حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية
أزمنة الريح والقلق والحرية

الفصل الثالث: التعليم وبوابات المعرفة

المحتويات

نعمل - نحن أسرة حيدر ابراهيم - على إتاحة كتبه جميعها مجاناً للمنفعة العامة ومواصلة مشروعه التنويري. تبقى جميع الحقوق محفوظة ويمنع طبع أو نشر الكتب الا بموافقة مكتوبة.

أحسست مبكرا بوجود سحر في الحروف والكلمات. فقد كنت أعود مندهشا وفرحا حين نزور بعض الأولياء أو الفقرا في خلاويهم فأرى الألواح راقدة أو معلقة، ورائحة العَمار (الحبر الأسود من الصمغ والسكن=سواد النار) وهو يعني أيضا المكان غير الخرب أو العمران، والكتب الصفراء التي أعشق لونها وملمسها وليس محتواها. وفي السوق، كنت انتعش عندما أرى أناسا متحلقين أمام مكتبة ويتناقشون وهم ممسكين بجرائد مفتوحة ينظرون إلى محتواها ويواصلون الكلام. وكانت الحروف تبدو لي كمفاتيح تدخلك لعوالم مسحورة وبلا خوف منها لأنك تملك أعنة المعرفة وتعرف ما هي؟ أتأمل الأبجديات فأرى فيها الجمال والقدرة، وروعة فن الخط العربي أنه يستشف من الحرف عصارة الحسن والهداية. فحروف عثمان وقيع الله، وفاضل العزاوي، والصكار، ومصطفى الحلاج، مثل حسناوات ملكن الرقة والصلابة والغنج رافضات السكون على الورق، وحروف (حسن موسى) مراهقات جديدات في الحياة بشعرهن الأسود المنكوش. فالحروف دوما دافقات بالحياة حتى خارج الجُمل والمعاني المجردة. ولذلك كنت أتعجل الدخول في هذا العالم السحري، خاصة وأنني كنت أعشق الأحاجي الليلية، وسأكون مستقلا عندما أتعَلم القراءة، علما بأنه لم يكن لديّ إخوة أو أخوات أتبادل معهم الحكي، والسرد، والكذب. لذلك كنت فرحا وشغوفا بالولوج في عالم القراءة وتملك مفاتيح المعرفة.

ومن هنا جاء إصراري على حضور الدروس في الخلاوي، مستبقا بلوغ سن القبول بالمدرسة. ولكن لم تكن تجربة الخلوة ناجحة أو جذابة لديّ كطفل محب للاستطلاع ودينامي الحركة. وكانت تجربتي الأولى مع الشيخ (ود البشير) الفكي العصبي في (سنار)، تعيسة. فقد كان يطارد الحيران داخل الحوش عندما يخطئون. وحين يقبض على أحدهم، يعضه في رأسه الخالي من الشعر حتى يدميه. ويبدو أن شيخنا فهم كلام أولياء الأمور حرفيا: "ليك اللحم ولينا العضم"! بعد أيام في الخلوة، أصر الشرطي صديق الأسرة (محمد أحمد عبد القادر) أو (ود الطقيع) على أن يذهب بنفسه لتأديب (الفكي البشير) لأنه ضربني بالسوط. إذ لم يعرف منزلنا السوط والجلد.

وكنت خلال العطلات في القُرير ارتاد خلوة شيخنا (العوض)، ولكن الجلِد، والفلقة، والجو الخانق، والروائح الكريهة التي يطلقها التلاميذ بعد وجبات بقولية بائسة، صدتني عن الاستمرار والذهاب لذلك المكان، وقتلت حماسي للتعلم. وقد صدق (التيجاني يوسف بشير) في قصيدة (الخلوة):

هب من نومه يدغدغ عينيه مُشيحا بوجه في الصباح
ساخطا يلعن السماء ومافي الأرض من عالم ومن أشباح
حنقت نفسه وضاقت به الحيلة واهتاجه بليغ الرواح

كانت الخلوة مكانا غير ممتع للأطفال، وبيئة غير صالحة للتعلم. وقد دار نقاش طويل منذ دخول الاستعمار، حول مصير الخلاوي، تراوح بين الإبقاء والإلغاء، أو ضمها للمشروع التعليمي الرسمي، أو دعمها ماديا. وأخيرا أبقى الاستعمار، على هذه المؤسسات الدينية العتيقة، شرط ألّا تكون بُؤرا لأفكار متعصبة ومعادية لهم أسوة بالمهدية. خاصة وأن الإدارة البريطانية لم ترغب في تزويد السودانيين بالتعليم الحديث على مستوى واسع. ولفترة كانت الخلاوي تزود المدارس الأولية الجديدة بالتلاميذ. رغم أن تقاريرهم الرسمية عن الخلاوي سالبة وتحقيرية، ويكتب (ونجت باشا) في تقريره عن قصة كلية غردون: "أن الأطفال في جميع الخلاوي، يدرسون على يد معلمين يجهلون أبسط فنون التربية، وعاجزين تماما بل أميين إلى حد كبير، وقد سيطرت عليهم روح من أشد ألوان التعصب بربرية". ويصف الخلاوي نفسها: "وكانت المباني كالحظائر، والأطفال قد حشدوا فيها حشدا، وفي أسوأ الظروف الصحية، كما كانت الدروس تلقى وسط هذيان وضجيج يصم الآذان". (محمد عمر بشير: تطور التعليم في السودان، 1983:71).

كان معهد (بخت الرضا) في الدويم في عام 1934، محاولة لتقديم تعليم أساس ريفي حديث بديلا للخلاوي أو موازيا لها. ولكن نتيجة للهجوم على الاستعمار، تعرضت هذه التجربة الجيدة لكثير من النقد المتسرع وللتشويه. وكان (غريفث) (Griffiths) وهو المُبادر، يعمل على تكرار تجربة هندية ذات مسحة غاندية. وهناك تعليق طريف ل(هودجكن) في خطاب وجدته في مكتبة (درم) (Durham) جاء فيه: "أن بريطانيا بعثت باثنين استعماريين معادين للاستعمار للعمل في السودان، هما: نيوبولد وقريفث". هذا وقد توقفت الحكومة بعد إنشاء (بخت الرضا) عن دعم الخلاوي غير الناجحة فانخفض عدد منسوبيها في مطلع القرن من 22100 إلى 9922 عام 1946.


لم يشكل العنف جزءا من شخصيتي وتربيتي، لأن والدي لم يكن يميل للضرب والإهانة. فقد كان ضرب الكف، تأديبا شائعا، وكنت اعتبره قمة الإهانة وسحقا مبكرا لقيمة الطفل الذاتية. ولم يمارس على العنف ولا العقاب القاسي. هذه العُقد التي تمشي بيننا وبعضها يحكم الآن، ويخترع بيوت الأشباح وأساليب الإهانة. فهم قد تربوا بالسوط والبسطونة والكف على الوجه وهذه إساءة لا تغادر العقل الباطن (الضرب على الوجه). ونجوت من تربية العنف والعقاب، ولم نعرف لا البسطونة ولا قاش البوليس؛ أدوات التأديب المنزلي المنتشرة في عصرنا. ولكن هذا الاتجاه السلمي لم يجعل مني عنصرا مبادرا في الشجار إلا في حالة الدفاع عن النفس. ولكن بقيم تلك الأوقات كانت الشجاعة تعني العدوان وتعمد الاعتداء. وقد عوضني القدر عن الشجاعة الفيزيقية والعضلية بشجاعة أخلاقية وأدبية نادرة في قول الحق والحقيقة، وإن كانت قد كلفتني كثيرا في الدنيا، عندما عملت في التدريس لم ألجأ أبدا للعقاب البدني، كما لم أمارسه مُطلقا مع أبنائي. افرّق دائما بين العنف والقوة لأن العنيف جبان يبادر بعنفه دفاعا وخوفا استباقيا ليرهب بذلك أعداء الله ورسوله وأعداءه هو.

