأخرى: "الوجود والعدم" و"نقد العقل الجدلي". ومن أهم رواياته والتي تشرح أفكاره وتبسطها: "الغثيان" وبطلها الشهير (روكنتان)، و"دروب الحرية"، ومسرحيات منها: "الذباب" و"المومس الفاضلة". وكتب سيرة بديعة عن: "بودلير" و"جان جينيه"، ومقدمة كتاب (فرانز فانون): "المعذبون في الأرض" وكتاب حول الزعيم الكونغولي (باتريس لوممبا). وكان ناشطا سياسيا مساندا لحركات التحرر على صعيد أممي. وكنت أتابع مقالاته المترجمة من مجلته الموسومة: "الأزمنة الحديثة". وكان فوق السبعين عندما كان يتقدم مظاهرات الطلاب في شوارع باريس.
لايكتمل (سارتر) بدون (سيمون دو بوفوار) (1908-1986) وأثارت حياتهما العاطفية إعجابي الزائد لأنها جسدت فكرة الاختيار والحرية معا. تعرفت بكتابها المرجعي حتى اليوم في الـ (feminism) أو النسوية أو الجنسانية. ولكنني كنت اصطحب كتابها العظيم، صغير الحجم: "نحو أخلاق وجودية" والذي بسّط أصعب المقولات الوجودية في لغة سهلة وبأمثلة ذات دلالات عميقة. ففي شرحها للعبث، أوردت قصة (الإسكندر) الأعظم الذي يقول لمحدثه: "سأخضع كل اليونان". ويسأله الآخر: "ثم ماذا بعد؟"، "أغزو آسيا الصغرى". "ثم ماذا بعد؟"، "ثم أضم الهند"، ويسُأل: "ثم ماذا بعد؟" ويجيب الإسكندر: "ثم استريح بعد ذلك". ويقول له السائل: "ولماذا لا تستريح الآن!"
كان (ألبير كامو) (1913-1960) يمثل الضلع الثالث في تكويني الوجودي. ورغم أنه لم يكن في نفس مستوى الصرامة الفكرية التي تميز (سارتر)، إلا أن تأثير روايته (الغريب) وكتابه (المتمرد)، كان قويا. وأضعُه في تقديري مع (كولن ويلسون) مؤلف: (اللامنتمي) ثم (ما بعد اللامنتمي) ثم غرق بعدها في كتابة الخزعبلات والشعوذة الفكرية. وأظن أنه بسبب هذين الكاتبين بالإضافة لبعض موجات الشعر الحديث، أعلن بعض السودانيين وجوديتهم، منهم: (كمال شانتير المحامي)، و(الطيب بشير) والذي أصدر نشرة باسم: (الوجود) لم تعمر طويلا. وكان يميل لكتابة القصة القصيرة. وفُهمت الوجودية عندهما بأنها استخدام اللغة والمفهومات الغريبة وغير المفهومة. وقد وجدوا في صحيفة (الزمان) منبرا لهم. وقد نشرت تلك الصحيفة بيان (مصطفى حامد الأمين) الذي أعلن فيه اعتناقه للبوذية وتخليه عن الإسلام. وبالمناسبة كان رد الفعل متسامحا فقد قال له بعض علماء الدين: "إن الإسلام لن ينقص شيئا بخروجه ولن يزيد بدخوله". ولم يتم تكفيره أو تقديمه لمحكمة ردّة.
تعطي سردية تكويني الفكري انطباعا خاطئا بأنني كنت ضحية عملية اغتراب كاملة (alienation)، وصار عقلي وقلبي معلقين بالخارج. أولا، رغم احترامي للخصوصية والمحلية، أعتقد أن جوهر الإنسان واحد في كل زمان ومكان، وإلا لماذا مازال يجذبنا: أفلاطون، وبوذا، وماركس، وإبن عربي، وشكسبير، والمتنبي، ودافنشي؟ وأعني بالجوهر الواحد، أن العواطف والتأمل والتفكير، هي نفسها، والاختلاف في طريقة التعبير عنها، وهذا ما نسميه الثقافة وهي متعددة بصورة لانهائية في أشكالها الخارجية. فأنا مثلا أجد أن (سارتر) و(أدورنو) أقرب إلى نفسي ومزاجي من عبدالحي يوسف، السوداني المعاصر، ومن (يوسف القرضاوي) العربي المسلم. ولم تكن حالتي اغترابية، ولكنني تُقت وتطلعت مبكرا للحداثة والجديد، ووجدت أن الثقافة السودانية مغرقة في التقليدية والمحافظة والجمود، فكان من الطبيعي أن أبحث عن زادي الفكري في خارج الحدود الوطنية الضيقة. وقد وجدت كثيرا من الأصدقاء والأقارب الروحيين في فترات تاريخية سابقة في بلاد الإغريق القديمة، وفي إيطاليا القرن السادس عشر ومع أسرة (مديتشي)، وفي المانيا الإصلاح الديني مع (مارتن لوثر)، وفرنسا (فولتير) ومقتحمي سجن الباستيل، وبحارة الباخرة (بوتمكين) الروس، ثم في فيتنام وكوبا واستاد (سانتياغو) في شيلي عام 1973. ولي بالتأكيد كثير من الأهل في مصر ولبنان وباريس وفرانكفورت وبوسطن ودلهي والبرازيل.
بُني السوداني على أسس قبلية تنافرية ذات طابع بدوي متنقل ولم يعرف الاستقرار والاستمرارية وديمومة الحياة المتحضرة التي تعتبر شرطا لازدهار الحضارات. تاريخيا، حرمت بلاد النوبة (السودان الحالي) من الاستقرار وبناء دولة، وحضارة مستقلة، بسبب وجود جار متفوق في قوته، وفي نفس الوقت يخشى الخطر القادم من الجنوب. وكان من أهم أسس السياسة الخارجية والاستراتيجية - حسب لغتنا المعاصرة - للأُسر الفرعونية الحاكمة تأمين الحدود الجنوبية. فقد كانت الحدود الجنوبية في حالة سيولة مستمرة خلافا للحدود الشمالية (البحر الأبيض المتوسط) أو الغربية (الصحراء والبحر الأحمر). وكانت حالة الفوضى في الجنوب وغياب السلطة المركزية في أغلب الأحيان، يسبب إزعاجا للدولة المصرية، مما يتطلب إخضاع ذلك الجزء الهام من المنطقة. وكانت النتيجة افتقاد بلاد النوبة للكثافة السكانية المستقرة والمنتجة للحضارة. إذ لم تتوقف الحملات العسكرية والغارات التأديبية ورحلات الاسترقاق ضد بلاد النوبة خلال التاريخ القديم. ولم يساعد دخول المسيحية كدين سماوي في توحيد النوبيين. فقد عاشت البلاد الخلافات المذهبية الدينية التي أضعفت دور الكنائس كثيرا. كذلك انحصر الدين كفكر بين صفوة ضيقة الانتشار وقليلة العدد. واكتفى العامة بممارسة الشعائر والطقوس، بدون تعمق في تعاليم الدين. ولهذه الأسباب لم تصمد المسيحية طويلا أمام تدفق القبائل العربية المسلمة التي اتجهت مُهاجرة إلى السودان من الجزيرة العربية، هربا من الصراعات السياسية الدامية والحالة الاقتصادية المتدهورة.
