حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية
أزمنة الريح والقلق والحرية

الفصل العاشر: مقامات الوطن المضيّع

المحتويات

نعمل - نحن أسرة حيدر ابراهيم - على إتاحة كتبه جميعها مجاناً للمنفعة العامة ومواصلة مشروعه التنويري. تبقى جميع الحقوق محفوظة ويمنع طبع أو نشر الكتب الا بموافقة مكتوبة.

كنت دائما أقول، عندما يشرع زميل الماني في كتابة تاريخ بلاده، سيتوقف -بلا شك- عند عصر التنوير متفاخرا بما قدمته بلاده للبشرية في الحداثة، والتقدم في الفلسفة والعلوم والموسيقي، ولكنني، حين أكتب تاريخ بلادي يستوقفني ذلك الظلام الذي ران على بلادي قرونا وما زال. ويقول الشاعر (محمد الفيتوري) منشدا شعور العجز والتيه:

"ما بيدي أن أرفعك.. ولا بها أن أضعك.. أنت أليم.. وأنا أحمل آلامي معك.. وجائع.. ومهجتي جوعها من جوعك.. وأنت عار.. وأنا.. ها أنذا عار معك.. يا شعبي التائه.. ما أضيعني وأضيعك.. ما أضيع الثدي الذي أرضعني.. وأرضعك.. يا ليته جرعني سمومه.. وجرعك".

أمّا (أدونيس) فيقول عن بيروت المنقسمة على نفسها: "أن الخوف مهما كان ذكيا ومدمجا. لا يستطيع أن يصنع أكثر من ملجأ. هكذا صار الوطن في مستوى الملجأ. إن وطنا في مستوى الملجأ، ليس إلا أسما آخر للقبر".

ويكتب (ماركيث) في (حكاية عجيبة): "نحن قارة خلقت من نفايات العالم أجمع بلا لحظة حب. أبناء الاختطاف والتعذيب، والخداع، قارة الأعداء ضد الأعداء. تعني كلمة هجين مزج الدموع بالدم المهراق، ماذا يمكن أن ينتظر من مثل هذا الشراب الحنظل؟".

كانت صورة الوطن تبدو لي مشرقة ومفعمة بالوعود والبروق حاملة المطر والخصب الذي سيحيي هذه الأرض اليباب التي خاصمتها الطبيعة وأهلها من البشر. وكأنني أشارك (دستويفسكي) قوله عن روسيا: «إنّها وطنٌ شاغِر». ويبدو السودان وكأنه شىء أقرب إلى الوهم أو المتخيل أو اليوتوبيا أو هرم من الكلمات أو قصيدة حماسة أو إعجاب بالذات (من غيرنا..) أو عاطفة طفولية حزينة. ولكن يمكن القول بلا كبير مبالغة، أن السودان الذي في خاطرنا لم يوجد أبدا وأخشى الا يوجد في المستقبل. فنحن لا نعثر على السودان الذي يمثل حضارة واحدة شاملة وجامعة في التاريخ، ولا على دولة سودانية مركزية قوية قابضة على قلبه وأطرافه. وكذلك افتقد القومية المهيمنة، عدا متراكمات قبلية يطلق عليها خصومهم السياسيون بلا دقة مفاهيمية أو نظرية صفة المركز المسيطر أو المهمش! وقد مر السودان بالتجارب التاريخية والاجتماعية والاقتصادية التي ساعدت في تحويل كثير من الكيانات والتجمعات البشرية إلى تكوينات وتنظيمات أرقى سياسيا واجتماعيا. ولكن السودان ظل بسبب عوامل ذاتية وموضوعية، راكدا أو مقاوما للتغيير، أو على الأقل بطيء الاستجابة. وقد نرجع ذلك إلى عدم الوحدة في الحضارة والدولة والقومية. ولكن يظل السؤال قائما من وجه آخر: ولماذا لم يتوحد أصلا لكي ينجز الاستحقاقات الأخرى؟ ومن الملاحظ أن مثل هذه الأسئلة لم تشغل بال المؤرخين ثم السياسيين والاجتماعيين. فقد غلب التاريخ السردي للأحداث على تاريخ التحليل والتاريخ السياسي على التاريخ الاجتماعي. وقد يكون هذا من أسباب عدم تعلم السودانيين من التاريخ، والذي ظل يعيد نفسه حتى بلغ بنا شكل المأساة التي نعيشها الآن.

كل شعب من الشعوب تكون له قضية محورية أو مركزية تشغل الجميع، المؤيدين والمعارضين لها، سمها قضية قومية، أو قضية وجود، أو استراتيجية، أو ثوابت أمة. ومثل هذه القضية هي التي تمثل الدافع والمسبب والموجه لكل حركة الجماعة وتفاعلاتها وصراعاتها. وقد تكون: روح الأمة (ethos). وفي السودان كانت القضية هي: الهوية الثقافية أو الذاتية، وأحيانا الهوية الوطنية أو القومية. وهذا اختلاف شكلي، لأن المهم هو أن الجميع يطرح سؤال: (من نحن؟) هل نحن عرب أم أفارقة أم مستعربون أفارقة؟ ومن الوضح أن السودانيين وقعوا منذ البداية في فخ سؤال بلا إجابة ومفتوح لكل الاحتمالات والتفسيرات، ثم بعد ذلك الاختلافات والصراعات. فالهوية مفهوم شديد التجريد، وجوهراني، وثابت، وأقرب إلى الميتافيزيقيا حين يستخدم في وصف الجماعات والنظم وحتى الثقافة. ورغم ذلك ربط السودانيون مهمة بناء الدولة الوطنية، وتحقيق الوحدة الوطنية والتنمية، بتحديد هويتهم. ودخلوا في مناقشات تضاهي الجدل البيزنطي، أعاقتهم في عملية رسم السياسات. إذ لم يكن من الممكن اتخاذ قرار لا يستهدي بمكونات الهوية. وهذا يفسر لماذا اهتم السياسيون السودانيون أكثر بمتطلبات وضع دستور دائم للبلاد، قائم على ثوابت الأمة وهويتها؟ وفي نفس الوقت أهمل وضع الخطط للتنمية ثم العمل على تنفيذها.