نحن بقايا مجتمع ذكوري يُعلي من قيم العنف ويظنها قوة، ويبادر بالعدوان ويسميه شجاعة. وقد عادت هذه الأيام ما تسمى بأغاني (الحماسة) والتي تمجد القتل والدماء وقطع الرؤوس والسيف البتار، ومع ذلك نستغرب لوجود (داعش)! والمجتمع السوداني لم يذهب بعيدا من الحروب القبلية، والنهب، والهمبتة، والقيمان، كما عرفت البلاد حروبا متواصلة من عام 1885 حتى 1898. وتموج البلاد بكثير من نزاعات كامنة بسبب شح الماء والأرض والكلأ. وكانت عملية التحول من هذه الثقافة صعبة لأن البداوة ظلت غالبة على عملية التمدين أي قيام المدن. وقد عانت القوى الاجتماعية الجديدة وعلى رأسها (الأفندية) من استمرار قيم العنف و"الضكرنة". وكانت العاصمة حتى الأربعينيات، تعج بالفتوات والربّاطين. وكان اقتحام الأفراح بالقوة من المظاهر العادية والمتوقعة دائما. ويُقال أن الفتوات حين يقتحمون حفلا، يصنفون الحضور، قائلين: "الرجال بي جاي، النسوان والأفندية يقفون هناك" أي باعتبارهم ضعفاء وغير قادرين على الاقتتال! ومن التصرفات الموغلة في العدوانية والحقارة، أنه كان بعض الفتوات في صف السينما عندما يرون أحدا بجلابية بيضاء نظيفة، طبعا دي أفندي محترم حسب المظهر، يقترب منه الفتوة، ويقف جنبه ويفتح جيب جلابيته الناصعة ويبصق سفة التمباك داخلها! وينتظر ردة الفعل. وكان جدي (عبدالحليم) من سواري سينما (برمبل) المتخصصين في تأديب أمثال هؤلاء ويخشون سوطه اللاهب وغير المتردد.


المدرسة هي الفطام الثاني من البيت والأم، ولكنني لم أتهيب اليوم الأول، وجلست بارتياح في الصف الأول - حسب طولي - في الفصل. وقد تمتعت بملمس لوح الاردواز، والجلوس على الكنبة، والاتكاء على الدرج، والتسابق للمزيرة. وكانت البداية بمدرسة عطبرة الجنوبية لمدة عامين، وكان قد تم نقل أبي من نقطة (العشش) إلى القطاطي الكبيرة وهي قرب المنطقة التي عرفت لاحقا بحي (السودنة). وصارت المدرسة بعيدة نسبيا، فأحمل فطاري في كورية صغيرة مربوطة بمنديل. ولم ندخل عصر السندويتش بعد، وكان الإفطار مُلاح وكسرة بايتة أو فطير بروب أو لبن. وكانت تنغص على حصص التسميع شغفي بالمدرسة، فقد كان لتجربة الخلوة - رغم قصرها - أثرها في خوف مرضي قلل من قدرتي على حفظ سور القرآن. وكان الجلد في الحفظ والحساب، ولكن كنت ممتازا في الحساب. وبقيت من ذكريات (عطبرة) هذه المرة، صورة فريق (النسر) ولاعبه (كُنُنة) ومجلة (الصبيان) وكتب مكتب النشر، ومكتبة (عوض الله دبورة) فقد صرت أقرأ عناوين المؤلفات.

نُقلنا إلى (دنقلا العرضي) وهي غير (دنقلا العجوز) أو (الغابة)، وتسمى أيضا (دُمقُلة):

"لم تر عيني مثل يوم دُمقلة والخيل تعدو والدروع مثقلة"

(أورد هذا الاسم ابن عبدالحكم، كتاب: فتوح مصر والمغرب، وصف لمعركة بين المسلمين والنوبة عام 652 م).

كان النقل بعد ترقية الوالد لـ(باشجاويش) أي صار يحمل أربعة أشرطة. والتحقت بمدرستها الأولية. وكان ناظر المدرسة (محمد حسن دنقلاوي) ورغم الإسم فإنه ليس من هذه المجموعة الإثنية التي يحمل أسمها. وكان شخصية فاضلة وهو حازم ومرح في نفس الوقت. وكانت دنقلا مدينة ممتعة بتنوعها البشري والذي انعكس في علاقات التلاميذ والمشاكسات التي قد تصل لمشاجرات. فهي منقسمة بين ما يسمونهم (الفلاليح) أي الفلاحين، وهم ذوو بشرة فاتحة اللون أقرب لمصري الدلتا، ويقال أنهم أتوا بعد مذبحة المماليك في القلعة، وإن كانت كلمة (العرضي) تعني في التركية المعسكر.

والمجموعة الثانية هم الدناقلة وهم أصحاب مملكة قديمة، وكان (الزبير حمد الملك) هو سليل المملكة وناظر المنطقة حينذاك. ولكنه خسر أول انتخابات وطنية عام 1953م أمام (محمد أمين السيد) مرشح الحزب الوطني الاتحادي وممثل الفئة الأولى من غير الدناقلة، وكان الفارق 51 صوتا فقط.

لم تكن المناوشات والمكايدات بين المجموعتين تنتهي، وكانت تتحول في المولد إلى صدام. وكان الاستفزاز يبدأ بالمعايرة المتبادلة، فيقول الدنقلاوي:

الفلاحي شن عيبو بصلة وبتابه في جيبو (البتاب الرغيف المصنوع من قشر القمح).

ويرد "الفلاحي":

الدنقلاوي حلّاب التيس قد المركب وقال معليش

وفي دنقلا انفتحت على القراءة المنظمة واشترك لي الوالد في مكتبة (أبعوف) وتعرفت على المجلات المصرية، ومازلت أذكر (البعكوكة) و(الاثنين والدنيا) ثم (الكواكب). وكما ذكرت من قبل، تابعت حركة الجيش المصري في 23 يوليو 1952. وكنت عندما أذهب للسوق استعرض معلوماتي عن القادة المصريين، حتى أطلقوا عليّ سخرية أسم (محمد نجيب). كما كنا نستمع للراديو في نادي البوليس، وكانت تستخدم بطاريات اللواري في تشغيله. وكانت أول مطالبي بعد أن رقي والدي ضابطا، شراء راديو وكان قد تطور وصار يعمل بالبطارية الجافة وهي في حجم طوبة البناء. وصار بيتنا منتدى، خاصة مساء الأربعاء حيث تحتشد نساء البوليس لمتابعة برنامج (حبوبة فاطنة) الإرشادي. وفي إحدى المرات سمعت حبوبتنا (غوالي) اللواء (محمد نجيب) يخطب بصوت عال في الراديو، فقالت:

الراجل دا بيكورك كدي مالو؟ قايل نفسه العمدة ود بشير أغا!

ترسبت في الذاكرة من دنقلا، أسماء مثل: أولاد محمد حسن دنقلاوي ناس محمود وصابر وفؤاد، وهاشم عبدالعزيز، وهاشم محمد عثمان، ومصطفى عمر أبوالحسن، وصدى أسر الحكيم، والصائغ، والأفندي، والنزهي، وطبعا كل ما له صلة بآل حمد الملك.

انقضى سريعا زمن جميل وكان على الذهاب عام 1954 لمروي لامتحان الانتقال للمرحلة الوسطى. وفي ذلك الوقت كانت كل المدارس الوسطى في المديرية الشمالية، تتنافس في مدرستي مروي والقولد فقط. ولأن والدي كان في مدرسة البوليس في أمدرمان، فقد قام قريبنا الجاويش (محمد أحمد دفع الله) باصطحابنا، مع أخيه (محمد نور) و(الشيخ حسن أحمد حسن)، في رحلة ب(كومر) البوليس لمروي استغرقت يومين، بتنا في (الدّبة) ثم توجهنا للقرير، وأمضينا ليلة وبعدها لمروي. وكان حشد الطلاب كبيرا ولكن لجنة الامتحان نظمت الأمور، ونجحت رغم المنافسة وغرابة الجو وعدم وجود ولي أمري المباشر مثل بقية التلاميذ. وكان (الشيخ) شخصية طريفة، إذ أطلق شائعة: أن (أحمد بابكر) كتب لي ولد بتو حجابا للامتحان ولم يكتب له!

كان مستوى المدرسة التعليمي راقيا، ولكن الأداء التربوي كان أقل كثيرا بسبب سياسة العقاب القاسية السائدة. ولكننا كنا محظوظين بوجود الناظر (مصطفى أبوشرف) المهتم بالشعر، والمسرح، ويحرص على ليلة القبعة والجمعية الأدبية. ولكن نائبه (عبدالله البشير) يمثل رعبا وكأنه قادم من معسكرات النازية، كانت المدرسة وسط حديقة من النيل، فكان يطلب من المعاقبين أن يجهزوا الجريد للجلد. ذكرني بأن الخليفة الأموي (معاوية) كان يطلب من المعارضين الذين يريد قتلهم أن يجهزوا قبورهم وأكفانهم. وكان قمعه بلا حدود، ففي إحدى المرات عاقب الطلاب لأنهم في (وابور البحر) كانوا يلعبون الكوتشينة وهم في العطلة ذاهبين لأهلهم. ومن الأساتذة ذوي العلاقات الودية (مصطفى صادق). وأذكر مرة، كانت بطانية الداخلية قد سُرقت مني، وهي عهدة، وسُجل عليّ مبلغ 7 جنيهات أدفعها في نهاية الدراسة. ولكن في الجمعية الأدبية، سأل (أبوشرف) عن قائل بيت ما من الشعر، فكنت صاحب الإجابة الصحيحة، فقال لي: "عفيناك من البطانية". كما كنت أشارك بنجاح في مسابقات المعلومات العامة وأتسبب في فوز فريقي. كنت صرت قارئا نهما للصحف وكان اللحاف يزداد علوا بأعداد (الصراحة) ثم (الأيام) بالإضافة لـ (السودان الجديد).