دخل الإسلام إلى السودان على أنقاض ممالك مسيحية منقسمة لم تستطع توحيد نفسها رغم اشتراكها في دين واحد، وهذا ما أضعفها وسهّل سقوطها. وظلت العلاقات بين بلاد النوبة والمسلمين في مصر متوترة باستمرار. وقد تميزت بالمناوشات وتهديد الحدود، وخطوط تجارة القوافل، خاصة بعد أن فتح المسلمون مصر على يد (عمرو بن العاص) عام 20هـ/641م، في عهد (عمر بن الخطاب). وتواصلت محاولات إخضاع بلاد النوبة، فلقي المسلمون من النوبة قتالا شديدا. وتقول المصادر التاريخية، أن النوبة رشقوا المسلمين بالنبل حتى جرح عامتهم، فانصرفوا بجراحات كثيرة وحدق مفقوءة، فسموا النوبة "رُماة الحدق". ولم تكن هناك معركة حاسمة، لذلك استمر النوبيون بعد فترة وجيزة في الإغارة على الحدود والقوافل، وانتهت الهدنة القصيرة. فقرر (عبدالله بن سعد بن أبي السرح) (31هـ/651م)، أن يضع حدا لتهديدات النوبة، فجرد جيوشه إلى (النوبة) ووصل إلى (دنقلا)، وحاصرها، ورماها بالمنجنيق الذي أفزع النوبيين. فطلب الملك (قليدروت) الصلح. وبالفعل تم توقيع اتفاقية (البقط) سيئة السمعة. وينص أحد بنودها: "وعليكم في كل سنة، ثلثمائة وستون رأسا تدفعونها إلى أمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب يكون فيها ذكران وإناث ليس فيها شيخ هرم ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم. تدفعون ذلك إلى والي (أسوان)". وهي كما قال (ابن عبدالحكم)، "هدنة أمان لا عهد ولا ميثاق". وهي في حقيقتها أقرب إلى معاهدة تجارية وسياسية بين مصر الإسلامية ومملكة دنقلا المسيحية، أو مجرد معاهدة حسن جوار تضمن حرية الحركة والتجارة بين البلدين. وهي تختلف عن كل أشكال المعاهدات الأخرى التي عُقدت بين المسلمين وغير المسلمين. وظلت علاقة النوبيين مع المسلمين متوترة باستمرار مما أثّر على استقرار وتطور بلاد النوبة، فقد لعبت اتفاقية البقط دورا هاما في استمرار التنازع والتوتر. ومن الواضح أن اتفاقية البقط لم تحقق سلما دائما بين النوبيين والمسلمين، ولكن مع ذلك تمسكت بها كل الأسر الإسلامية الحاكمة، وظلت سائدة قرابة سبعة قرون. وقد وصف أحد المستشرقين المهتمين بدراسة السودان، اتفاقية البقط بأنها تثير الاهتمام. فالمسلمون لم يقوموا بضم بلاد النوبة وقبلوا بجوار دولة غير مسلمة. ويقصد بذلك أنهم لم يحاولوا أسلمتها. وقد صمدت الاتفاقية لحوالي ستة قرون حتى العصر الفاطمي. ويعود هذا إلى كونها عهد تعايش وتبادل تجاري، ولم تفرض جزية. فالنوبيون لم يهزموا عسكريا تماما. ويرى (ترمنقهام) أن هذه الاتفاقية قد أرست أسس تجارة الرقيق والتي ستكون - حسب رأيه - من ملامح فترة الحكم اللاحقة، وهي تختلف كثيرا عن الرق أو العبودية المنزلية. ويرى بعض الباحثين أن اتفاقية البقط كانت بالغة القسوة على أهل النوبة، ولم تكن صيغة البقط هي الشكل الوحيد لجلب الرقيق من النوبة، فقد سمحت الاتفاقية للمسلمين بالدخول إلى بلاد النوبة لشراء الرقيق، كما لا تمنعهم من القيام بانتزاع العبيد بأنفسهم بالقوة. واستمرت عملية جلب الرقيق النوبي إلى جانب رقيق البقط لسنوات طويلة. ويكتب (بن عامر): "وقد ازدهر هذا التيار التجاري، ولا سيما في عهدي الطولونيين والإخشيديين. وأصبح الصعيد المصري معبرا لهذه البضاعة الآدمية. وفي هذا العصر ظهرت قضية (الجلاب) الذي سنجده باستمرار بعد ذلك". لم تتوقف الحملات الإسلامية من الشمال على بلاد النوبة، لأن الاتفاقية كانت باستمرار عرضة للانتهاك والخروج عنها بسبب قسوتها وظلمها.
ومن الواضح أن الثقافة العربية/الإسلامية التي يحاول سودانيو الشمال الانتساب إليها واتخاذها هوية ثقافية، لم تحمل معها مكونات العمران التي تحتاجها المجتمعات. ويعود ذلك لنوعية القادمين، ولأسس شكل العلاقة بطابعها الحربي. فنحن اليوم لانجد في السودان مدينة إسلامية قديمة مثل (القاهرة الفاطمية) أو (الجامع الأموي ودمشق الإسلامية) ولا مدن مثل (فاس) أو (القيروان) أو (قرطبة). ولا نصادف في السودان (دار الحكمة) أو (جامع الزيتونة). وتقول كتب التاريخ: "دخل الإسلام إلى السودان بواسطة التجار وليس العلماء والفقهاء. وتقول المصادر أنه حين جاء غلام الله بن عائد إلى دنقلا في النصف الثاني من القرن الرابع عشر وقرر السكني فيها وكان أهلها في غاية من الحيرة الشديدة والضلالة لعدم وجود القرآن والعلماء بها. فلما حلّ فيها عمّر المساجد وقرأ القرآن وعلّم العلوم مباشرة لأولاده وتلامذته ولأولاد المسلمين" (يوسف فضل، الطبقات، الطبعة الرابعة، 1992، ص 3).. ورغم أن هذا الوصف كان يقصد معرفتهم الدينية فقط ولكن يمكن تعميمه ليشمل الفكر عموما. أما مفهوم العلم فقد كان يقصد به: التوحيد، الفقه، التفسير وكتب التصوف السنوسية الصغرى، العشماوية، الرسالة، المختصر، الجلالين، الأحياء، المتون: العزية، أقرب المسالك. وقد كان الاهتمام أكثر بالنواحي العملية في الدين: معرفة فروض الورثة - سهام الفريضة أو الميراث - المشهور بالفرضي. وكانوا منصرفين عن دراسة الفلسفة أو علم الكلام ولم تعرف بلاد السودان الشرقي معاهد تعليم ديني مثل غرب أفريقيا. فقد كانت تمبكتو عاصمة ثقافية كبرى، خلّفت عشرات العلماء المرموقين وآلاف المخطوطات والتي حرقتها أخيرا الجماعات المتطرفة. وهذا الدور العلمي كان غائبا للسودان، ويعود ذلك للحروب القبلية المتواصلة، وغياب مواقع إنتاج ومدن تنعش المراكز العلمية. كما أن تعدد الطرق الصوفية والمشائخ، عظّم دور الطرائقية أو الصوفية السودانية، وزاد في التشرذم، وإضعاف روح الأمة الوطنية لصالح "أمة الطريقة". صحيح أن المشائخ نشروا الإسلام، وعلّموا القرآن، وبنوا المساجد والخلاوي؛ ولكن لم يغرسوا أي شعور قومي بالسودانية، أو بما هو أشمل وأوسع من الطريقة أو الشيخ. وفي النهاية، افتقد السودان حضارة إسلامية عميقة: فكرا ومعمارا. وتبقى الثقافة السودانية السائدة، عربية - إسلامية في مجال حيوي أفريقي. ثقافة هجين، مستعربة، أو هي (وسط الوسط) أو (هامش الهامش). وتفتقد الإجماع، والوحدة القومية، ويبقى عدم الاتفاق على شىء واحد، بسبب تفاعل الإسلام والثقافات المحلية بدون غلبة لطرف. ويستمر انتشار الإسلام الشعبي، حسب المفهوم الأنثربولوجي للدين. وهو في حقيقة الأمر، الدين كما هو كما يمارسه الناس، حتى ولو خالف أو لم يتفق تماما مع النص الديني الأصلي، فهو في المفهوم الصحيح: التدين.