ويصف الشاعر (عبدالله البنا) في قصيدة ألقاها عام 1921 السودان والسودانيين، وما زالت سارية وتنطبق على الأحوال الراهنة، بقوله:

" والناس في القطر أشياء ملفقة فإن تكشف فعن ضعف وتوهين
فمن غني فقير في مروءته ومن قوي بضعف النفس مرهون
ومن طليق حبيس الرأي منقبض فأعجب لمنطلق في الأرض مسجون !
وآخر هو طوع البطن يبرز في زي الملوك وأخلاق البرازين !
وهيكل تبعته الناس عن سرف كالسامري بلا عقل ولا دين !
يحتال بالدين للدنيا ليجمعها سحتا، وتورده في قاع سجين ! "

يكاد السودان أن يكون بلد التناقضات والمفارقات القاتلة، فالبلد الذي رُشح لكي يكون سلة غذاء للعالم، تضربه المجاعات المتتالية. والقطر الذي يشقه واحد من أعظم أنهر العالم، بالإضافة لكثير من الأنهر الصغيرة والامطار الاستوائية في بعض مناطقه، تموت جماعات كبيرة في غربه عطشا. والقطر المبادر في التعددية السياسية والنظام البرلماني المبكر، وقد توقع الكثيرون أن يكون نموذجا للديمقراطية في أفريقيا والعالم العربي، يأبى إلا أن يكون موطنا لدائرة شريرة من الانقلابات العسكرية المتتالية وأن يرزح أكثر من اثنين وأربعين عاما منذ الاستقلال عام 1956 تحت حكومات شمولية.

وكان المؤرخ الشهير (أرنولد توينبي)، قد أصدر في منتصف الستينيات من القرن الماضي كتابا عنوانه: (من النيل إلى النيجر). وفي هذا الكتاب تنبأ أو تمنى الكاتب، أن يكون السودان ونيجيريا، حديثا الاستقلال؛ جسرا بين الثقافات الأفريقية المختلفة، وبين الإسلام والمسيحية والأديان الإحيائية الأخرى في أفريقيا. فهناك تضاريس طبيعية وليست حضارية أو ثقافية، تبناها الاستعمار القديم ليسمى أفريقيا جنوب الصحراء وشمال الصحراء، لكي يجد الأفريقيون، الشماليون والجنوبيون، أنفسهم قبالة بعضهم البعض. ويقول: "ربما غدا وجود أفريقيتين مشكلة خطيرة ما لم تجر معالجة القضية بحكمة زائدة وبعد نظر صائب، وبخاصة بنيجيريا والسودان، اللتين تعانيان آثار وجود ذلك الحجاب الحاجز في القارة الأفريقية". ويرى أنهما يمكن أن يخترقا الخط الوهمي بين أفريقيا شمال الصحراء وجنوبها. وهو المفهوم الذي صكه الاستعمار لتقسيم القارة السمراء. ولكن جاء تاريخ تطور البلدين عكس ذلك تماما. فقد تعرض البلدان لحروب أهلية، وتفاقمت النزاعات الإثنية المسلحة. وعجزت الدولة الجديدة عن توحيد عناصر ومكونات الأمة. السؤال هو: (أين الخلل؟) كيف مارس البلدان سياسات الهوية؟ وكيف تحول سؤال الهوية إلى أزمة؟ وهل يمكن للبلدين أن يقدما - بعد كل هذا - نموذجا للوحدة والتنوع؟

ظل السودان بلد الفرص الضائعة، وضاقت إمكانيات خروجه من النفق المظلم الذي ولجه بسبق الإصرار. وتعددت مرات الرسوب في اختبارات التاريخ، حتى صار اسمها الابتلاءات في زمن آخر مدقع. ويواصل السودانيون لامبالاتهم على كل المستويات - وللمفارقة - كان عقلاؤهم وصفوتهم، هم الأكثر استهتارا وعدم جدية. فأضاعوا البوصلة تماما، وتركوا منطق الريح والطير هو الذي يسيّر سفينتهم، ولكن نحو المجهول. وصحيح أن السمكة تفسد من رأسها، فقد باتت الناس لا سُراة لها في كل الحقب والنظم الحاكمة: المدنية والعسكرية. وصار السودان يساري النجم في الظُلم.

ويسمى علماء الاجتماع نموذج المسيرة السودانية هذه: "التقدم في خط التطور المعكوس". ففي هذه الحالة، ينكفئ خط التطور على ذاته مدمرا مقدماته عينها ومحولا غاياتها إلى عكس أهدافها، فقد كانت غايات الاستقلال، وكل أشكال النضال الوطني تهدف بعد خلاص البلاد من الاستعمار، أن نتجاوز كل آثاره من تخلف وتبعية - كما كان يردد الوطنيون - ولكن الآن وبعد أكثر من 59 عاما، وقع الوطن في أتون تخلف يفوق ما فعله الاستعمار الأجنبي الدخيل خلال ستين عاما.