نُقل الوالد لأم درمان، فنقلني عام 1955 إلى (أم درمان الأميرية الوسطى). وقد كانت نقلة "حضارية" كبيرة، على كل المستويات، طبقيا صعدنا للطبقة الوسطى، ففي أم درمان سكنا هذه المرة في حي (الملازمين) في بيت كبير وبحديقة، وتم منح الوالد سيارة صالون وسواق. ومن الطرائف، أن مركز البوليس كان في نفس شارع المدارس، وكنت أركب مع والدي في الصباح، ولكنني أنزل قبل باب المدرسة من مسافة بعيدة، تجنبا من أن يراني زملائي وأنا قادم بعربية. وقد كنت شديد الضيق من وضعيتي الجديدة، وزدت إصرارا على التقشف وعدم الاندماج في هذه الحياة الجديدة. خاصة وقد بدأت في قراءة كتب دار (التقدم) المترجمة القادمة من موسكو. وكانت صحفي المفضلة هي: الصراحة، والميدان، والأيام، ومجلة (هنا أم درمان) للمتابعة الفنية، بالإضافة لـ (روزاليوسف) أو تدليلا (روزا). أمّا البوابة المشرعة على المتعة، وعلى نوع بديع من المعرفة، فقد كانت السينما، مع طقوس ومقدمات قرار الذهاب، والفرجة نفسها، ثم طعم ما بعد الفيلم. وكانت التجربة الأولى في (عطبرة) ولكنها محدودة. كان أول فيلم هو (عنتر وعبلة) بطولة كوكا وسراج منير، وأثار أخوه الجبان الظريف (شيبوب) إعجابنا وكنا نحفظ الفيلم ونقلد الممثلين. أما في (أم درمان) فقد كان أثر السينما أكبر وأعمق، والتردد عليها أكثر، وأحيانا تذهب الأسرة كلها وهذه من مميزات تسامح الوالد. وكانت تجذبنا الأفلام المصرية التي تمثلها (فاتن حمامة) ونندمج في أدائها وقد نشاطرها البكاء أحيانا، عندما تتصاعد عقدة القصة. وجذبتنا رقتها ورومانسيتها، ولم تعد مجرد ممثلة على الشاشة بل دمجناها في حياتنا الحقيقية. وكم غضبنا واحتججنا حين قررت الزواج من (عمر الشريف) (ميشيل شهلوب) (1955) رغم إعجابنا بفيلمهما المشترك (صراع في الوادي) واستفزتنا قبلته لفاتن، خاصة وقد حل محل (عماد حمدي). وقد مثلت عددا من الأفلام الراقية واستحقت فعلا لقب (سيدة الشاشة العربية)، مثل (دعاء الكروان) عن قصة (طه حسين) و(لا تطفئ الشمس) لكاتبنا المفضل آنذاك (إحسان عبدالقدوس)، و(نهر الحب) عن رواية (آنا كارنينا) لتولستوي. وامتعنا كوميديا، لفترة قصيرة (نجيب الريحاني) خاصة في (غزل البنات) و(سي عمر) ولكننا تحولنا لــ (إسماعيل يس) وتابعناه في الجيش والبوليس والبحرية... الخ. وأثرّت الأفلام في غرس مزاج عاطفي ورومانسي، كما ساهمت أفلام أخرى في إنبات مشاعر تضامن إنساني وإحساس طبقي، مثل (ليلى بنت الفقراء) أو (الأرض). بالإضافة للأفلام الأجنبية، مثل: "يحيا زاباتا" (Viva Zapata) لمارلون براندو كذلك الأفلام الهندية مثل "من أجل أبنائي" (Mother India) وقبله كان فيلم (آن) قد أدخل الأغاني والرقص الهنديين في المزاج الفني السوداني. خاصة وقد عرفت البلاد جالية هندية كبيرة خاصة في (أم درمان) و(القضارف) و(بورتسودان) ولعب (ممي) (محمد شاه) في فريق الهلال العاصمي كجناح أيسر، وكان (ناتا) الحلاق المميز في القضارف ولا يجلسك على المقعد إلا بعد أن تبرز له (شلن) الحلاقة.

وفي السينما كانت مرحلة أفلام (الكاوبويات) أو (Western)، والصراع مع الهنود الحُمر. وصرنا نلاحق أفلام (جاري كوبر) و(ألان لاد) و(روبرت ميتشم). وفي فترة لاحقة ظهرت أفلام (ديجانقو) خاصة (ديجانقو الوسخان) كما أسماه جمهور الترسو، لأنه أحيانا يقع في الوحل ويواصل بنفس الملابس. وظهرت في السنوات التالية أفلام (جيمس بوند). وكان لأفلام العنف شعبية واضحة، وتخصصت بعض دور العرض في اختيار أكثر الأفلام عنفا وشراسة. وفي إحدى المرات كنا نشاهد فيلم (ضرب) في سينما الخرطوم غرب، ويظهر أن العنف لم يُشبع رغبات أحدهم، فصاح أثناء منظر مشاجرة قام بعده "الخائن" من الأرض، قائلا:

  • والله دا لو في النيلين كان البطل كتلو!

وكنا نستمتع في (الترسو) أو (الشعبي) والتذكرة ثلاثة قروش، بتعليقات أمتع من الفيلم نفسه. مرة أظهر المصور (برلنتي عبدالحميد) من الخلف، وكانت مجموعة قربنا يبدو أنهم من عمال النظافة، فصاح أحدهم بإعجاب دافق:

  • صُلب ولا برميل وساخة!

في فترة أم درمان الوسطى، عرفت الطريق لدار الرياضة أم درمان ذات السور السميك فقد كان أحد بيوت المهدية. وصرت (هلالابي) بتأثير بعض الأهل وإعجابا بـ (صديق منزول)، الملقب (الأمير) و(سبت دودو) بالإضافة لوجود لاعبين مميزين مثل (ود الديم) و(زكي صالح) و(عبدالرحيم القطر) الذي توفي مبكرا. وبعد الاستقلال عاد (سليمان فارس) الملقب (السد العالي) بحرافة تصاحبها خفة دم ونكتة حاضرة اكتسبها من شمال الوادي، وله قفشات مع أولاد حسين (علي) و(عثمان) وكذلك (التقر). وله قولته الشهيرة عندما ناداه أحدهم أن "يباص" أو يمرر الكرة، فقال له: تعمل بها إيه يا تأر؟ ومؤخرا ظهر (نصرالدين عباس) الملقب (جكسا) والذي كسر هزائم المريخ المتتالية لسبع مرات من قدم (ماجد). وكانت آخر مرة أدخل فيها دار الرياضة كانت مباراة الهلال مع (فاسكو دا جاما) البرازيلي، بقفزة (جكسا) الشهيرة وتعادل الهلال.

وبالمناسبة، من حسن حظي، كنا في (القضارف) ولم أشهد مباراة (هونفيد) المجري بقيادة (بوشكاش) والتي هُزم فيها الهلال بتسعة أهداف: "يا بوشكاش والتسعة كفاية خلاص"، أغنية للتشهير. كنت ارتاح للعب (برعي أحمد البشير) الملقب (القانون) ولاعب النيل (يوسف مرحوم) الملقب (المايسترو) يوقف الكورة في الهواء وينزلها على الأرض.

أتاحت لي هذه الفترة في (أم درمان) تكوين وعي مبكر بالسياسة السودانية. فقد كانت تلك الأيام نهايات الفترة الانتقالية. فعاصرت أحداثا هامة، على قمتها، تمرد الفرقة الاستوائية أو حوادث الجنوب - كما عُرفت - في يوم 18 أغسطس 1955 واستمرت الاضطرابات حتى الثلاثين من الشهر، حيث تدخلت القوات الشمالية ونجحت في السادس من سبتمبر في القضاء على التمرد. وقد رصد تقرير الحوادث عدد القتلى المعروفين من الشماليين بـ 336 شخصا والجنوبيين بـ 75 ولكن بالتأكيد القوات الشمالية قد قامت بحملات انتقامية لا يمكن إحصاء ضحاياها. وافسدت الحوادث أجواء الفرح السابقة، وخيم حزن مليء بقصص مأساوية حقيقية ومبالغ فيها. وشاع في أم درمان حزن على الملازم الشاب (عصمت بحيري) وظهرت أغنيات مثل: "وفي الجنوب كم راحوا شباب".