وفي النهاية، يُعتبر المجتمع السوداني كيانا راكدا، وكأن التاريخ قد توقف فيه عدا وثبات قصيرة العمر مثل المهدية، أو هبة 1924، أو ثورة أكتوبر، ثم يعود لهجوع طويل قد يحكمه خلاله (النميري) لـ 16 سنة و(البشير) لأكثر من ربع قرن. فالمجتمع السوداني ناقص التكوين، ولم يتطور تاريخيا في اتجاه وحدة التنظيم والأدوار والوظائف. وبقي في حالة فسيفساء تشتمل على جماعات متجاورة، وليست مندمجة ومتسقة، أو حتى متفاعلة إيجابيا لتشكل مجتمعا حقيقيا متجانسا بمعنى الكلمة. هذا، وقد ساهمت حياة البداوة، والمساحات الشاسعة في التنافر والعزلة، في الماضي. ثم جاء غياب التنمية وإهمالها، ليكرس هذا الوضع المتخلف، لأنه لم يتم تشييد الطرق والسكك الحديدية والموانئ. وهذا أُس المعضلة السودانية: التخلف الاقتصادي وبدائية وسائل الإنتاج وعلاقاته. وتوجد مناطق كثيرة تتعامل بالمقايضة، ولا تعرف السكن الدائم. وهنا شعرت النخبة السودانية بأنها هي الدولة والمجتمع، وصارت تتحدث بالوكالة عنه مما أعطاها الحق في المطالبة بامتيازات غير محدودة، لا تقابلها واجبات ومسؤوليات في حجمها.
تدل مُجريات الحياة السودانية - تاريخيا - بأن مكانة العالم أو الفقيه، لم تكن عالية إلا بمقدار قدرته على حل المشاكل الحياتية اليومية وليس حل المعضلات الفكرية أو التعليمية. لذلك كانوا يفرّقون بين الفقيه المشارك في الحياة العامة، وبين ذاك المنعزل والمنقطع للعلم فقط. ويقول العامة: "فلان ليس فكيا هوين (تصغير هين) بل هو سوط وسيف". ويقصد بذلك أنه ليس مجرد معلم صبيان يؤدبهم، ويعلمهم، ويضربهم الضرب بالسوط، بل هو أيضا صاحب سيف للحرب، والدفاع عن قبيلته والإغارة على الأعداء. ولذلك تقول الأم لابنها:
"إما أركب كلس قل للخيول أندري وإما أقعد فكي ود مرتضاك يقري"
وتخاطب أخرى ابنها أيضا وتثير حماسته ليترك حياة الخنوع حسب رأيها:
"متين ياحسين أشوف لوحك معلق لا حسين لا حسين مفلق"
وفي موضع آخر:
"ياحسين أنا ماني أمك وأنت ماك ولدي
بطنك كرشت غي البنات ناسي
ودقنك حمّست جلدك خدش مافي
ولاك مضروب بالسيف نكمد في"
وفي أماكن كثيرة لا يحترم العامة العلماء وقد يخافون من الذين يمارسون السحر والأحجبة. وفيما يلي قصة ذات دلالة، فقد أورد التونسي (ص 191): "مما اتفق أن السلطان عبدالرحمن كان يحب العلماء، ويكثر الجلوس معهم في ليله ونهاره، وقلّما يجلس مجلسا الا ومعه عالم أو اثنان. فاغتاظ الوزراء منه وقالوا: "كيف يتركنا ويجلس مع هؤلاء؟ ولكن إن مات هذا السلطان لا نولي علينا بعده رجلا يقرأ أبدا". فسمع ذلك أحد الموحييه وقال بلسان الفور كلاما معناه: نحن ما بقينا نولي علينا من يعرف القراية والكتابة! فالتفت اليه السلطان وقال: لم ذلك؟ قال: لأنك تترك الوزراء وتجلس مع العلماء. فاغتاظ السلطان لذلك، ونظر اليه نظرة الغضب، فخاف الموحييه أن يسطو عليه، فقال: ما ذنبي، أنا سمعت هؤلاء - وأشار إلى الوزراء - يقولون ذلك فقلته. فالتفت السلطان اليهم ووبخهم على ذلك، وأراد القبض عليهم، فما خلصوا منه الا بجهد ومشقة، قلت:
والجاهلون لأهل العلم أعداء
من مظاهر عدم الميل للاجتهاد والتجديد، السؤال الذي يتكرر للفقهاء في (طبقات ود ضيف الله) عندما يبدي الفقيه رأيا، أو يصدر فتوى: "من رأسك ولا من كراسك؟". ويعني هل توصلت اليه بتفكيرك الخاص أم رجعت لكتاب؟ هذا وقد حرّمت المهدية كل أشكال التنوع والاجتهاد بمنعها للمذاهب والطرق الصوفية. ولم تشهد الحركة الفكرية تطورا واضحا، لأن الدولة كانت جهادية وفي حالة استنفار مستمر للقتال.
وكانت الحرب هي الأولوية و"ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة" وصبت كل الجهود في تعبئة الناس للجهاد. ولم يكن أي وقت للفنون أو الإبداع، أو حتى التنمية. رغم أن البعض يرى في المهدية حركة تجديد ديني، مما كان يستوجب توسعا في الثقافة ومؤسساتها. وبعد سقوط المهدية، كانت الإدارة البريطانية حذرة في فرض عملية التحديث السريعة في السودان. ولم يكن التعليم "الحديث" الذي أدُخل، ممثلا في كلية غردون، يفتح آفاق الخريجين على حياة حديثة حقيقية، سلاحها العقلانية والعلمية والتجديد. ويكتب أحد الخريجين، (سرالختم الخليفة) عن الكلية: "ولكن الدراسة في كلية غردون لم تكن ذات قيمة كبيرة في نظري لأنها كانت محدودة المدى محدودة الأهداف. وقد كان يغلب على طابعها ما أضفاه السير جيمس كري على نظام التعليم منذ أن تولى أمره فقد جعل أحد أهدافه الرئيسية تخريج عدد من الكتبة وصغار الموظفين لتسيير الإدارة الحكومية. وقد سار في الدرب المستر يودل المشهور وتبعه في ذلك المستر (وليم) في كبرياء وصلف اعتمد فيه على طول قامته وبسطة جسده أكثر مما كان لديه من علم ومرونة في التفكير ولم يمنح من ذلك إلا النذر اليسير". (سيرة ومسيرة...، الخرطوم 2012:47).
تحولت مسيرة البلاد الفكرية إلى شكل من الازدواجية العصية، جعلت السودان يتراوح بين خيار الحداثة والتقليدية، بلا حسم. وهذا وضع شاذ ومعطّل للتقدم،
ومرتبك. وظللنا نعيش انفصاما تجلى في الصراع بين نخبة الأفندية أو المصطلح السياسي لها: القوى الحديثة؛ مقابل رجال الدين والريف أو ما يسمى بالقوى التقليدية. وهذه صورة صراع متكررة في العالم العربي: العلماء والأفندية.
نحاول مثل كل مثقفي العالم الثالث التنقيب عن فترات في تاريخ فكرنا نطلق عليها - تجاوزا - عصر "النهضة" أو "التنوير". وقد حظيت ثلاث فترات بهذه الصفة: مطلع العشرينيات من القرن الماضي، ثم الثلاثينيات مع بروز دور الخريجين، ثم الستينيات مع ثورة أكتوبر وصعود اليسار. ولكن يبدو أن ذلك أقرب إلى "تفكير التمني" (wishful thinking) منه إلى الواقع والحقيقة. إذ لم تكن وضعية سودان العشرينيات بيئة مشجعة لازدهار التنوير الفكري، بسبب ضعف التعليم - كما وكيفا - مع بدائية الاقتصاد والفقر البائس، ونظام الحكم الذي "جدد" القبلية في شكل الإدارة الأهلية. وكانت الثقافة تعني الأدب وبالذات الشعر، وهو تقليدي ومقلد للنتاج العربي الكلاسيكي، البعيد عن البيئة المحلية. وهذا يجعله مغتربا في التاريخ والجغرافيا، وتمسك غالبية الشعب بالدوبيت والمسادير والمناحات والمدح والمدائح، وغيرها من ضروب الفن الشعبي. ولكن، نحن نمجد هذه الفترة لأسباب سياسية بحتة، لأنها شهدت هبة أو انتفاضة 1924. فقد كانت العشرينيات بداية البحث عن الذات، فهؤلاء هم النخبة التي أطلق عليها (محمد المكي إبراهيم) تسمية: "أحفاد الهزيمة". ويكتب عن اغترابها: "ويتقمص الأدباء شخصية العربي القديم بصورة تدفعهم أحيانا إلى مغالطة الواقع فلا نلمح في إنتاجهم أي إشارة محلية ولا تجد فيها شيئا يربطها بالأرض السودانية. وقد ذهبوا في ذلك مذهبا بعيدا حتى أنهم صاروا يحوّرون الأسماء السودانية أو يتجاهلونها في أشعارهم الغزلية ليشببوا بهند وأمامة وأسماء وغيرها من الأسماء العربية التي لا وجود لها في السودان". (الفكر السوداني...، 1989:57). ونجد عرضا شيقا لحياتهم واهتماماتهم في كتاب (حسن نجيلة) الموسوم (ملامح من المجتمع السوداني) خاصة الأجزاء المعنونة: "بين الجدّ واللهو".