واجه المتعلمون السودانيون وهم النخبة أو الصفوة أو السُراة، تحديات عظيمة أكبر كثيرا من قدراتهم الفكرية، وثقافتهم الحياتية، وطاقاتهم على التنظيم والقيادة. وفي نفس الوقت، تميز التاريخ السوداني بخاصيتين خطيرتين تحتاجان لاستجابة واعية وقدرة مساوية لها، الأولى: تتسم المجتمعات والجماعات السودانية بقدرة دينامية أي سريعة ونشطة على الانقسامية، والانشطارية، والتفتت، وظفها الاستعمار ومن بعده القوى التقليدية لتكريس الأمر الواقع من خلال تشجيع نسقين اجتماعيين هما الطائفية أو الطرائقية الدينية، بالإضافة للقبلية والعشائرية. والثانية للمفارقة، ركود وثبات نسبي أقرب للاستاتيكية (static) مع ميل واضح لمقاومة التغيير مهما كانت سرعته، بسبب ادعاءات الخصوصية أو التمسك بالعادات والتقاليد. وقد شعر المتعلمون برغبة ضرورية في التغيير، ولكنهم اكتفوا بسلاح النوايا الطيبة فقط، ويقال أن الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الطيبة. فقد كان الواقع مثقلا بمسؤوليات عظام لمن يريد جديا التغيير. ويرى البعض أننا نظلم ذلك الرعيل الأول، حين نحاكمهم بمعايير عصرنا. هذا ادعاء خاطئ ومتواطئ، فنحن نراعي نسبية الظروف والتاريخ، ونحاكمهم بمعيار مسؤولية المتعلم أو المثقف المطلقة، خاصة في مجتمع متخلف، فقير، وجاهل، ومريض، أو ثلاثية الفقر والجهل والمرض والتي رفع المتعلمون شعار محاربتها.

فقد حقق السودان استقلاله وهو مثقل بتاريخ الصراعات القبلية، وبانشطارات قبلية وعشائرية وانقسامات ثانوية إلى فروع وبيوت ثم قام على الانقسام البناء الحزبي. ويرى البعض أن ظروف السودان لم تكن قد نضجت بعد لتحمل مسؤوليات الاستقلال واستحقاقاته. وقد تم التعبير عن هذا الموقف بطرق مختلفة ومن جهات متنوعة. فقد أسس الشيخ (أزرق) من أم درمان، حزب (تقدم السودان) وطالب في مواده بعدم جلاء البريطانيين من البلاد. ويمكن أن يتم ذلك بعد 25 عاما يتمكن خلالها المواطنون من سودنة الوظائف التي كان يشغلها أجانب. كما ألف الصحافي البريطاني (انتوني مان) (Anthony Mann) والذي غطي الانتخابات الأولى عام 1954 كتابا ساخرا بعنوان (Where God Laughed). وكانت كثير من قيادات الإدارة الأهلية غير متقبلة لجلاء المستعمرين وهناك الكثير من القصص المضحكة ولكنه ضحك كالبكاء، أن يكون هناك من يتخوف من استقلال بلاده ويتشكك في حكم أبناء الوطن، ويتخوف منهم. ويروى عن العمدة (جفون) عمدة الشانخاب (كوستي) إنه طلب على كبر وهو في فراش الموت استدعاء آخر مفتش إنجليزي لمركز كوستي ليودعه فقال: "نادو لي مستر... فلان"، فقالوا له الإنجليز مرقوا (غادروا) من السودان وفاتوا يا عمده قال لهم: "مرقوا؟ الغَلَّتْ عليهم منو - من الذي أساء إليهم - ؟! ويحكى أن الناظر (إبراهيم موسى مادبو) سافر إلى لندن مستشفياً وذلك بعد الاستقلال. وزاره في المستشفى صديقه آخر مفتش لـ (دار الرزيقات)، وسأله: كيف هو السودان الآن بعد أن تركناه؟ أجابه مادبو: "مشيتو خليتونا زي اللوري لا نور ولا بوري!".

ونستطيع القول أن السودانيين لم يهتموا بعد الاستقلال ببناء دولتهم الوطنية، والتي كان لابد أن تكون دولة وطنية، ديمقراطية، تعددية الثقافات، وعلمانية أو مدنية. بل على العكس، خضع السودان لعملية طويلة ومركبة لتوظيف الدين سياسيا، ابتدرته القوى الطائفية التقليدية وأكملته قوى جديدة محافظة: (الإخوان المسلمون) بمسمياتهم السودانية المختلفة. ومع زج الدين في السياسة، وجعله أساسا ممكنا لأي دولة سودانية قادمة، إنطلق التيه السياسي والفكري من عقاله. وكانت هذه مقدمة لتهميش كل العناصر غير المسلمة، واعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية. وضمن هذا التوجه وأد لفكرة قيام الدولة الوطنية المُوحِدة للبلاد. ومن هنا أسس حكم الإسلامويين - بقصد أو لا وعي - للتفكك الحتمي للدولة السودانية قبل أن يكتمل بناؤها الذي تعطل منذ الاستقلال. رغم أننا خرجنا للتو من آثار تمرد الفرقة الاستوائية في الجنوب في أغسطس 1955.