لم توقف هذه المنغصات فرحتنا بقدوم الاستقلال، فقد بعثت الأغاني الوطنية التي خفتت أثناء ملاحقة المستعمر وصرنا نردد في المدارس، رائعة الصاغ (محمود أبوبكر) صاحب ديوان (أكواب بابل من ألسنة البلابل) (1968) وتلحين (إسماعيل عبدالمعين)، رغم أنها في الأصل من شعر الإخوانيات كتبها في رد على قصيدة لصديقه (عبدالله عقيل المحامي):

صه ياكنار وضع يمينك في يدي ودع المزاح لذي الطلاقة والددِ

ويعجبني في القصيدة:

(فالبندقية) في بداد بيوتها طلعت بمجد ليس بالمتبدد

وأظن أن ما جعل من القصيدة نشيدا وطنيا، البيتان الأخيران فقط:

أنا لا أخاف من المنون وريبها ما دام عزمي يا كنار مهندي

سأذود عن وطني وأهلك دونه في الهالكين فيا ملائكة أشهدي

وفي تلك الأيام بُعثت رائعة (خليل فرح) الخالدة والمُتجددة: "عزُة في هواك". كذلك كنا نردد: "نحن ونحن الشرف الباذخ دابي الكر شباب النيل".

كان البرلمان قد أجاز بالإجماع في السادس عشر من أغسطس 1955 قرار الجلاء. وتم الجلاء في ديسمبر وقد شهدت الاستعراض والتسليم والتسلم في (حوش الخليفة). ولكن قبلها بقليل في نوفمبر 1955 تم إسقاط أول حكومة وطنية برئاسة (إسماعيل الأزهري) بطرح صوت ثقة سانده ثلاثة نواب منشقون من الحزب الوطني الاتحادي. ولكن الأمر لم يستغرق يومين، تراجع المنشقون وصوتوا له في القراءة الثانية. ولكنني شاركت في أول مظاهرة، كنا نتجمع مساء حول بيت (الزعيم) المقابل للمدرسة الأهلية الوسطى ونردد هتافات ساذجة، مثل: "يسق يسقط... جزمة" بإسم قائد الانشقاق.

رغم كل الخلافات التي عمت الحياة السياسية مما بشّر بمستقبل انشطاري غير قومي نعيشه حتى اليوم، تم إعلان الاستقلال من داخل البرلمان بالإجماع يوم 19 ديسمبر 1955. وشهدت احتفالات رفع العلم وبداية عصر جديد. وتجمعت قيادات البلاد في القصر الجمهوري، واستوقفنا منظر (حواء الطقطاقة) وهي تلبس العلم بألوانه الزاهية: الأخضر والأصفر والأزرق، قبل أن يستبدل بالعلم العروبي متجهم الشكل واللون. وقد انتحر في هذا اليوم الصحفي الاتحادي (علي الشيخ البشير) وقال البعض أنه لم يتصور السودان بلا مصر. ولم تستمر حكومة الاستقلال أكثر من ثلاثة شهور، فقد تغيرت في الثاني من فبراير 1956. وهي بدورها استمرت خمسة شهور، ثم سقطت في 4 يوليو 1956. وقد شهدت الحكومة الرابعة إصدار قرار يدل على ضيق الأفق وضعف الروح القومي. فقد قدم وزير المالية في 21/11/1956 قرارا بحرق العملة الوطنية الأولى لأنها تحمل توقيع رئيس الوزراء وهو في الوقت ذاته رئيس حزب. وخرجت المظاهرات هاتفة: "حريق العملة حريق الشعب". ولكنها حُرقت رغم أنها كلفت حوالي 80 ألف جنيه مصري في ذلك الحين.

كانت التجربة المدينية والدراسية، قد حملت لي صدمة وفجيعة. فقد اكتشفت انتشارا واسعا وفاضحا لظاهرة الشذوذ الجنسي داخل المدرسة وخارجها في المدينة، وهذه ظاهرة متوقعة في مجتمع يفصل الجنسين، ويمنع الاختلاط الذي كان سائدا - للمفارقة - في البوادي والأرياف، وكانت هناك ثقافة كاملة وشبكة اجتماعية تنتظم هذه الظاهرة الشاذة، وتعكس كثيرا من الأغاني خاصة "الدكاكينية" واللغة الخاصة (jargon)، حقيقة انتشار الظاهرة في تلك الفترة. ومن بين هذه الفئة معلمون، وفنانون، ورياضيون، لذلك لم تكن توجد إدانة واضحة، أو استهجان قوي يردع الظاهرة. وكان التعامل معها بعدم جدية، حتى أنها تبدو - أحيانا - وكأنها نوع من المزاح، والظرف، والمجون غير الضار. وكان يطلق على الممارسين الإيجابيين أسم "قمبرجية"، ويكثرون في بعض مقاهي ما يسمى ب(سوق الموية) من منطقة السينما الوطنية وبرمبل حتى الجامع وخلف المستشفى. ويكثرون حول وقرب السينمات ودار الرياضة (خاصة في الصفوف)، وفي المولد والأعياد الدينية والحكومية، وبيوت الأعراس. وكان الطلاب هم الفئة المستهدفة بالإضافة للصبية العاملين في المناطق الصناعية والحوانيت. وتكثر الممارسات ذات الخصوصية في داخليات المدارس والخلاوي والمعسكرات. كما تنتشر في دوائر تجمع النشاطات الفنية والرياضية. والممارسة ليست غريبة في القرى والأرياف في القعدات الليلية التي ينظمها الوجهاء والحكام المحليين.

ويتنصل السودانيون من الظاهرة ويرون أنها "مستوردة" يرجعها البعض للأتراك (1821-1885) ويرجعها آخرون للبريطانيين. وكان من أسباب رفض التعليم الحديث في البداية، أن المدارس ما هي إلا "وسيلة الخواجات عشان يبوظوا أولادنا".

ولم يكن "البوظان" مقصود به التنصير فقط، بل كان الخوف على رجولتهم أيضا. وفي هذه المعركة، حرص المشايخ على شيطنة (كلية غردون). وفي قصيدة واضحة البذاءة، يهجو الشاعر (حسين منصور) صاحب ديوان (الشاطئ الصخري) (وهو ليس حسين عثمان منصور صاحب مجلة الصباح الجديد) طلاب الكلية الذين سيكونون النخبة التي تقود البلاد نحو الاستقلال، يقول:

يسمونها كلية وحقيقة بها جُمعت كل الضلالة والهلس
ينمي على ماء الرجال نباتها وإن أكرموهم فالغذاء من العدس
تظن بهم خيرا وعجب هزرهم فإن زرتهم ماسوا بأذرعة مُلس
ومدوا شفاها أدميت من ترشف وقالا بلا خوف لطالبهم هيس
هم النفر الأنجاس من غرس (يودل) وإخوانه من ذلك الصنف والجنس

يقصد مستر (يودال)، مدير الكلية، وكان قد التحق بهيئة التدريس عام 1907 وهو يعتبر من أبكار الرياضيين الإنجليز الذين بذلوا جهدا مقدرا في إدخال كرة القدم إلى السودان. وفي عام 1936 تم تكوين أول اتحاد كرة قدم سوداني يدار بواسطة الإدارة البريطانية. وطالب (إسماعيل العتباني) بضرورة إنشاء جامعة بالخرطوم. اهتم المستر (يودال) بالخطاب وطالب بترجمته وحمله معه إلى لندن وكان ذلك في العام 1929م.

كانت المدينة بلا قلب فعلا كما أسماها (أحمد عبدالمعطي حجازي) خاصة لصبية في مثل ذلك العمر. لم يكن لديهم ما يستوعب طاقاتهم إيجابيا بعد اليوم الدراسي أي نشاط إضافي يستوعبهم، وتترك تنمية الشخصية للصدفة. كان المجتمع الحضري وطبقته الوسطى معطوبا ومنخورا بالأمراض الاجتماعية والنفسية. وللأسف ولسوء حظ السودان، كانت هذه هي الطليعة والنخبة التي عليها واجب تحقيق النهضة والتقدم. وما يحدث اليوم هو مآل طبيعي للبداية الخاطئة.