رغم تغيير السياسة البريطانية تجاه المتعلمين، ومع الإحباط الذي أصاب الكثيرين نتيجة فشل الانتفاضة وخذلان مصر، شهدت السنوات التالية تحولات هامة. فقد ظهر بعض المهتمين بجمعيات القراءة في الأحياء مثل (أبو روف) و(الهاشماب)، وكتاب في مجلات (النهضة) و(الفجر) وصحف (الحضارة). وكان الحدث الأهم هو تأسيس (مؤتمر الخريجين) في عام 1938. ولكن كل هذا لم يحدث تطورا نوعيا في مضمون الفكر وتياراته. فالأنتلجنسيا السودانية رغم تعليمها الغربي وأداتها اللغة الإنجليزية، كانت تعتمد كثيرا من القادم من مصر وأحيانا مترجما. وقد أعجبت بالعقاد وبثقافته الأنجلو - ساكسونية أكثر وبمدرسة (الديوان). والغريب لم يجد طه حسين نفس القبول والاهتمام بسبب جدته وجرأته وطروحاته العقلانية ومنهجه التشككي الذي قد يزعج اطمئنان هذه الأنتلجنسيا المستأنسة بعجزها كضمان ضد خطر المغامرة الفكرية والحياتية. واستمر اهتمام المثقفين بالأدب مبتعدين عن الفكر السياسي والفلسفة والفنون، رغم القول بوجود (فابيين) نسبة للأشتراكية الفابية في جماعات القراءة. هذا وقد ظهرت أسماء مجددة ولكنها كانت كالشُهب سرعان ما إنطفأت في مجتمع قادر على الاغتيال المُبكر - فيزيقيا ورمزيا - فقد برز (معاوية محمد نور) (1909-1942) والذي تحول نبوغه لمأساة فاجعة. و(التيجاني يوسف بشير) (1912-1937)، الذي قضى بداء الرئة. ومن النقاد المميزين، كان (حمزة الملك طنبل) (1893-1960) و(الأمين علي مدني) (1903-1933) وفي رواية (1901-1925).
وتمتلئ الثقافة الشعبية السودانية بالأمثال التي تدعو لرفض الجديد: "الجن التعرفو أخير من الجن الما بتعرفو"، أو: "الفات قديمو تاه" أو: "الما عندو قديم ما عندو جديد"، أو: "أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة". مع أن عملية التجديد والتغيير يجب الا تتوقف، حيث يقول الألماني (برخت): "يجب أن نغير العالم ثم نغير بعد ذلك العالم المتغير". وقد يتضايق بعض المثقفين السودانيين من عدم اهتمام شعبهم بالفنون والإبداع، فيصرخ ساخطا كما في قصيدة الشيخ (عبدالاله أبوسن) أمام قبر تاجوج:
قبر تاجوج سلام أنت للحسن مقام
في بلاد شعبها جهل الحسن فنام
وقد انفعل الشاعر (محمود حمدي) بمحاضرة القاها (إدوارد عطية) (1903-1964) الموظف اللبناني في حكومة السودان، عنوانها: "فن الحياة"، جاء فيها:
نحن لم نحفل بما في أرضنا من جمال أو سمانا ما زهاه
الطبيعيات أينما ذكرت قيل كفر ليس يرضاه الإله
والجمال الحق لو قدرته تسمع من يرميك جهرا بالسفاه
وإذا رنّت بهم قيثارة لم تجد من بعضهم بعض انتباه
هو إنسان وإن لم تلفه يشبه الإنسان إلا في خطاه
أما (رفاعة رافع الطهطاوي) فقد عبر عن غضب وسخط بالغين تجاه السودانيين يصل حد العنصرية أثناء وجوده في البلاد، فقد جاءهم معلما وانتهى هاجيا وشاتما، في هذه القصيدة:
وما السودان قط مقام مثلي ولا سلماي فيه ولا سعادي
بها ريح السموم يشم منه زفير لظى فلا يطفيه وادي
عواصفها صباحا أو مساء دواما في اضطراب واطراد
ونصف القوم أكثره وحوش وبعض القوم أشبه بالجماد
وضبط القول فالأخيار نزر وشر الناس منتشر الجراد
ولولا البيض من عرب لكانوا سوادا في سواد في سواد
(راجع: رفاعة الطهطاوي: مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية. تقديم حلمي النمنم، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2002، ص 267).
أظن أن تخلف الفكر السوداني المعاصر، يعود في كثير من جوانبه إلى حساسية السودانيين تجاه النقد في الفن، والحياة العامة أيضا. وقد أورد (عز الدين الأمين) نقاشات لكُتّاب يقفون ضد النقد الأدبي، منهم (التيجاني عامر) والذي يدعو "لعدم الإكثار منه لئلا يكون ذلك سببا لتثبيط الهمم، لأن البلاد ناشئة في أدبها، والنقد قد يؤدي للإحجام لا سيما النقد القائم على التهكم والسخرية والنيل من الأشخاص". ويختم برأي غريب عن مطلب الجودة والاختلاف: "هذه البلاد تحبو إلى الكمال وهي في مسيس الحاجة إلى عناية غير هذه لتهب واقفة على قدميها، وذلك بأن يترك المجال لكلّ كاتب ليكتب وكل مؤلف ليؤلّف حتى نجد منهم من يكونّون قادة للفكر". (نقد الشعر في السودان، الخرطوم، 1999، ص 62 و 64). ولا يذهب (المحجوب) بعيدا عن الاتجاه غير الراغب في النقد، حين يقول: "إن غاية النقد يجب ألا تكون الهدم والتقليل من شأن المنقود، ولكنها يجب أن تكون إنصافا له". (نفس المصدر السابق، ص 65).
يرفض المتعلمون السودانيون النقد حين يتحدث الآخرون بطريقة يرونها سلبية عن السودان، ولديهم حساسية وطنية مفرطة وغير موضوعية في هذا الجانب. ومثال على ذلك، رد الفعل على ما كتبه (محمد حسين هيكل) عن الحياة ومستوى التطور في السودان. فقد كتب انطباعاته عن الخرطوم وام درمان في الصحف المصرية ثم جمعها في كتاب عنوانه: "عشرة أيام في السودان". فانبرى له المتعلمون السودانيون بالردود الساخطة والحارقة. وقد لفت نظري ما كتبه الشيخ (عبدالرحمن أحمد) في صحيفة الحضارة بتاريخ 9 أبريل 1927. وهو من الخريجين المميزين لذلك يمكن أن يكون مقاله أكثر تمثيلا لآراء طائفة واسعة منهم. ويقول في مقطع من المقال: ".. وليست المرأتان اللتان وصفهما بالإقعاء والنبش من أصل عربي بل هما أمّا من اللائي أدمنت يد النخاس أذنيهما ثم أخذتا جواز الحرية أخيرا من الحكومة فأعوزهما الكسل المستحوذ على الرق إلى البحث عن القوت... أو هما من الفلاتة والتكارنة". (حسن نجيلة: ملامح من المجتمع السوداني- الجزء الأول. الخرطوم، دار الخرطوم للطباعة 1994، ص 266). وكأنه يريد القول بأن السودانيين "الأصيلين" معصومون من الفقر والعوز والتسول.
وهذه طريقة تفكير سائدة حتى اليوم، حجبت عن السودانيين فضيلة النقد والنقد الذاتي. ومازالوا يمجدون أنفسهم كــ "أشجع وأكرم وأذكى ناس". ويتحدثون عن أخلاق السودانيين كبشر أعلى.