أضاع السودانيون أكثر من فرصة لايقاف حركة التدهور السريع نحو التفكك والانشطار من خلال العمل الجاد لبناء الدولة الوطنية. فقد كان يمكن لإعلان الاستقلال بكل ما مثله من التفاف قومي، أن يتخذ كمناسبة للاتفاق حول ميثاق ملزم يمثل الحد الأدنى لشروط دولة سودانية ديمقراطية وتعددية وعلمانية. ولكن ما حدث كان عكس ذلك تماما، حيث طغت الخلافات والشقاقات على المسرح السياسي. فقد أسقطت الحكومة الوطنية الأولى من خلال صوت ثقة وهي لم تكمل عامها الأول. كما كانت انتقالات النواب الحزبية غير المبدئية وعملية شراء الأصوات؛ من أبرز سمات فترة الديمقراطية الأولى. وهكذا استهل السودانيون عهد استقلالهم الوطني بالخلافات والانقسامات والعنف أيضا. فكانت حوادث عنبر جودة وحوادث أول مارس 1954 التي حاول فيها حزب (الأمة) استعراض قوته أمام الرئيس المصري (محمد نجيب). ويبدو أن الحزب لم يكن راضيا عن قوانين اللعبة الديمقراطية والتي أبعدته عن السلطة. وكان يتوقعها أن تكون امتدادا للحكم الوطني الذي إقامته المهدية (1885-1898). ولذلك لم يكن غريبا أن يسلم الحزب بزعامة (عبدالله خليل) رئيس الوزراء، العسكر السلطة في صبيحة 17 نوفمبر 1958. في يوم افتتاح دورة البرلمان والذي أظهرت التكهنات أنه كان سيسحب الثقة من حكومة حزب الأمة. وأن المعارضة ضمنت الأصوات اللازمة لإسقاط الحكومة.

هذا يعني أن الشعب السوداني لم يهنأ بالديمقراطية غير عامين بعد الاستقلال ليرزح تحت حكم العسكر لست سنين عجاف، ثم كانت ثورة 21 أكتوبر 1964، حركة شعبية قومية بمعنى مشاركة جميع السودانيين في انتصارها ولكن هناك اختلاف في درجة المبادرة والتضحيات بين فئات المجتمع السوداني المختلفة. فقد لحقت أغلب القوى التقليدية بالثورة وكانت مترددة في البداية بحكم تكوينها ورؤيتها. ونجح أساتذة الجامعة في تحويل حادث اغتيال الشرطة لطالب داخل الحرم الجامعي، إلى شرارة لثورة شعبية ظافرة. فهم القيادة الجسورة الحقيقية للثورة، خاصة حين تقدموا باستقالاتهم الجماعية بعد تشييع جثمان (القرشي) في 23 أكتوبر 1964. واعتبروها "استقالة غير مشروطة، ولا موقوتة إلا بزوال هذا الوضع المظلم، وقيام نظام دستوري يعرف للجامعة استقلالها ويقدر أهلها حق قدرهم". وفي اليوم التالي 24 أكتوبر اجتمع قضاة المحكمة العليا ومعهم قضاة مديرية الخرطوم والمحامون، وقرروا رفع مذكرة مطالبين فيها بإجراء تحقيق سريع تحت إشراف الهيئة القضائية بالنسبة للأحداث الأخيرة وإطلاق الحريات العامة، وعودة الجيش إلى ثكناته وإقامة حكم ديمقراطي في البلاد". وقد إنضم إلى الاجتماع لاحقا أساتذة جامعة الخرطوم والأطباء وأساتذة المعهد الفني والمهندسون، واتحاد طلاب جامعة الخرطوم وجامعة القاهرة فرع الخرطوم. وحمل المذكرة مندوبون من الاجتماع للحكومة والتي رفضت استلامها. فعاد المندوبون إلى دار القضائية حيث احتشد المجتمعون، وقرروا الإضراب السياسي والتوقف عن العمل حتى سقوط الحكم العسكري واستعادة الديمقراطية. وفي البداية نفذ جميع موظفي الخدمة المدنية الإضراب ثم لحق بهم العمال والمزارعون، ليعم الإضراب كل أنحاء السودان. وانحاز الضباط الوطنيون لجانب الشعب، مما أجبر الفريق (إبراهيم عبود) على إصدار قرار في مساء يوم 26 أكتوبر بحل المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الوزراء وتكوين حكومة انتقالية يجيزها المجلس المركزي الذي دعي للانعقاد في 3 نوفمبر 1964. ولكن الجماهير اعتبرت القرار ناقصا، وطالبت بحل المجلس المركزي نفسه وتكوين حكومة ديمقراطية من القوى التي قامت بالإضراب السياسي.

وكانت ثورة أكتوبر الفرصة الثانية بعد الاستقلال للنهضة الوطنية. فقد توحد السودانيون مرة أخرى حتى أسقطوا النظام العسكري، بالإضراب السياسي. ولكن الوفاق لم يستمر طويلا، وعاد السودانيون للصراع بعد أربعة شهور فقط، فأسقطت حكومة الثورة الأولى في فبراير 1965. وشهدت البلاد استقطابا حادا بين القوى الحديثة والقوي التقليدية. وضمت الفئة الأولى اليساريين، والشيوعيين، والقوميين، والناصريين، والنقابات والاتحادات المهنية. بينما تكتلت الأحزاب الطائفية، والأخوان المسلمين، والإدارة الأهلية، وبعض القيادات الجنوبية؛ في معسكر مناوئ للقوى الحديثة وجاءت انتخابات عام 1965 بمفاجأة أزعجت قوى اليمين التقليدية، حين اكتسح الحزب الشيوعي وحلفاؤه دوائر الخريجين الـ 15 حيث فازوا بـ 11 مقعدا. وكان هذا مؤشرا لابتعاد العناصر الحديثة المتعلمة عن تلك الأحزاب التقليدية، وفكرت في وقف هذا المد مبكرا قبل أن يستفحل، فكانت الأزمة الدستورية الناجمة من حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان. وكانت هذه القضية اختبارا حقيقيا لملاءمة الديمقراطية الليبرالية لظروف السودان وتطوره. فقد طرحت تحديات فكرية وسياسية هامة، مثل قبول الآخر المختلف، واحترام الحقوق الأساسية كحرية المعتقد، والتعبير، والتنظيم. كما أبرزت تناقضات دستورية وقانونية تتعلق بمبادئ فصل السلطات: التنفيذية والتشريعية والقضائية.