انتقلت مع والدي عام 1956 إلى القضارف، والتحقت بمدرسة القضارف الأهلية الوسطى. وقد ضمت المدرسة مجموعة متنوعة الأرواح والأمزجة، فالناظر (عبدالقادر المرضي) وهو من أبكار الإخوان الجمهوريين كما اكتشفت لاحقا، وكان فيه بعض من طبع الأستاذ محمود وتربيته. ومن المعلمين: محمد محمد زين، وعبدالرحيم القدال، وعبدالسميع ومحمد أحمد المهدي بالإضافة لشباب يساريين: الرشيد أبوجديري، وعثمان رجب ثم عوض الجيد، وكانوا جيراننا في السكن بحي الموظفين. وبتأثير منهم اشتركت في أول مظاهرة في أكتوبر 1956 احتجاجا على العدوان الثلاثي على مصر، ودبجت مقالا حماسيا في الجمعية الأدبية. ولم يتجاوز عدد المشاركين ال 15 شخصا، وكانت الشرطة على أهبة الاستعداد بعربات الحريقة يقودها والدي ضابط شرطة المدينة، والذي صُعق حين رآني في المقدمة. ووضح له الأستاذ (محمد محمد زين) الأمر بأنني شيوعي. وتغيرت معاملة الوالد من حينها، فصار يراقبني، واستيقظ فيه الحس البوليسي. وفي إحدى المرات صادر مني كتب الجيب عن (أرسين لوبين) والتي كنت استمتع بها مع كتب (أجاثا كريستي) و(شرلوك هولمز) لآرثر كونان دويل. وكانت حجة المصادرة طريفة، وهي أنهم قاموا بتفتيش بيت لص في (أم درمان) فوجدوا لديه روايات أرسين لوبين. أما (محمد زين) أستاذ اللغة العربية القادم من مصر، فقد اهتم بي وصار مرشدا وصديقا ثم زاملني في التدريس ببحري الثانوية نهاية الستينيات. وكان يسمح لي باستلاف الكتب من مكتبة المدرسة بعد الحصة المخصصة للقراءة في الفصل. وقرأت - حسب نصيحته - مجلدات من (وحي الرسالة) لأحمد حسن الزيات، وكتب (مصطفى لطفي المنفلوطي) بالذات (ماجدولين أو تحت ظلال الزيزفون) وكتابات المهجريين والشوام، مثل: (جبران خليل جبران) و(إيليا أبوماضي) و(ميخائيل نعيمة) والأخير عرفني عليه الأستاذ (سيد الياس سيدهم) في أم درمان الأميرية وحفظنا:

"أخي إن عاد بعد الحرب جندي لأوطانه وألقى جسمه المنهوك على أجساد خلانه"

ومن أهم فضائل (محمد زين) على تشجيعي في الجمعية الأدبية، وفي نهاية سنة ثالثة كنت أصدر صحيفة حائط، يشاركني فيها لاحقا (الدرديري حسن) أو (جحا) والذي كان يُصِرّ على أن ننشر رواية (كوخ العم توم) كاملة في حلقات. وكنا نتنافس مع غرب -النهر الآخر للمدرسة - وكان الصحافي المعروف (عبدالواحد لبيني) يحرر جريدة (غرب). واشتدت المنافسة وكنت أقلـد (صالح عرابي) صاحب صحيفة (التلغراف) في صياغة البرقيات الجامعة لفكرة مركّزة ومُختزلة. وأذكر مع اشتداد المنافسة والغضب، أرسلت لعبدالواحد برقية على وزن أغنية (أحمد المصطفى) قلت له: الصحافة تحلي وصعابها سهلة بس روق واحلي. وتدخل مولانا (محمد زين) ودمج الصحيفتين، لتنبت بيننا - مع عبدالواحد - صداقة استمرت حتى اليوم. وكان (أبو الفصل) وأعجب بتطوعي للقيام ب"نبطشية" أي نظافة الفصل، زملائي الذين يسكنون بعيدا عن المدرسة ولا يمكنهم الوصول مبكرا للقيام بذلك. وكان يحكي تلك القصص عندما صرنا زملاء.

كانت القضارف - مدينة ومدرسة - تمثل أجمل وأروع سنوات عمري. ولكن دوام الحال من المحال، فقد تحولت المدرسة في سنتنا الرابعة، وصارت كأنها إصلاحية في مدينة (شيكاغو). ففي طابور صباح خريفي رطب، وقف إلى جانب الناظر (المرضي) شخص أبيض اللون، طويل، ونحيف. وخاطبنا الناظر أنه قد تم نقله، وسيكون الناظر الجديد الأستاذ (عبد الخالق حمدتو) وقدمهُ في كلمة للتعارف. وإذ بنا نفاجأ بخطبة للـ (حجاج بن يوسف) يستهلها الناظر الجديد:

"يا أولاد القضارف يا باطلين يا معرصين أنا أخباركم عندي في أم درمان والوزارة رسلتني مخصوص عشان أفلفلكم. عارفين الرز بيفلفلوا كيف؟ أنا حافلفلكم زيو!"

طبعا تفاجأ الناظر (المرضي) المهذب، وأشفق علينا من مصير مجهول. ومن جانبنا قررت شُلة شريرة قبول التحدي، قائلين: والله الحلبي الطويل دا إلا نجننو. ويبدو أن النميمة وصلته عبر أحد المدرسين، فاشتعلت المعركة. وكانت أخف عقوبة ولأتفه الأسباب "خمستاشر جلدة باللباس"، وهذا يعني يكشف على الشخص ولو لابس رداء يقلع لكي يكون الجلد مؤلما. ومن العادي الفصل، حين يصيح في الواحد مننا: "عليّ الطلاق، ما تجي تاني إلا (First of March) يعني للامتحانات فقط. ولكن بعد يومين يسأل: فلان وينو غايب ليه؟ ويرجع المفصول ويأخذ المعلوم من العقوبة. وكلّف أحد المدرسين (يوسف علي سالم) بالوقوف عند مدخل السينما لكتابة أسماء من يرتادون السينما في غير يوم الخميس. ونبدأ صباح كل سبت دوريا بمذبحة المماليك ويظل الرعب عالقا طوال الأسبوع. ولكننا ندين ل(حمدتو) تجويد تعليم اللغة الإنجليزية، فقد درسنا تحت ظل السيف، الأدب الإنجليزي وللمفارقة صار متعة. فقد قرأنا معا (Treasure Island)، واخترنا للناظر شخصية القرصان (Long John Silver) واستمتعنا بمغامرات النبيل السجين في كتاب (Monte Cristo)، بالإضافة للمقرر الثالث كتاب (Moonfleet). وفرض علينا حفظ ال (grammar) مثل الأناشيد حيث نردد (too followed by too…so followed by that).

رأيت (حمدتو) في نهاية الستينيات في لجنة قبول الطالبات ببحري حين اصطحبت (أسماء) بت خالي (بابكر) لأنه لم يكن متحمسا لتعليمها أكثر مما تحصلت.

وكان (حمدتو) في حالة اشتباك مع كل ولي أمر -جر وشكل- قال لأحد القرويين: بتك طويلة .. فرد عليه القروي: هسّع ما أنت طويل في زول حماك زمان تقرا في المدرسة؟

تعرضت قبل فترة قصيرة من امتحان الدخول للثانوي في مارس، لوعكة صحية قوية أدخلتني في غيبوبة لثلاثة أيام وعجز الأطباء عن تشخيصها (هل ملاريا أم سُحائي)؟ استقر رأي د. محمد علي أحمد (والد د. حيدر أخصائي الأمراض الجلدية) على أنها (حُمى ملاريا). وقد لازمني بعدها صداع نصفي حاد استمر حتى عام 1971، حين هاجرت إلى (ألمانيا). واختلفت الأسرة حول قرار: هل أجلس للامتحان أم لا؟ ورفضت تماما فكرة إعادة السنة وقلت أجرب ولو فشلت، أعيد بعد ذلك. وتحاملت على نفسي وحضرت صرف أرقام الجلوس الـ (index)، ولم يفوّت (حمدتو) نُكتته، فقد كان رقمي (31) فعلق مباشرة: ضربت (متذكرا الكوتشينة كنكان واحد وتلاتين). وكان والدي بالتشاور مع مولانا (محمد زين) قد حددا مستقبلي نتيجة اشتراكي في المظاهرة ودرءًا لل"انحرافات السياسية" المحتملة حسب القرائن. وهو إكمال الثانوي فقط والاتجاه نحو كلية البوليس أو العمل كمصرفي في البنوك. وحمدت الله على أن طولي لن يسمح لي بدخول كلية البوليس حتى لو وجدت واسطة قوية. ورغم أن التقسيم رمى بي في التجارة الثانوية، وجدت فرصا عديدة للتبديل لأسباب مختلفة ولكن والدي وضع فيتو لأي محاولة من هذا النوع. وفي كل الأحوال قد بدأت نتيجة القراءات المبكرة تظهر في تكوين رأي بأن مدارسنا بطريقتها هذه، ليست المؤسسة المثالية للتعلم والثقافة. وكنت أسمع بالعقاد وعبدالله رجب والسلمابي، مما قلل أهمية التعليم النظامي لديّ. يقول (الشاعر الأمريكي بيلي كولنز): "ليس من الضروري أن يعيش الإنسان حياة تعيسة ليكتب الشعر، يكفي أنه درس في المرحلة الثانوية! هذا وحده يزوده بخزان عظيم من التعاسة يستطيع أن يغرف منه إلى الأبد". (من حوار ترجمه حمد بن عبدالعزيز، صحيفة القاهرة 24/11/2009).