لم أجد ما يجذبني في ما يمكن تسميته "الفكر السوداني" بسبب قلة المنتوج، مع غياب الأفكار الجديدة. ولكن دراستي وتدريسي للتاريخ، كانتا سببا في الاهتمام والتوسع في كل ما له صلة بتاريخ السودان، مع اهتمام خاص بالأدب والفولكلور والتصوف. ومن أشكال قصور السودانيين الفكرية عدم ميلهم للتأليف والكتابة والتوثيق، وقد كان من أهم أغراض تأسيس (مركز الدراسات السودانية) حسب شعاره القديم: "بالكتابة نهزم سلطة البياض وعقل المشافهة، وبالنقد ننقض بلادة المؤسس والمستقر"، وفق مقترح (صلاح الزين). وأثرنا نقاشات ساخنة حول كسل الكتابة وغياب ثقافة الانقطاع للتأليف خصما على وقت القعدات والسهر. وتكاد المكتبة السودانية تخلو من الإسهامات السودانية التي يمكن أن نطلق عليها "تراثية"، عدا: "طبقات ود ضيف الله" و"مخطوطة كاتب الشونة" و"تشحيذ الأذهان" لمحمد بن عمر التونسي، ومنشورات المهدي. وهناك المدائح، وأوراد الصوفية، والمختصرات، ودواوين الشعر وكتب النقد. وقد قرأت مبكرا عقب فترة كتب مكتب النشر "نفثات اليراع" و"العروبة في السودان" لـ (محمد عبدالرحيم)، و"الحركة الفكرية في السودان" لـ (محمد أحمد محجوب) ثم "موت دنيا" بالاشتراك مع (عبدالحليم محمد)، وديوان "إشراقة" لـ (التيجاني يوسف بشير)، ولـ (حمزة الملك طنبل): "الأدب في السودان" و"ديوان الطبيعة". ومن خارج نطاق الأدب، قرأت: "الطريق إلى البرلمان" لـ (إسماعيل الأزهري) و"كفاح جيل" لـ (أحمد خير المحامي). وأقول دون تردد، بأنه الكتاب الفكري والسياسي الوحيد لكاتب سوداني من أفراد ذلك الجيل. وللاستاذ آراء متقدمة في مستقبل السودان، وله موقف حاسم وتقدمي من الطائفية في السودان، يعد صالحا حتى اليوم.
من المؤسف أن السودان كتبه الأجانب من غير أبنائه، وهذا عيب فكري وحتى وطني، لازم الأنتلجنسيا السودانية الغارقة في الشفاهة والحكي. فقد اهتم الإداريون البريطانيون، وكان أغلبهم من خريجي (كمبردج) و(أوكسفورد) ولبعضهم معرفة باللغة العربية وتاريخ المستعمرات. وقد بدأوا في نشر المجلة العلمية الرصينة (Sudan Notes & Records) منذ عام 1918 وحتى عام 1956، حيث توقفت - للمفارقة - عن الصدور المنتظم. وهذه إفادة لا تحتاج إلى تعليق، وتكفي لفضح جدية المثقفين السودانيين واهتماماتهم وقدراتهم الفكرية الحقيقية. وقد تعلم عدد من الإداريين، اللغات المحلية في المواقع التي عملوا فيها، وألف بعضهم قواميس في تلك اللغات، وهذا ما لم يحدث بعد السودنة. ومازلنا نعتمد على كتاباتهم في التاريخ والأنثروبولوجيا، كأسس لهذه العلوم. ففي التاريخ تظل أسماء شخصيات رائدة، مثل (آركل) (Arkell) و(آدامز) (Adams)، و(شيني) (Shinnie)، والأب (فانتيني) (Vantini)، وذلك في التاريخ القديم والوسيط. وتظل كتب (ماكمايكل) (MacMichael) الموسومة (The History of the Arabs in the Sudan)، هي المصدر الوحيد المعاصر لتاريخ العرب في السودان، حتى جاءت كتابات (يوسف فضل) و(مصطفى مسعد) في نهاية ستينيات القرن الماضي. وقد اعتمدنا في تاريخ الفونج (1504-1821) على (شاطر البصيلي) في كتابه: "معالم تاريخ سودان وادي النيل" وعلى (كروفورد) (Crawford)، و(سبولدينق) (Spaulding)، و(أوفاهي) (O’Fahey) وعن دارفور أيضا. وتعتبر كتابات الرحالة أمثال (بيركهاردت) (Burckhardt)، و(جيمس بروس) (James Bruce). أما تاريخ التركية، فقد برز (ريتشارد هيل) (Richard Hill). وقد اعتمدنا في تاريخ المهدية على المؤرخين البريطانيين، رغم إمكانية التحامل على الثورة التي قتلت (غردون باشا). ولكنهم حاولوا جهدهم أن يلتزموا بالموضوعية، وعلى قمة هؤلاء (هولت) (P. M. Holt)، و(ثيوبولد) (Theobald)، ويأتي (مكي شبيكة). وبعد الاستقلال بدأ اهتمام السودانيين بتاريخ بلادهم، ولكن أغلبهم لم يخرج من المناهج التقليدية والموضوعات نفسها أي التركيز على التاريخ السياسي والإداري، مع إهمال شبه كامل للتاريخ الاجتماعي، والاقتصادي، والثقافي.
كانت مساهمات الإداريين البريطانيين والباحثين الأجانب في علم الأنثروبولوجيا في السودان، تأسيسية أي هي الأصل في نشأة هذا العلم. فقد رفد (إيفانز برتشارد) (Evans-Pritchard) هذا الميدان بكتابات وأبحاث مميزة عن قبائل الجنوب مثل الزاندي، و(نادل) (Nadel) و(جيمس فارس) عن جبال النوبة، و(سيلجمان) (Seligman) و(كنيسون) (Cunnison) عن البقارة، و(طلال أسد) (Talal Asad). وظل مؤلف (توتهيل) (Tothill) المحرر بعنوان (Agriculture in the Sudan-1948) والذي احتوى دراسات في المعرفة الزراعية اعتمد عليها المتخصصون والطلاب.
يظهر تقصير الإنتلجنسيا السودانية الفكري والأكاديمي، في تغطية الأساتذة الجامعيين العرب للثقافة السودانية مما أثّر على نقاشات "الهوية". فقد كان كتاب (عبدالمجيد عابدين) بعنوان: "تاريخ الثقافة العربية في السودان، 1953"، الأول والأساس في موضوعه. ويمثل كتاب (محمد المكي إبراهيم) "الفكر السوداني - أصوله وتطوره، 1976". أما تاريخ الأدب السوداني ونقده، فقد وثّقه وحفظه وتصدى له: إحسان عباس، وعبده بدوي، ومحمد النويهي. واستمر الأمر حتى ظهور جيل محمد محمد علي، ومحمد إبرهيم الشوش، وعزالدين الأمين وغيرهم. والملاحظ أن (عبدالله الطيب) رغم نبوغه وتفرده لم يخص الأدب السوداني بكتابات حصرية، وصرف كل جهده في أشعار العرب وتفسير القرآن. ونجد أن أهم الشعراء السودانيين المحدثين بدأوا في الخارج: جيلي عبدالرحمن، ومحمد الفيتوري، وتاج السر الحسن، ومحيي الدين فارس. كما أن أهم روائي سوداني، وهو (الطيب صالح) اشتهر خارج وطنه.