ومن أهم وأخطر تطورات الإسلام السوداني المتميز بغلبة الطابع الصوفي المتسامح، تسرب التعصب والعنف الذي يميز الإسلام السياسي ممثلا في الإخوان المسلمين، إلى الحياة السياسية السودانية. ويعود ذلك إلى صراع جماعات الإسلام السياسي المحموم حول السلطة السياسية، واستخدام كل الأساليب للوصول اليها سلميا أو الاستيلاء عليها بالقوة. وعرف السودان حديث الاستقلال، الانقسامية والتشرذم والانشقاق، خلافا للوحدة الوطنية التي عرفها خلال مقاومة الاستعمار. ومن مظاهر التعصب التي فاقمت الصراع، قرار حل الحزب الشيوعي السوداني، وطرد نوابه الإحدى عشر من البرلمان عام 1965. بعد أن هندس الإخوان المسلمون حادثة طالب معهد المعلمين تحت دعوى الإساءة لنساء النبي. ورغم عدم دستورية القرار وعدم منطقيته ديمقراطيا. لأن نوابا يطردون من البرلمان، نوابا مثلهم لم ينتخبوهم لكي يسحبوا الثقة منهم. وتربص الحزب الشيوعي بالبرلمان والأحزاب، حتى أطاح بالجميع في انقلاب 25 مايو/آيار 1969. ومن ناحية أخرى، كان الإخوان المسلمون خلف ملاحقة الأستاذ محمود محمد طه بتهمة الرّدة منذ عام 1968. ومنذ ذلك الوقت، بدأت الحملة من محاكم تفتيش نصبها بعض أساتذة الجامعة الإسلامية ورجال الانتهاء، حتى اكتملت بإقناع الرئيس جعفر النميري بإعدام الأستاذ محمود في 18 كانون الثاني/يناير 1985. ويعد الحدثان: حل الحزب الشيوعي السوداني وإعدام الأستاذ محمود محمد طه، من أخطر حلقات التآمر على الديمقراطية والوحدة الوطنية في السودان. وللمفارقة تعتبر الحركة الإسلاموية السودانية، هذين الحدثين أهم إنجازين في تاريخ الحركة. باعتبار أن الأول أزال أكبر عقبة سياسية وشعبية في طريق مشروع الدستور الإسلامي. أما الثاني، فقد خلصهم من العقبة الفكرية، فقد كان الأستاذ محمود ناقدا عميقا وقادرا على فضح المشروع من داخل الفكر الإسلامي نفسه. وفي نفس الوقت استمرت الحرب الأهلية في الجنوب. ولكن مظاهر فشل التجربة الديمقراطية الثانية، تجلى في انشقاق حزب الأمة: جناحي (الصادق) و(الهادي). ووصلت البلاد لطريق مسدود، فصار الجو مهيئا للمغامرين. فاختتمت الفترة بانقلاب (جعفر النميري) في 25 مايو 1969.

كان من الطبيعي أن يكون الشيوعيون واليساريون جزءا أصيلا من هذا النظام، إن لم يكونوا قد شاركوا في هندسة الانقلاب نفسه. ولكنهم أظهروا موقفا غامضا ومترددا تسبب في ارتباكات النظام وضعفه وشعوره المستمر بفقدان الشرعية الشعبية. وقام الشيوعيون أو بعض ضباطه المنظمين، بعملية انتحارية تمثلت في انقلاب 19 يوليو 1971 ضد نظام النميري، واستولوا على السلطة لثلاثة أيام. ثم عاد (النميري) ليرتكب أكبر مجزرة للشيوعيين تذكر بما فعله الجنرال (سوهارتو) في إندونسيا عام 1965. وقد قدم الاثنان أكبر خدمة للمعسكر الرأسمالي في فترة الحرب الباردة، وذلك بالقضاء على أكبر حزبين شيوعيين خارج المعسكر السوفيتي وأوربا. وقد حاول النظام اكتساب ما يسميه (كارل دويتش) شرعية الإنجاز أي القيام بخطط تنموية تكسبه قبول الجماهير. فأعلن خططا طموحة للتنمية ولكن الفساد وسوء الإدارة، جعلا المردود ضئيلا. وضاعت الفرصة الثالثة بعد نقض اتفاقية أديس أبابا للسلام 1972 حين أعلن النميري تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية 1983 دون أن يضع أي اعتبار للمواطنين غير المسلمين. وكانت النتيجة الطبيعية، تجدد نشاط (الحركة الشعبية لتحرير السودان) واستئناف الحرب الأهلية.