دخلت مرحلة البلوغ والمراهقة، بدون أي خطة تربوية استرشادية لمواجهة التغييرات النفسية والفيزيقية التي سيواجهها هذا الفتى الغرير. وهذا هو الحال في المجتمعات المتخلفة، والتي تمارس تنشئة ذات اتجاه واحد، قائمة على العقوبة، وغالبا ما تكون مهينة (الكف على الوجه أو الجلد المبرح)، فالتعليم التقليدي يركز على العقوبة والجزاءات المهينة، ويقلل من قيمة الإقناع والمكافأة. يضاف إلى ذلك التلقين والحفظ كشكل للخضوع لسلطة الآخر. ولم يكن جيلنا بعيدا عن عهد الخلاوي، حين كان الأب يقول للفكي حين يحضر الطفل: ليك اللحم ولينا العضم!

من ناحية أخرى، لم تكن أسرنا تمتلك ثقافة، وتعليمها لا يمكنها من اختيار تربية صحيحة وصحية. فالأم غالبا أمية تماما، والأب، في أغلب الأحيان ليس أحسن حالا، وغائب صباحا في العمل بعيدا عن الإشراف والمتابعة، وبعد القيلولة يهرع لقعدات ومسامرات الزملاء والأصدقاء. أما المدرسون فقد جاءوا للتدريس صدفة وقسرا لأنهم لم يجدوا فرصا أفضل. وكثيرا ما يعلقون في مكاتبهم لوحات تقول: "المعلم شمعة تحترق لتضيء للآخرين"، ويسخرون من مقولة: "كاد المعلم أن يكون رسولا"! وفكرة الاحتراق والإضاءة للآخرين تعبير عن سخط وشعور بالجحود من الطلاب، مما يجعل منهم معلمين تعساء وساخطين، يضاف إلى ذلك كادر الوظيفة بمرتبه الضئيل وضيق فرص الترقية والابتعاث بسبب الكثرة. وهذا الوضع غالبا ما قد يقود لظهور معلمين ساديين يتلذذون بالعقوبة والإهانة. وهم في كثير من الأحيان لم يلتحقوا بكليات أو معاهد تربية، وقد يزورون كورسات قصيرة فقط للتعرف على المناهج وطريقة التدريس ولكنها ليست كورسات تربوية بالمعنى الدقيق والصحيح. هذا الشعور تجاه التربية في المنزل والمدرسة صار واضحا بالنسبة لي في هذه السن في المرحلة الثانوية. فقد نشأنا (بروس) ساكت أي عشوائيا، لم تتم زراعتنا ورعايتنا بطريقة علمية وصحية. فقد تُركنا لتربية ذاتية، وكان علينا أن نعيد تنشئتنا لأنفسنا بصورة مستمرة لكي نكتسب أخلاقا وقيما جديدة تمكننا من العيش في تناغم مع عصر غير زمن آبائنا، وألا نعبد ما كانوا يعبدون من العادات والتقاليد: "هذا ما وجدنا عليه آباءنا". ويفرّق (هشام شرابي) في التربية بين ما يجعل الطفل العربي يشعر بالخجل أكثر مما يشعر بالذنب "فالدافع للخجل هو أن الآخرين يشاهدون ما ارتكب من عمل سيء". ولكن ليس لأنه يشعر داخليا بالندم على ذلك العمل السيء حاكما على نفسه كما يجب. ونردد عبارة الناس يقولوا شنو؟

لا نُربي على الشعور بالمسؤولية، ويتقلص دور الأنا الأعلى. ولا تعطي فرصة جيدة للضمير بأن ينمو طبيعيا. وهنا سؤال كيف يتحول التدين والأخلاق إلى جزء أصيل وطبيعي في شخصية الفرد، حتى دون النظر للثواب أو العقاب؟

كنت محظوظا وشقيا في نفس الوقت، فقد تعرفت - مبكرا أو في سن مناسبة - على (سلامة موسى) عام 1958م مع زميلي (محمد عبدالله) الشهير بـ (العقلي)، ولا أتذكر جيدا هل عثرنا على الكتاب الأول في مكتبة المدرسة أم خارجها؟ وقد نبهنا للشخصية الاهتمام الكبير به حين توفي في أغسطس 1958، أي بعد شهور قليلة من التحاقنا بالتعليم الثانوي (هو من مواليد 1887م). وهذا يعني أن المكتبة المدرسية كانت غنية ومتنوعة ولا رقابة صارمة عليها. وقد كانت هذه فترة التكوين، لذلك توقفت عند كتابين (تربية سلامة موسى) و(هؤلاء علموني)، وقررت أن يكونا الأساس الذي تقوم عليه تربيتي وتنشئتي. وصار (سلامة موسى) أبي الروحي منذ ذلك الحين، والتزمت بوصاياه وإرشاداته غير المباشرة أي ليست علاقة مواجهة كما يقول علماء الاجتماع، ولكنها بدأت علاقة روحية ونفسية قوية، لأنها عوضتني عن الأسرة والمدرسة.

واتسع التعلم إلى مجالات كثيرة أخرى كنت احتاجها، ولم يكن البيت أو المدرسة قادرين على تلبيتها. فقد كان هو مصدري الفكري الرئيسي لقضايا مثل الحرية، والاشتراكية، وحقوق المرأة، ونظرية التطور. ومن كتبه المؤثرة بالإضافة للكتابين السابقين الأساسين: (ماهي النهضة؟) و(حرية الفكر وأبطالها) و(الاشتراكية) و(برنارد شو) و(كتاب الثورات) و(نظرية التطور وأصل الإنسان) و(مقدمة السوبرمان) و(الإنسان قمة التطور) و(انتصارات الإنسان) و(المرأة ليست لعبة الرجل) و(عقلي وعقلك) و(الأدب والحياة) ثم توقفت فترة عن متابعته ولكن وجدت عناوين تناسب العمر، مثل: (حياتنا بعد الخمسين) و(فن الحياة) و(الشخصية الناجعة).

لم أكن انطوائيا ولكن تمردي المستمر يجعل اندماجي أو دمجي الكامل في شلة صداقة صعبا. وإن كان أستاذ (العقلي) تخيل مجموعة متمردة كان ينسب لها التهريج والرفض، ويجملها في قوله بفصحى مضحكة: "أولاد القضارف تربية وسخة!" ويرجع ذلك لأنه اكتشف مجموعة -ليست كلها قضارفيين- تجلس في الخلف وتغني: ياسمسم القضارف الزول صغير ما عارف! وتضرب بأقدامها على البلاط، أثناء الحصة "المملة". ولكن لم يجذبني انتباهي أو احترامي أي معلم في المرحلة الثانوية، واعتبرت المدرسة معسكرا للاعتقال يقوم بعملية تشويه للشخصية. ولذلك، كنت في حالة صدام مستمر ومبكر ضد أقوى مؤسسة تحاول احتواء قدرات الشباب وطموحاتهم، وقمعهم قبل أن "تقوم ليهم ضنيبات قش" - كما كانوا يقولون - فقد رفضت تربية التلقين والترديد والحفظ، أي سلطة المعلم. مما كان يعني التشريب (indoctrination) وعدم التساؤل والتجريب والشك. وهدف هذه التربية هي التنميط وبالتالي الخضوع والطاعة والامتثال. وكان عليّ في تلك السن المبكرة أن أتحمل تبعات التمرد والخروج عن المألوف .. كان عقلي الباطن يشتغل بطريقته الملتوية، فقد كان يقاوم تلك الحياة التي يرفضها بذلك الشكل، من خلال المرض المستمر. وصار الصداع النصفي رفيقا ملازما للفتى منذ سن الخامسة عشر، يشغله عن الاندماج الكامل في الحياة. وكان نوعا من الحرمان، جعله في وضع قلل من طموحه، وشعوره، وإطلاق قدراته الدفينة. وعقّد المرض وضعه أكثر، فقد صار ضعيفا وناقص النمو وسيء المزاج سريع الغضب. فقد كانت نفسه تكبر وتنمو بسرعة، بينما كاد نمو جسمه يتوقف في ذلك العمر. وذلك، لكي ينطبق عليه مستقبلا قول المتنبي حرفيا:

وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرامها الأجسام

وكان من الممكن أن يترك فيه الجسم الضئيل عقد نقص دائمة، ولكن حدث العكس، فقد عمل على اكتساب شجاعة أخلاقية ومعنوية تعوضه قوة الجسم والعضلات. وكان لابد أن يكون واثقا من نفسه، إذا أراد فعلا أن يواصل ميله للاختلاف، وأن يطرق السبل الصعبة والجديدة. ووعى أن أي شخص يختار حياة المغامرة والتحدي، ويرفض السهل والبدهي والسائد والمطروق؛ أن تمتلئ نفسه بالثقة. وحفظت قول الإمام الشافعي:

"فأنا إن عشت لست أعدم قوتا وإذا مِت لست أعدم قبرا".