لم يحتل الفكر السوداني موقعا قائدا ورائدا في المجتمع، لأن المثقفين السودانيين افتقدوا الجرأة في مواجهة العقل الراكد والمستقر، فصاروا أسرى للفكر التقليدي والمحافظ بصور شتى. فهم خسروا معركتهم ضد الطائفية الدينية رغم الهجوم المبكر الذي أطلقه الخريجون. وقد رأى (أحمد خير) في الطائفية العقبة الكؤود في سبيل تقدم الوطن، ويقول عن علاقة الخريجين بالزعماء الدينيين: "أما أن يجتمع المثقفون ويحرقوا أنفسهم بخورا لرجل بينه وبينهم حجاب من تقاليد بلاط الملوك وبروتوكول الأرستقراطية أو كهنوت البابوية في العصور الوسطى فأمر دونه الاستعمار!!" (كفاح جيل، الخرطوم، 1991:106). وظن الخريجون أنهم كسبوا معركة الحداثة مع الطائفية والتي لم تدرك المستجدات: "... وإلا لاستطاعت القيادة أن تدرك أن المجتمع السوداني قد تخطى طور العبودية الدينية، والعبودية الإقطاعية، وقد نشأت في البلاد منذ جيل من الزمان طبقة متوسطة متحررة من هذين النفوذين (...) وأن أفراد هذه الطبقة قد حطموا قيود العبودية التي رزحوا فيها هو وآباؤهم ردحا من الزمن خاضعين لسلطان الصوفية أو لجبروت القبيلة". (ص 155).
كانت للـ (أشقاء) محاولات للخروج من عباءة الطائفية بعد أن تحالفوا معها لفترة أضعفت من قدراتهم الفكرية على المواجهة. فشن القياديان في الحزب (الوطني الاتحادي): يحيى الفضلى وعبدالماجد أبوحسبو، حملة على الطائفية، ويكتب الأخير: "كنت في ذلك الوقت قد أصدرت جريدة (النداء) لنواجه بها الحملة الضارية ضد الطائفية، وضد حكومة السيدين. وقد كانت جريدة (النداء) حدثا تاريخيا هاما، إذ على صفحاتها أعلنت الحرب على الطائفية بلا رحمة وهوادة، وكانت الطائفية حرما مقدسا حتى ذلك العهد، لا يجرؤ أحد على مسها من قريب أو بعيد". (مذكرات عبدالماجد أبو حسبو. الخرطوم، 1987:114). وذكر أن (يحيى الفضلي) نشر سلسلة مقالات تحت عنوان: "بيننا وبين علي" (يعني السيد علي) كشف عن دوره السلبي في الحزب والحكومة. ويقول: "وقد كان لتلك المقالات صدى بعيدا في أوساط الرأي العام وهزته من أركانه". ولكن يقال أن (يحيى) ذهب إلى (علي) في الضريح المطل على النيل في (الخرطوم بحري) معتذرا بقوله وهو يشير إلى النيل: يا مولانا البحر دا لو جاء كلب وولغ فيه بلسانه بسوى ليهو حاجة؟ وأجاب السيد بـ"لا"، ثم واصل (يحيي): "أنت البحر دا وأنا الكلب". فعفا عنه وعينه في وزارتي (المحجوب) مرة وزيرا للتربية والتعليم (1967-مايو 1968) والثانية وزيرا للمواصلات والسياحة، حتى انقلاب 1969. وهكذا أعطى (يحيي) (دينمو الشعب) مثالا لمبدئية غالبية الإنتلجنسيا السودانية والتي تغير مواقفها كما تغير أحذيتها.
ورث الإخوان المسلمون الإيديولوجيا الطائفية المُستغلة للدين، بعد أن ألبسوها أقنعة حديثة، ولكن جعلوها أكثر عنفا، وتخلفا مع إدعاءات التطور، بهدف توظيف أدوات حديثة في تأسيس نظام قديم. ولم يصطدم (الإخوان المسلمون) في السودان، مع الطائفة رغم أنهم مندرجون في طبقة وسطى ذات تعليم "عصري" ومدني ليس دينيا تقليديا. كما أن دعوتهم لتجديد الدين وربطه بالعصر، تستلزم نقد الولاءات الطائفية المتعارضة مع أصول الدين. وقام الإخوان في تحالف خفي أو معلن مع الطائفية بدور حائط صد يمنع أي رياح حداثة وتغيير. واشتركوا في تأميم الدين وتحوله لملكيتهم الإقصائية، رافعين أسلحة الابتزاز الديني من خلال تهم التكفير والإلحاد. وقد تسبب (الإخوان المسلمون) في إدخال البلاد في نفق مظلم حين نجحوا في جعل موضوع "تطبيق الشريعة" قضية محورية تشغل كل القوى السياسية، منذ فترة الحكم الذاتي. ففي يوم 11 ديسمبر 1955 أسست جماعة الإخوان المسلمين (الجبهة الإسلامية للدستور) وهي: "عبارة عن تجمع عريض عبرت به حركة الإخوان عن نفسها سياسيا وسط أجواء ما بعد الاستقلال، لمّا منّ الله على بلادنا بالحرية والاستقلال وخرجت جيوش الاستعباد والاستعمار وعاد الحق المسلوب إلى أهله، كان لزاما على العاملين لدعوة الله.. أن يوحدوا صفوفهم حتى يجئ الدستور مستندا إلى كتاب الله وسنة رسول الله (ص)". (حسن مكي، حركة الإخوان المسلمون في السودان. الخرطوم، بلا تاريخ، ص 73). فقد دعت جماعة الإخوان المسلمين وهيئة التبشير الإسلامي، التنظيمات الإسلامية لتدارس الأمر، وكان على رأس المدعوين: اتحادات الختمية وهيئات الأنصار. ويمكن أن نؤرخ للكوارث السودانية التي لاحقت الوطن حتى اليوم بهذه المناسبة. فقد تمكنت هذه الجبهة من صرف الفكر والجهود عن القضايا الحيوية للنهضة والتقدم، وشغلت النخب والجماهير بقضية ثانوية وانصرافية. ولم يعد النقاش حول التنمية ومحاربة الفقر والجهل والمرض - الشعار المرفوع أثناء صعود الحركة الوطنية - وساد الجدل العقيم حول تطبيق الدستور الإسلامي دون وجود تصور محدد، كما لم تقدم أي جهة مقترحا مفصلا لهذا الدستور. وتحول الشعار إلى عجل مقدس واجب العبادة، ولا يجرؤ الكثيرون على مخالفة هذا الحرم. وتوقف الفكر السوداني عند محطة الدين التقليدي، خاصة بعد أن أقر أغلب الخريجين بخسارة معركتهم مع الطائفية.
لا يعني هذا -بالتأكيد - أن الساحة كانت خالية من أي قوى حديثة تقاوم هذا المشروع الداعي للدولة الثيوقراطية. فقد تشكل تيار يساري تقدمي، كان رأس الرمح فيه: الحزب الشيوعي السوداني. ولكن اليسار لم يكن يملك أدوات معركة فكرية ضد اليمين والقوي التقليدية، في ميدان الدين. ولم تكن قضية الدين، رغم أهميتها في السودان، من أولوياته. وابتعد عن مناقشة العلمانية وفصل الدين عن الدولة، فكريا وفلسفيا. وقد اكتفى بالجدل السياسوي السطحي. والغريب في الأمر، أن اليسار مارس" العلمنة الاجتماعية" أي التحرر في السلوك ونمط الحياة، بينما قبع "التدين" في العقل الباطن والفكر. واختار الأفندية الوسطية والتوفيقية و"عدم استفزاز المشاعر لدى العامة". وهذه الوضعية تقابلها روح المبادرة، والالتزام، والثقة بالذات، لدى القوى التقليدية. فهي تعتمد على التدين الخام أو إيمان العجائز، وعلى هذه الرمزية والمرجعية الدينية. وقد ساعد اليمين في كسبه، أن الشيوعية السودانية، ظلت حركة سياسية أكثر منها فكرية. فقد غلبت عليها الفنون التنظيمية والبراعة في الانضباط بين الأعضاء مع عجز في العمل الجبهوي المستمر. وقد كان موقف الشيوعيين من الدين فيه كثير من المساومة أكثر من التاصيل والتنظير. وفي بعض الأحيان، نجد أحيانا بعض التملق. فقد راج القول بأن الحزب لم يعقد اجتماعاته إلا بعد صلاة العشاء، أو أن بين عضويته بعض كبار علماء الشريعة والفقه. وقد جاء اهتمامهم بالفكر الديني متأخرا، قد تكون بدايتهم مع كتاب (حسين مروة) عن النزعات المادية، ثم (محمود محمد طه).