كانت انتفاضة أبريل 1985 وإسقاط نظام دكتاتوري بثورة شعبية للمرة الثانية، دليلا على قدرات هذا الشعب الكامنة. وهي فقط في حاجة لقيادة متقدمة في تفكيرها، وجادة. فقد عاش الشعب سنوات موات حتى ظن الكثيرون أنها النهاية. وتذكر الانتفاضة بقول (توفيق صالح جبريل):

"يقظة نفسية خمدت هل سيحيا ذلك الرمق؟"

وللأسف لم يحى ذلك الرمق، فقد تم اختطاف الانتفاضة الشعبية وجلس على قمة السلطة، مجلس عسكري من الرتب العليا التي خدمت (النميري). بل رفض الرئيس المحتمل الفريق (عبدالرحمن أبوالدهب) استلام مهامه، إلا بعد فتوى أعطته رخصة الكفارة لأنه أدي قسم الولاء لـ (جعفر النميري). ومهدت الحكومة الانتقالية لتقدم (الجبهة الإسلامية القومية) لتحقيق نتيجة أكبر من حجمها الحقيقي في الانتخابات. خاصة في قانون تقسيم دوائر الخريجين إقليميا وليس قوميا. ولعب رأس المال السياسي دورا كبيرا في الانتخابات، وتم غض الطرف عنه. وجاء الإسلامويون بتقاليد الإعلام الفضائحي والابتزازي بهدف قتل شخصية الخصم وإخراجه من الصراع السياسي لأسباب غير سياسية.

وبعد أربع سنوات من هذه المؤامرة الكبرى الأخيرة، كان الطريق قد تمهد لاستيلاء الإسلامويين على السلطة بالقوة عن طريق الانقلاب، معلنين رسميا شهادة وفاة لمشروع قيام سودان ديمقراطي، موحد، ومتعدد الثقافات، يسع للجميع: مسلمين وغير مسلمين وأعلن الإسلامويون عما أسموه: المشروع الحضاري الإسلامي، والذي تم تدشينه أو تعميده بالدم: إعلان الجهاد ضد الجنوبيين المتمردين. وفتح الإسلامويون أبواب الجنان لـ"شهدائهم" في الجنوب، حيث كان يقام عرس الشهيد ويبرم الشيخ حسن الترابي شخصيا عقود قران الشهداء مع بنات الحور في الجنة! ولكن الجهاد أوصلهم إلى نيفاشا وليس إلى الجنة، حيث عقدت اتفاقية السلام الشامل، تحت ضغوط خارجية، أقوى من الإرادة الوطنية السودانية. وتعامل الإسلامويون مع الاتفاقية باعتبارها محاولة خبيثة لتفكيك النظام سلميا. ولذلك، تعاملوا ضد روح الاتفاقية: تحقيق السلام وحاولوا الاستفادة من الفترة الانتقالية لتحقيق المزيد من المكاسب الحزبية أو حسب لغتهم: التمكين ودخل الشريك الأكبر، حزب المؤتمر الوطني، مصفي ووريث الحركة الإسلاموية، في مسلسل المناورات والتآمر والتسويف، لتعطيل نفس الاتفاق الذي وقعه أمام العالم. وهكذا أوصلنا نقض العهود ومحاولة توظيف الاتفاقية من أجل مزيد من التمكين، إلى حافة الهاوية أو الوضع الخطر الذي يعيشه السودان الآن. وباختصار، يتحمل الإسلامويون وحلفاؤهم من دعاة الدستور الإسلامي وكل سدنة المشروع الحضاري الإسلامي - بما في ذلك المنقسمون عنهم - المسؤولية التاريخية والأخلاقية، لانفصال الجنوب، فقد فرضوا على السودان منذ الاستقلال الدخول في نفق مظلم ليبحثوا عن قطة سوداء وهكذا أضاعوا علينا أكثر من نصف قرن من عمر الاستقلال، شاغلين الناس بقضية هامشية: الدستور الإسلامي، لأن هذه القضية، لا تصيب الهدف المركزي والمصيري للاستقلال: التنمية الشاملة، المستقلة، والعادلة، والمحققة للوحدة والتنوع في وطن واحد.