كانت لجيلنا طقوس انتقال حياة فرضتها حقبة الحركة الوطنية والنضال ضد الاستعمار. إذ يفترض في هذا السن ومباشرة مع ولوج المرحلة الثانوية، أن يحدد انتماءه السياسي. ويكاد الخيار - أو التجنيد كما يفضلون - أن يقتصر على الشيوعيين (الجبهة الديمقراطية) أو الاتجاه الإسلامي (الإخوان المسلمين)، أما المستقلون فهم مجرد (بيبسي كولا) ليست لديهم إيديولوجيا. وحين دخلت في صيف 1958 مدرسة التجارة الثانوية بالخرطوم، لم انتظر التجنيد، فذهبت أبحث عن (الجبهة الديمقراطية) وهي المدخل الطلابي الذي يقود إلى (الحزب الشيوعي). كنت قد تكونت يساريا - لو صح التوصيف - أو على الأقل مؤمنا بالانحياز للفقراء وبالعدالة الاجتماعية، ومعجبا بالمناضلين ضد الظلم والقمع. وكان ذلك بتأثير من أهلنا العمال العائدين من مصر وكتبهم. لم يكن للنقاش والحوار الفكريين أي دور في العملية. ولذلك، فإن وصفه بالتجنيد، بما تحمله الكلمة من دلالة عسكرية، هو وصف دقيق للعملية التي لا تتم بالإقناع والحوار. فقد تتدخل عوامل الصداقة أو القرابة أو الجوار في الانضمام للتنظيم. وهنا تكتمل عملية "تأميم" مبكر للعقل الشاب الذي يصبح ملكية مطلقة للتنظيم. وتتم عملية إعادة تنشئة وتربية جديدة، تكمل مهام الأسرة والمدرسة في تعطيل ملكات الشك والتساؤل. ويتم تلقين الطالب المجند شعارات ايديولوجية وكبسولات سياسية، يستخدمها في النقاش والدفاع عن تنظيمه. كما يُزود المجند بصورة نمطية ثابتة لما يُصنف كخصم أو عدو.

وتتم بتعصب فائق صناعة صورة "الكوز" أو "الشيوعي الملحد" أو بصورة أقل "المنحل دينيا". وتنقسم الساحة الطلابية إلى فسطاطين متوازيين متعادين. ويصبح العنف الطلابي عاديا، ووارد خاصة عند احتدام المواقف ومعارك انتخابات الاتحاد. وينتقل هذا السلوك المتعصب لاحقا إلى ما يسمى بالأحزاب العقائدية، ويشكل رؤاها. وهذا ما جعلها لا تركز كثيرا على التثقيف السياسي، ولا على التفكير في مضامين العقائد والايديولوجيات. وصارت الجامعات مرتعا خصبا للعنف والتعصب، وتحول كثير من طلاب (الإخوان المسلمين) إلى كوادر الأجهزة الأمنية حين استولوا على السلطة. وكان مهندسو فكرة (بيوت الأشباح) من طلاب إسلاميين كانوا ناشطين في الجامعات. وقد عرفنا أسماء مثل (الطيب سيخة) منتقلا معه من كلية الطب. ومازال (الإخوان المسلمون) يفتخرون بفض احتفال الفنون الشعبية بجامعة الخرطوم أو حفل (العجكو)، بالقوة.

ويضاف للسيرة الذاتية للقيادي الإسلاموي (عبدالرحيم علي) أنه كان أول من رمى بكرسي على المسرح. فقد أدخل (الإخوان) فاشية التخلف للسودان وضمن النخبة المحتملة ولذلك عندما حكموا أقاموا نظام (الأمنوقراطية) الذي يرزح تحته السودانيون ربع قرن من الزمان.

انضممت للجبهة الديمقراطية وكان المسؤول عنّا، طالب حقوق من جامعة الخرطوم هو (سعيد محمد أحمد المهدي). ولكن انقلاب 17 نوفمبر 1958 لم يجعلنا نستمتع بعمل سياسي علني. وأتذكر أننا قمنا بدفن مكتبتنا في الغابة المجاورة للداخلية خلف مباني وزارة التربية والتعليم الحالية. ونذهب للاستلاف في أوقات معينة مؤمنة. ولكن يبدو أن (الإخوان) كانوا يراقبوننا خاصة وهم يستيقظون مبكرا. وقد حدثت حادثة مثيرة وكانت لها تداعيات كبيرة. فقد عُرف عن (الإخوان) في إحدى سلوكياتهم الفاشية أنهم يترصدون الطلبة الذين يسكرون ويأتون إلى الداخلية متأخرين ويقومون بجلدهم في مسجد المدرسة. وكان "المذنبون" يقبلون هذه العقوبات تفاديا لعقوبة المدرسة، فيسكتون ولايبلغّون الإدارة عما حدث لهم. وفي صباح يوم ما ذهبت للمخبأ واستلفت كتابا- أذكره حتى اليوم- لـ (ماوتسي تونغ)، عنوانه: (في الممارسة والتناقض)، من مكتبة الغابة. وفي طريقي لمقري في الداخلية اعترضني أحد الإخوان صار ضابطا كبيرا ومسؤولا في هذا النظام (الخير عبدالجليل المشرف) وانتزع الكتاب مني وطلب مني مرافقته للمسجد. وأثناء الشجار حول الكتاب، انتزعت ساعة يده. وفي المسجد استقبلنا (محمد يوسف أبوحريرة) الذي صار سياسيا في الحزب الاتحادي وفاز في دوائر أهله البطاحين وتقلد منصب وزير التجارة في الديمقراطية الثالثة (86-1989) واشتهر بمعاركه مع (الصادق المهدي). وكان ثالثهم (علي عبدالله) - من حلة الدناقلة بحري - وقد اشتهر، رغم تدينه الصارم، بتقليد أغاني الأفلام الهندية والرقص الهندي. رفضتُ المحاكمة رغم التهديد، واستشرت الزملاء بعد أن قصصت عليهم ما حدث، ومنهم (محمد المعتصم) أستاذ المحاسبة المتميز في الجامعات الأمريكية. ورأوا أنها فرصة لكشف (الإخوان) على أن أتحمل النتائج من عقوبة مدرسية. وبالفعل شكوتهم للناظر (الغزالي السراج) وعمل بطريقته "المشقنبة" - كما كنا نسميها - من الموضوع فيلما مثيرا وتم "ضرب وكر إرهابي للإخوان". جُلدت، وتم فصل الطلاب الإخوان لفترة محددة (suspension). وتوقف عنف وإرهاب الإخوان في المدرسة.

كان علىّ انتظار المفاجأة، فقد اعتمد (السراج) على هذه الحادثة في تصنيفي سياسيا. ولذلك، بعد اشتراكي في إضراب ومظاهرات أهالي حلفا ضد التهجير عام 1960 كنت من أوائل المفصولين، رغم أنني لست حلفاويا، ولكن باعتباري شيوعيا حسب حيثيات الناظر السراج. وأمضيت زمنا عصيبا خارج المدرسة والداخلية، ولم أكن قادرا على الذهاب ل(زالنجي) حيث نقل والدي. وكان فصلي سيؤكد كلام الأستاذ (محمد زين) بأن مستقبلي سيضيع في الشيوعية. وكان عمي (حسن بدري) أو (ود الفقرا) دائما يحميني في مثل هذه المواقف الصعبة مستخدما كل قدرات (البوليس السري) أو رجل المباحث. فقد كتم الخبر جيدا عن والدي، واسكنني في بيته بالإشلاق الغربي، الضيق مساحة والشاسع حبا وودّا. وأخيرا، جاء الفرج قبل نهاية العام الدراسي بحوالي شهر. وفي هذه الفترة تركت الجبهة الديمقراطية غاضبا بسبب المعاملة غير المتساوية بين المفصولين. فقد عشنا ظروفا صعبة وتجنبنا العودة إلى أسرنا في الأقاليم وقررنا البقاء في العاصمة انتظارا لعفو أو قرار جديد. وحظي بعضنا باهتمام زائد من قبل التنظيم، وبقي آخرون مشردين. كان معنا في المجموعة (الهادي محمد المواق) وله قريب من كبار العسكريين أظنه الأميرلاي (محمد إدريس) فتوسط للهادي، فقد انطبق علينا القرار بالعودة على أن نجلس للامتحانات النهائية فورا. وهذا مطب خبيث من إدارة المدرسة لأنه في حالة الرسوب، سيتم فصل كل الذين رسبوا في ثلاث مواد أو أكثر. وهذا فصل لسبب أكاديمي لا يُرد، وقد كنت محظوظا إذ نجحت في الامتحان ونُقلت للسنة التالية. ولكن (السراج) روج لتهمتي بالشيوعية، وحتى عندما جئت متدربا معه في المدرسة من (معهد المعلمين العالي) مطلع عام 1964 ظل يلاحقني بسؤال أمام الملأ:

ياحيدر رأسك الكبير دا مليان شيوعية لسه ولا بقيت عاقل؟


كانت حياتي في المرحلة الثانوية معركة مستمرة لم تهدأ، ولكنها كونت لديّ الشخصية الحالية، التي يراها المهذبون غريبة بينما يطلق عليها الكثيرون ما يعنُ لهم من الأوصاف والصفات. وفي إحدى المرات سأل بعض الحزبيين المرحوم (الشريف زين العابدين الهندي) عن شخصي، ولأنه فنان اكتفى بالقول: "دا معروف ماسوني"!