وكثيرا أتساءل مع نفسي: لماذا يتحول المثقف السوداني، أو العربي، أو الأفريقي، العالمثالثي إلى الماركسية؟ هو في رأيّ، لا يبحث بالتأكيد عن الاشتراكية أو نقد الدين أو الصراع الطبقي، بل شاغله الحقيقي هو البحث عن أفضل وأقصر طريق للتحديث. وقد كان ضيقه من الديمقراطية، وعدم صبره عليها، هو رغبته في حرق المراحل. ولذلك، يلجأ للانقلابات والتي يسميها "الثورة"، كما أن الحزب الواحد يمنع الاختلاف وتشتت الجهود، حسب المتسرعين الثوريين. ولكنه يبحث عن حداثة بلا ديمقراطية وضيق بالآخر المختلف، فقد شهدت الصراعات بين "الحداثيين" أنفسهم، عنفا يفوق ما وجهوه لخصومهم. وفي جلسة مع (بلند الحيدري) خلال معرض الشارقة، تطرقنا لهذا الموضوع، فذكر لي ما قاله الشاعر (محمد مهدي الجواهري) في محاكمة القوميين العراقيين حين خففت السلطة الحكم، وبرأت محكمة الثورة بعض القوميين:
فضيّق الحبل واشدد من خناقهم فربما كان في إرخائه الخطر
كانت هذه التناقضات والنواقص الفكرية تميز التاريخ والواقع السودانيين، وفي نفس الوقت تموج في دواخلي وتمزقني بسبب انفتاحي الشديد على الآخر المختلف. بدأت رحلة البحث عن رؤية (Weltanschauung) للكون، والإنسان، والمجتمع. وفي الثامنة والعشرين كانت قد اكتملت قطيعتي المعرفية والحياتية تماما مع واقعي المحيط. ونضجت دورة الاغتراب داخل الوطن مع قرار ذاتي بتمتين الخروج على كل أشكال المؤسسة. وكانت الأولى وهي المؤسسة التعليمية، والتي نجحت في مواجهتها جيدا، وتمردت على سلطتها ب"حرفية" عالية طوال المراحل التعليمية. وبقيت مؤسسة العمل وتتضمن الدولة وجهازها (الحكومة)، والثانية مؤسسة الأسرة أو العائلة والزواج، والمؤسسة الدينية. وكانت سنة 1970 فاصلا برزخيا في حياتي، كاد أن يسقط كل مشروعي الوجودي. وتزاحمت أحداث عاصفة على حياتي: مر العام الرابع ولم يتم ابتعاثي للتحضير حسب لوائح المعهد الإدارية، وبدأت إرهاصات مؤامرة. وعلى الصعيد السياسي، تراجعت حركة العسكر التي غنينا لها: "ياحارسنا وفارسنا.. يابيتنا ومدارسنا" عن شعاراتها. وبدأت تأكل بنيها حين طردت الضباط الثلاثة المحسوبين على اليسار: بابكر النور، وفاروق حمدالله، وهاشم العطا. وزلزل الوضع المستجد، (الحزب الشيوعي) لينشق من رأسه حتى قاعدته. وعلى المستوى الشخصي تعرضت علاقتي مع (حياة) في مرحلة تبرعمها الأخضر لعاصفة أسرية لم تكن في خيالي الساذج في سياسات العائلة. خيارات ذلك العام المصيرية، وهي: الهجرة بلا عودة، التصوف وترك دنيا الملل والسأم، أو الخيار الحاسم: الانتحار. بالنسبة للأخير، قمت بمحاولة صغيرة جبانة وفاشلة طبعا بابتلاع كميات قليلة من الأسبرين أعلم أنها لن تقوم بمهمتها. وأسقطت هذا الخيار لأنه يحرمني الحياة التي لا أحبها ولكن أريد أن أعيشها حتى وإن لم تكن تستحق أن تعاش. منتهى التناقض المنطقي مع حالتي! ملتُ لخيار الهجرة، ودخلت في تمرين مقارعة المؤسسات المتبقية - أو حتى تحطيمها لو استطعت - لأنها تسحق فردية المرء أي إنسانيته المُميزة، وتُدرجه في عقل القطيع والتفكير الجمعي الطامس لوجوده الحق، فهي تدشين لعملية التدجين المستمر. ولكن هذه الفردية لا تعني بالضرورة الأنانية، بل هي تأكيد للذات بطريقة ليست خصما على وجود، لأن حريتك تنتهي عند حدود حرية الآخرين. وقول (سارتر): "الجحيم هم الآخرون"، جاء من محاكمتهم لك ومراقبة سلوكك مما يحرمك من التعبير عن نفسك. وعندما وصلت الخامسة والعشرين، صرت شديد الخوف من مصير تهدده المؤسستان:
وتجسدت مؤسسة الدولة في الوظيفة الحكومية وأدواتها البيروقراطية (ملف الخدمة) "الفايل"، وتاريخ العلاوات والترقيات أو التأديبات، تصور أن تعقد لك الحكومة مجلس تأديب وكأن أهلك قصروا في تربيتك! وصرت أعُجب - ليس عميقا - بالفوضويين أمثال (باكونين) و(برودون): الموقف ضد السلطة أو اللا- دولة كأفضل نظام حكم. أمّا مؤسسة الزواج، فخطورتها تكمن في طريقة تعامل كل طرف مع حريته، هل يقوم الطرفان، بشراكة يتنازل فيها - بعملية حسابية - كل طرف عن 50% من حريته، وبالتالي، على كل واحد أن يعيش بنصف حريته، فهل تكفي هذه النسبة لحياة سعيدة؟ وقد عبّر أحد أصدقائنا عن هذه العلاقة بلغة أخرى، وكان محبا للمال. فقد سُئل لماذا لم تتزوج حتى الآن؟ فيرد: "ما شايف في أي منطق أجيب زول يقاسمني في ماهيتي النص بالنص بدون أي مبرر!". وفي الزواج، هناك دائما صراع سلطة ينتهي بحرمان طرف للآخر، دون أن ينعم "المنتصر" بمزيد من الحرية، وهذه هي اللعبة الصفرية (zero-sum-game) بامتياز. وقد نسمع من يقول: "فلان مرتو حاكماهو"، أو: "فلان رافع الراية" أي رمز الاستسلام والإقرار بالهزيمة. وقد نسمع: "حاميها تمرق براها"، وقد يطبق القول القديم: "كانت المرأة تخرج ثلاث مرات فحسب: من بطن أمها إلى بيت أبيها، من بيت أبيها إلى بيت زوجها، من بيت زوجها إلى قبرها!" طبعا، الآن صار الخروج عاديا. ولكنه مضر بالزوج، لأنه غالبا ما يكون التسوق غير المنضبط والمظهري، وليس لحضور أوبرا (بحيرة البجع) مثلا. وكثيرا ما يكون الخروج للاستعراض في المناسبات الاجتماعية: الأفراح والمآتم. وفي زمن دولة التدين صرنا نسمع عن حنة (حناء) بيت البكاء أو تياب العزاء. وفي المجتمع الاستهلاكي والديني معا تم تشيؤ المرأة بآليات تختلف عن الغرب مع نتيجة واحدة.
كنت قد أبحرت بعيدا في الوجودية، وزودتها بقدر من الصوفية المعلمنة أي غير الرافضة للحياة، ود مع الحياة، ولكن بلا إغراء دنيوي. وكنت ومازلت أعيش فلسفة حياة بسيطة، بذرتها الأولى مع مبدأ الحرية، وخلطة من وصايا القرآن الكريم، وأقوال (عمر الخيام) و(المتنبي). فقد التزمت بالأمر أو النصيحة القرآنية: "لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور". (سورة الحديد:23). أما حكمة (عمر الخيام) فقد وجدتها في ترجمة، تقول في بساطة:
ما مضى فات والمؤمل غيب
ولك الساعة التي أنت فيها
أمّا فيلسوف الشعر، ومقارع الدنيا، والعارف بالناس بكل أنواعهم (المتنبي)، فقد أمسكت بنصيحته جيدا، والتي يقول فيها:
ولا تلق دهرك إلا غير مكترث مادام يصحب فيه روحك البدن
فما يدوم سرور ما سررت به ولايرد عليك الفائت الحزن
كل هذا زودني بواقعية قادرة على استقبال كل ما تأتي به الدنيا: خيرا أو شرا، وأزهدني في الكثير من المتع الزائلة والزائفة، ولكن دفعني للبحث عن متع الحياة الحقيقية، والتي قد تبدو خالدة. وأظن أن (تولستوي) اختصر تعريف السعادة بأنها: "كثير من الكتب وقليل من الأصدقاء". وشرعت في تشييد دنياي الخاصة، مرددا: "خذوا دنياكم هذي فدنيا وانتا كثر". - وبالمناسبة للعقاد قصيدتان فقط، هما: شذى زهر، ليلة الوداع أو أبعدا نرجي.. وكل الباقي نظم وليس شعرا - وقد شيدت دنياي على قيمة مطلقة اسمها: الحرية وقيدها الوحيد داخلها، وهو: المسؤولية، وقد تكون هي سبب الحديث عن: رعب الحرية. وهي تفسر أيضا، دعوة (نيتشه): عش في خطر!