من المعلوم، أن الإسلام لم يلغ الرق تماما، واكتفى بتجفيف منابعه من خلال العتق. كما أوصى بحسن المعاملة. ولم تتعب الحركة الإسلاموية السودانية نفسها، وتجتهد في إيجاد حلول للسودان. وذلك، لأن رواسب العبودية موجودة وحية تظهر عند الضرورة في منتهى قوتها. وهنا يخضع الإسلامويون والشيوعيون لقواعد الثقافة الشعبية التي استبقت العبودية في علاقاتها. فهناك، مقولة يرددها بعض الشيوعيين كطرفة، ولكنها في حقيقتها موقف ونظرة: "العبد عبد، والمرأة مرأة!" فهذه ثوابت اجتماعية سودانية تتحدى كل تحليل طبقي أو حركة تاريخ أو دين مساواتي. وقد جاء الاجتهاد الوحيد عن الرق، من الأستاذ محمود محمد طه ولكنه لم يزد عن رفع شعار: الرق ليس أصلا في الإسلام. (كتاب: الرسالة الثانية من الإسلام. الطبعة السادسة، 1986، ص 124). ولم يذهب بعيدا حين قال: "لم يكن من الممكن أن يبطل التشريع نظام الرق، بجرة قلم، تمشيا مع الأصل المطلوب في الدين، وإنما تقتضي حاجة الأفراد المسترقين، ثم حاجة المجتمع، الاجتماعية، والاقتصادية، بالإبقاء على هذا النظام مع العمل المستمر على تطويره، حتى يخرج كل مسترق، من ربقة الرق، إلى باحة الحرية". (ص 4-125). وفي النهاية، يكتفي بضرورة حسن المعاملة. ومن الظاهر، أن كل محاولات التجديد والاجتهاد، لم تصمد أمام ثقل الواقع السوداني، والإسلامي عموما، المتمسك بثقافة العبودية، سواء في عقله الباطن، أو في علاقاته الاجتماعية الجادة والمؤثرة. وحاول (عون الشريف) الإسلامي المستقل، تجاوز هذا المأزق بالحديث عن "قومية إسلامية" وليس دين إسلامي فقط، والفكرة تقوم على عملية التذويب للعناصر أو تعايشها حسب إسلامها المشترك، إذ يقول: "ومن هنا يصح الحديث عن القومية الإسلامية التي تحقق للمجموعة المحلية، التوحد في إطار مواصفاتها الجغرافية والثقافية والبشرية، فتكتسب الوحدة الوطنية في إطار إسلامها. ومعنى ذلك، أن الإسلام لا يلغي شخصيات الشعوب ولا يحارب موروثها الإنساني ومعطيات تاريخها وحضارتها، الا حين يصادم ذلك تعاليمه الأساسية في وحدانية الله ووحدة البشر وكرامة الإنسان". (مجلة الثقافة السودانية، أغسطس، 1995، ص 36). وقد عبّر (علي الحاج) وهو قيادي إسلامي بارز، ولكنه ينتمي إلى مجموعة لا تعوّل كثيرا على ادعاء العروبة الخالصة، عن البحث عن الحل في الجمع بين الانتماء والتباين في علاقة جدلية، حين قال: "إذا ما قال أحد بأن السودان إسلامي أو عربي، نعتقد أن ذلك لا يمثل الوصف الصحيح لهويتنا في واقع الأمر، نحن أفارقة في السودان ولكنّا لا نشبه الأفريقيين الآخرين، لسنا كالأفارقة في غرب أو شرق أفريقيا. نختلف عنهم ولكنّا أفريقيون. نعم يتحدث بعضنا العربية ولكن نختلف عن العرب. ونحن أيضا، بعضنا مسلمون ولكنّا لا نشابه المسلمين الآخرين. وحتى إذا ما نظرنا إلى الدول العربية الأخرى أو الدول الإسلامية، نجد أن سلوك السودانيين يختلف، واعتقد أن ذلك ناتج من هوية تكونت عبر التاريخ". (صراع الرؤى، مرجع سابق، 405) فهو، رغم أنه ملتزم ومنظم في حزب إسلامي، مسلم مختلف وأيضا عربي مختلف، وأفريقي مختلف وهنا يمكن أن نفهم، لماذا رفض الترابي الانضمام للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين؟ فقد تغلبت سودانيته، رغم حديثه المعلن عن الأمة الإسلامية، على إسلاميته.

لم أكن أتصور أن محكمة سودانية تبحث عام 1972 طعن قضية في الكفاءة في الزواج والطعن في النسب، وقد بدأت القضية منذ عام 1969 في المحاكم. وتتجادل الهيئة حول عبارات مثل: "أنكرت طالبة الزواج بأن هناك رقا في أصل خطيبها وأن جنسه من قبيلة الشايقية (...) كما أنكر طالب الزواج أنّ في أصله رقا وأدعى أنه حر" وتذكر المحكمة أن محاميها قال بأن الكفاءة حسبما هو معروف في المبادئ الإسلامية تتلخص في الدين والحرية والنسب وهي تتغير من عصر إلى عصر حسب تغير مفاهيم الناس وتطورهم. وجاء في شهادات أربعة من شهود والد الفتاة وهم أيضا أقارب الفتاة من جهة الأم: "إن الخاطب هذا من موالي... من جريف نوري التابع لمركز مروي وأن والد الخاطب وكذلك جده وجميع أصوله موالي أسرة...". (تفاصيل القضية في كراسة للأستاذ أبوبكر سليمان الشيخ عنوانها: قضاء السودان وبناء الهوية).

تضافرت عدد من العوامل جعلت معاناة الشعب السوداني في استمرار، وفي نفس الوقت لا يبدو أي حل سلمى وإيجابي لحل المعضلة. والخشية في أن يكون الحل في مزيد من تفتيت الوطن، واستمرار النزاعات المسلحة، وتوسع دائرة الفقر والتخلف. ويستمر تدهور حياة الإنسان السوداني بحيث يمكن القول بأنه يعيش ربع قرن من زمن عام الرمادة (يقال سُمي بالرّمادة لأنه صار لون البلاد ولون العباد). ولا يواجه النظام مقاومة في حجم عسفه وعنفه وقمعه، لذلك يرفض كل حلول التسوية الشاملة التي قد تنقص من سيطرته وهيمنته على السلطة. وتأتي استمرارية النظام لعامل أساسي ضمن عوامل أخرى. ويقول بعض علماء السياسة، أن التخلف الاجتماعي يؤدي حتما إلى ثقافة سياسية ضعيفة. فالمجتمعات البسيطة في تكوينها الاجتماعي، غالبا ما يكون احتمال خضوعها لحكومة قوية (تقرأ عنيفة أيضا) بل عسكرية أكبر، لأن هذه المجتمعات البسيطة يسهل إدارتها بواسطة الأساليب الإدارية/العسكرية. وبالفعل تحول النظام السوداني إلى ما اصطلحت على تسميته (الأمنوقراطية) أو (secuocracy) حيث يحكم جهاز الأمن فعليا وبنفسه مباشرة أي ليس مجرد جهاز مثل الأجهزة الأخرى، يساعد نظام الحكم. كما استخدم آلية أخرى تتمثل في سلب الشعب قدراته على الإبداع والخيال والخلق، أو بالأصح "حيونته" بحيث يفقد أي اهتمام بما حوله. ويقول (ماكيافيلي) في هذه الحالة: "هناك صنفان من القدرة: قدرة تتغذى من ضعف شعب، وقدرة تتغذى من قدرته". وكما يرى لينين أن البورجوازية مثل جميع الطبقات تحتاج إلى جلاد وكاهن، الجلاد لقمع الثائرين والكاهن (طبعا ممكن يكون صحفي، أستاذ، أو حزبي..) لقمع الوعي النقدي الشعبي بسلاح الايديولوجيا وتزييف الوعي. فقد تزود النظام بكل هؤلاء.

لم تكن أزمة أو مشكلة المثقفين السودانيين مع الدولة الثيوقراطية أو الدين عموما، بل في فشل مشروع الحداثة الذي تبنته النخب أو ما يسمى بالأحزاب العقائدية. فقد توسل المثقفون للحداثة من خلال تبني إيديولوجيات معاصرة مثل الاشتراكية أو التجديد الديني المتجاوز للطائفية أو الوحدة العربية. ولكن كل هذه الأفكار اصطدمت بواقع اجتماعي راكد ومقاوم للتغيير، ولم يُحقق أي نجاح. فلا الاتحاد الاشتراكي للنميري، ولا "المشروع الحضاري الإسلامي" للترابي والبشير، استطاع زحزحة السودان من تخلفه وتقليديته. ولم يكن للنخبة السودانية خيار غير الانتحار العقلي أي التخلي عن الأمل والأفكار المثالية والركون للإحباط وعبثية الوجود بلا هدف يعيش من أجله. وتصدق مقولة منسوبة لـ (لينين) في مقال عن (ماركس) في وصف الحالة السودانية: "أنه في فترات (الركود) و(الهبوط المؤقت في الثورة)، يأخذ المثقفون بالتخلي دون إبطاء عن الأوهام الثورية لقاء أشياء تافهة ولكنها واقعية". وبالفعل، فقد تحول كثير من الشيوعيين للتصوف والتدين، مثل: أحمد سليمان، والمهندس حسن أبو جبل عضو اللجنة المركزية والذي نشر كتابا عن: "القضاء والقدر"، وحسن سلامة، ومكي عبدالقادر وشاكر مرسال وبخيت محمد زكي، وكثيرون غيرهم. كما تحول كثير من الدعاة والمجاهدين الإسلاميين إلى رجال أعمال ومضاربين في الأموال والعقارات، يتبارون في علو البنيان ويعددون الزوجات بدلا من التعدد الحزبي. وتشتت البعثيون في كانتونات حزبية بعد النهاية المأساوية للعراق وسوريا. وخاصم الإخوان الجمهوريين زهد الأستاذ محمود، فقد جرفتهم العولمة والاستهلاكية وصارت أفكاره لديهم مجرد زينة في المجالس والكتابة.

يتآكل السودان حاليا: أرضا وإنسانا وقد ضيعناه تدريجيا ونعجز عن إنقاذه. ويصف الاجتماعيون هذه الحالة بـ: "التلكؤ التاريخي". حين تكون الأزمة ناضجة ولكن العامل الذاتي ورؤية القوى السياسية لا تعي هذا النضج وبالتالي لا تدفع به نحو الانتفاضة أو الثورة. هذا وقد ساعد النظام في الاستمرار واقع الأحزاب السودانية المهترئ، بالإضافة لغياب الدور الفعّال للإنتلجنسيا أو النخبة السودانية. فهي قد قاومت ودفعت الثمن من وظائفها واستقرارها وتشردها، ولكن - للأسف - كانت وسائلها عقيمة ولا يمكن أن تؤدي الغرض وتوصل للأهداف المرجوة. فهي تفتقد العقلانية حيث تتسق الوسائل والغايات وتتجدد. وكما يقول (هافل) بضرورة تصالح التاريخ والأخلاق.

ومن مشكلات المثقف السوداني الإرادوية وهو في هذه الحالة - حسب موريس بار - ذلك الفرد الذي يقنع نفسه بأن المجتمع يجب أن يقوم وفقا لمنطقه وإرادته هو، والذي يجهل أن المجتمع هو قائم فعلا وواقعا على ضرورات داخلية قد تكون لا علاقة لها مطلقا بإرادة العقل الفردي. فالمثقف بهذا المعنى هو ضحية وهم منطقه الذي تطبعه اليوتوبيا/الطوبائية وهناك من يسخر من النخبة بأنه ينطبق عليها القول: "يمكن للقرد أن يتملى صورته في المرآة ويراها جميلة. وقد تبدو الصورة أكثر جمالا حين يكون قادرا على صنع المرآة بنفسه".


عشت، حتى حضرت زمن داعش (تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام) وقطع الرؤوس، وليس هذا غريبا على التاريخ الإسلامي الذي ساد فيه الملك العضوض منذ نهاية الخلافة الراشدة ويروي التاريخ: "... في طست، جاؤوا بالرأس (رأس الحسين، سنة 61 هجرية)، نصبوه في ساحات الشام وقال أناس: كُسفت في ذاك، الشّمس" ويقول رواة: "احتُزت كل رؤوس القتلى، جاءت هوزان بعشرين رأسا، تميم بسبعة عشر، كندة بثلاثة عشر، مذحج بسبعة رؤوس، بنو أسد بستّة، وجاء سائر الجيش بسبعة". ويقول (أدونيس) عن الكوفة التي شهدت مقاتل العلويين:

"المساء ملىء برؤوس مقطعة
والصباح قبور: تلك أيامها.
ماالذي كان أرضا وما الذي كان فيها السماء ؟
هوذا نتدثّر أوجاعنا ونخوض في مهمة من دماء ".

ويضيف في أسى:

"يحرسون طواغيتهم ويُربّون أغلالهم،
وانظروا: تلك أيديهم
لا تصفّق إلا إذا قُيدت
بين وقع الصّلاة،
ووقع السّياط،
يتأرجح جسر السياط ".

شارك الصفحة

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