ويقترب من ذلك قول (أبوالقاسم الشابي):
ومن يتهيب صعود الجبال يعيش أبد الدهر بين الحفر
الندم أشد ما يخشاه الوجودي الصادق، فهو صاحب قراره وواعي بما يفعل ويتحمل مسؤوليته.
لقد اجتذبتني في تلك الفترة كتابات المحلل النفسي الألماني-الأمريكي (إريك فروم) (Erich Fromm) (1900-1980) وهو من مدرسة (فرانكفورت)، خاصة كتاب (To Have or To Be) والذي تُرجم تحت عنوان: (الإنسان بين الجوهر والمظهر)، وله (الهروب من الحرية) و(فن الحب) و(مفهوم الإنسان عند ماركس) و(ثورة الأمل) و(قلب الإنسان). وهو من الشخصيات التي كان لها أثر كبير وقيمة عليا، في تكويني وتأديبي وتثقيفي. فقد وجهني لما يمكن أن يكون سعادة حقيقية في الحياة، فهو رغم فرويديته وماركسيته، يستشهد ببوذا والمسيح وغيرهم، ليثبت أن شرط القوة والثراء الروحيين هو ألا يملك الإنسان شيئا. ويفرق بين الكينونة (being) والتملك، باعتبار الأولى: "أن يكون الإنسان نشيطا إيجابيا فاعلا... لا بمعنى النشاط الظاهري، أي الانشغال، وإنما المقصود هو النشاط الداخلي بمعنى الاستخدام المثمر للطاقة الإنسانية". والتزاما بما أقنعني به، قررت أن أخفف نفسي من مقتنيات الحياة وملذاتها التي قد تجعل حركة حريتي ثقيلة ومقيدة. وقررت عدم الامتلاك والتوفير، ورغم أن والدي أصدر لي "دفتر بوسطة" خاص بوضع مبلغ محدد كل شهر، ولكن ظل خاويا ومازلت محتفظا به، دليلا على عقوق تجاه الأب الأصل مقابل إرضاء آباء آخرين. ولم امتلك دولابا للملابس لأنه ليست لديّ ملابس بهذا العدد. هذا وقد لبست الفنلة الداخلية لأول مرة في ألمانيا عام 1971م وكذلك الشُرابات، أما الكرافتة فتبدو لي حتى اليوم، مثل حبل مشنقة صغير. أما الحذاء فكان "مركوبا" خفيفا اشتريه من الدكاكين الواقعة مباشرة جنوب الجامع الكبير، في نفس صف مكتبة النهضة لصاحبها (أبوالريش). وفي ميدان الأمم المتحدة المواجه، أترك القديم وألبس الجديد، وهذا من الطقوس التي تتكرر كل أول شهر. وكانت حلاقة الشعر طقسا أو عادة فصلية أو موسمية، مرة في الصيف، وأخرى في الشتاء، وقد أدمج الفصلين أحيانا. أمّا لذائذ الطعام والولائم، فالفول (وأقول أنه والكمبيوتر أعظم اختراعين للبشرية) بالإضافة للرٍجلة، والعشاء طوال 35 عاما هو زبادي بعسل نحل. والمكيف الروحي الوحيد هو الشاي مزينا بالنعناع أو (الميرمية)، التي تعلمتها من أصدقائي الفلسطينين في فرانكفورت.
رغم أنني من أوائل المغتربين وعملت في أحسن الجامعات في المرتبات والامتيازات، إلا أنني جاهدتُ من أجل عدم الوقوع في "دين وعبادة" البورجوازية الصغيرة المغتربة: (البيت متعدد الطوابق، السيارة من الكريسيدا والكورونا إلى المرسيدس والـ (BMW) وتعليم الأولاد وتزويجهم و..الخ). وقد كان حديث الزملاء الأكاديميين في الغربة، لا يخرج عن مقالب المقاولين، وأسعار الأسمنت والحديد، فتجنبت مجالسهم. بالتأكيد أنا نفسي اغتربت لتحسين وضعي المالي، ولكن للمال عندي وظيفة أخرى اقتبستها من القاص (سومرست موم): "المال هو الحاسة السادسة التي تستطيع بواسطتها أن تستمتع بحواسك الأخرى"، أتعامل مع المال ولكن حين تريد أن تمتلكه هو الذي يمتلكك. وحين تتعرض حريتك للتراجع، أسارع بالهروب، لذلك غادرت طرابلس والرياض تاركا مستحقاتي و"ممتلكاتي"، وقد أرسل لي (عبدالمجيد عبوش) كتبي من ليبيا، كذلك فعل الصديق (عبدالقادر عبدالغفار) من السعودية. وفي (الإمارات) -الناس المؤدبين أكثر- لذلك استقلت رسميا.
لا أدري مستوى تديني، ولكنني كونت قانون (code) ذاتي صارم، للمحاسبة الأخلاقية والسلوك القويم يقوم على حب الناس واحترامهم باعتبار أن الأعلى من قدر الإنسان هو الإنسان. رغم أن الطريقة بدائية وسهلة: عندما أعود نهاية اليوم إلى السرير في الحوش، وانظر مباشرة للسماء، متسائلا: "هل قمت خلال هذا اليوم بما يخجل أو يؤذي أو هل تخاذلت في موقف يستحق مؤازرتك؟". وربيت في داخلي قيمة الالتزام ومسؤولية ثابتة لا تتزحزح، وهي ذات ارتباط وثيق بالصدق والجدية معا. وصارت لا تحتاج لرقيب من أي نوع غير الضمير الخاص والاقتناع.
كان عليّ أن أواجه مشكلة الخصوصية والفردية في مجتمع أبوي وجمعي لا يعترف بحدود ذاتك - الموت مع الجماعة عرس - جربت المقايضة الاجتماعية: ألّا أتدخل في شؤون أي شخص مهما كان قريبا مني، مقابل عدم التدخل في شؤوني. ولكن خسرت الرهان في الاتجاهين. ودائما ما أتذكر سؤال المحكمة لــ (عبدالخالق محجوب) 22 يوليو 1971: هل تشرب الخمر؟ ورده الساخر: "ما تيسر". هذا سؤال شخصي جدا لرجل متهم بقلب نظام الحكم وينتظره حكم بالاعدام وقد حدث. شهيد حقيقي لأنه ينظر للموت في عينيه ويسخر حتى اللحظة الأخيرة من جلاديه.
كانت هذه مفردات تكويني الفكري والحياتي، ومحاولات البحث عن رؤية. ولقد استطعت لحد كبير أن أكون متسقا مع ذاتي، وقد كان الثمن عاليا ومُكلفا، ولكن التجربة تستاهل التضحيات لأجد نفسي وأهمل العالم الذي لم أكن أريد أن أخسره، إلا إذا أجبرني هو على ذلك. ثم كانت مرحلة اكتمال مغامرة الحياة الكبرى والتي أسميها الميلاد الثاني. فأنا أؤرخ لوجودي وسيرتي: الميلاد الأول 11 مايو 1943، والميلاد الثاني منتصف يوليو 1971 بفرانكفورت.
ليصلك جديد الموقع
نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.