والسودانيون لديهم قول شائع: "خالف تُعرف أو تُذكر" وهذا حكم يقع ضمن قانون الضبط الاجتماعي (social control)، تقصد بها الجماعة أن تلجم الاختلاف وأي نوع من الخروج عنها، باعتباره مجرد حب ظهور واستعراض، وليس دليلا على الإبداع والاستقلالية والتجديد. وهكذا يتم التطويع وتدجين الفرد لكي لا يجرؤ على الاختلاف والتمرد والخروج.

كنتُ أتعمد استفزاز المُستقر والسائد، أو بالأصح كل ما هو عادي وراكد في نظري. كان سلوكي كله يُعتبر غريبا حتى لبسي أو مظهري عموما، وشعري المُهمل، والكارثة أنني لم أكن وسيما أصلا، فاكتسبت في المدرسة وخارجها بصفة "المبشتن". ويضيف لها البعض بقصد إغاظتي، صفة "الشين". ولم يكونوا يدرون أن هذا ما كنت أريده - ألّا أكون شبيها بالآخرين - أي الخروج من النمطي (stereotype) المريح لهم. وقد طالت ميول الغرابة والخروج - كنت لفترة معجبا بالخوارج والقرامطة - حتى كتاباتي، ونقاشاتي، وعلاقاتي الخاصة - صداقات أو خصومات - وبالمناسبة تخاصمت مع أحد الزملاء - لسبب تافه - منذ سنة أولى حتى تخرجنا. وقد صار ضابطا عظيما - كما يقولون - وورد اسمه ضمن بدائل قيادة مجلس الانقلاب الحالي. وكانت لديّ صحيفة حائطية، امتداد لهواية (القضارف الوسطى) أعرض فيها أفكاري وهي غالبا مقتبسة أو متأثرة ب(سلامة موسى)، ولكنها غريبة على السودانيين في تلك السن والفترة الزمنية. وفي الجمعية الأدبية، قمت في إحدى المرات بتنظيم مناظرة دعوت فيها إلى إبقاء البغاء وليس الغاء البغاء، باعتبار أن ذلك يجعل الرذيلة مكشوفة كما أنه نوع من التنفيس وتبادل المنافع رغم الاستغلال المادي للمرأة ولكنها مرحلة ضرورية في مجتمعاتنا. وذلك كنوع من التجاوب مع نقاش في الصحف ومجلس بلدي الخرطوم، طُرحت فيه المشكلة. وكان المشرف على الجمعية الأدبية، هو الأستاذ (إبراهيم علي) من (محس توتي)، والذي كان شديد الاهتمام بأناقته، حيث يرتدي كثيرا بدلة كاملة، بيضاء ناصعة، ويضع في الجيب منديلا أحمر قاني ملفوف بعناية. فقام باستدعائي، وقال لي بلطف معروف به: "أنا مابرضي ولدي يقول كلام زي ده" (يقصد تشابه اسمه مع اسم والدي). ولكن الحصل حصل، وقلت ما أريد.

كانت لي جولات مع مولانا (يوسف الخليفة عبدالرحمن) والذي كان يحفظ بعض شذرات من علم النفس ويصر على كلمة (سايكولوجي) ليرفع قيمة ما يقول. وتركز علمه نفسه على موضوعات فرويدية، دون قصد منه. فقد كان موضوعه المفضل هو مضار (العادة السرية) أو (جلد عُميرة) حسب لغة الفقهاء. وكانت المناقشة فرصة للتهريج وبعض الابتذال الذي لم يكن يقمعه. ويحاول استمالتي درءا للمضايقة، وقد نتخاشن في سفرة الطعام وأحرد العشاء، فيرسل لي سندوتشا ويسألني اليوم التالي: "وصلك الأكل أمس"؟ فأجيب: "بنعم"، فيردد بامتنان: "قلبي على ولدي وقلب ولدي علىّ حجر".

ولكن القصة الطريفة كانت عقب نتائج الشهادة الثانوية، فقد حصلت على الامتياز الوحيد في اللغة العربية. فكان تعليقه: "يا كمال وجعفر كنت متوقعكم أنتم تجيبوا النتيجة دي تخلوها لحيدر الصعلوك". وجاءني الخبر سريعا في المحطة الوسطى، فتأبطت شرا وسريعا عُدتُ إلى المدرسة، ورآني من بعيد في الممر ليصيح: "أنا عارفك مع شيطنتك ديك حترفع راسنا في الآخر"!

كانت معركتي الكبرى مع الأستاذ (محمد علي يوسف) وهو شخصية طريفة وشديدة التناقض، يقال أنه كان متميزا في الكلية. ولكنه نموذج لتساكن الحداثة والتقليدية في شخص واحد. فقد كان مطلعا على الكثير من العلوم والآداب باللغتين، ولكن في المساء يربط الحزام الجلدي ويذوب في الذكر في جامع (الشيخ قريب الله) في (ود نوباوي) ويقبل أبناء أولاد الشيخ الصغار عندما يزورونه في المدرسة. ألف كتابا ردا على الأستاذ (محمود محمد طه) بعنوان: (مع نبي آخر الزمان). كما أصدر كتابا آخر عنوانه: (الجفوة المُفتعلة بين العلم والدين). وكنت أناقُشه بجُرأة يستغرب منها خاصة حين تمس ثوابته. وكان في الـ (assembly) اليومي قبل الفطور يعلن: "في واحد حمار في تالتة غرب كان ناقشني حول نظرية التطور يجيني بعد الفطور". وغالبا ما يستمر نقاشنا حتى تنتهي الحصص. وهذا معناه - بكل بساطة - لن أنجح في مادة الدين، أو أحصل على درجات متدنية جدا. ولكن الجميل في الأمر أنني لم أكن اهتم بالنتيجة، ولا أنافس على العشرة الأوائل أو أي موقع متميز في ترتيب الفصل. وهذه فضيلة اكتسبتها بطريقة غير مباشرة عدم المنافسة في أمور الدنيا كلها - كما صرت أقول لاحقا - وكان شعاري الذي أتفلسف به مبكرا عندما يقال لي: شوف ولد ناس فلان جاء الكم، وفيما بعد، عمل شنو أو بنى إيه؟. أرد بحسم: "أنا بقارن نفسي بنفسي وليس بالآخرين".

يقول أدونيس:

"إنه الفجر لا ينحني

لسوى ضوئه"

وظللت حتى اليوم أحافظ على مبدأ اختلافي (وليس امتيازي) عن الآخرين، ولا أفعل إلا ما أنا مقتنع به. وقد جلب لي هذا السلوك والطبع كثيرا من الأعداء والخصوم. ولكنني أردد قول المسيح "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه". (إنجيل متى). وفي مناسبات كثيرة أردد قول الشاعر (أحمد محمد صالح) من قصيدة (فينوس):

هرعوا إليك جماعة وبقيت مثل السيف وحدي

مثل هذه الفردية الشجاعة ليست مستحبة ولا مقبولة في مجتمع تحكمه عقلية القطيع أو (العُشرية) أي العيش في عشيرة أو المعاشرة أو الوجود دائما ضمن ناس. قال أحدهم، أن البطولة خروج عن المألوف وإبداع الذات لأفعالها دون أن تحتاج إلى علة أخرى. وفي فترة المراهقة يميل الشباب نحو الشلل والجماعية، وقد مثلت التنظيمات السياسية وعاء يستوعب طاقات الشباب، وهذا ما يبرر ظاهرة التجنيد في أحيان كثيرة. وبعد أن تركت (الجبهة الديمقراطية)، اقترحت على زميل لي، هو (بابكر عبدالله) والذي صار تشكيليا مرموقا، أن نكون جماعة (الخياميين) نسبة لـ (عمر الخيام). فقد قرأنا عنه في كتاب أدب كان مقررا علينا في السنة الثانية. وهو كتاب (إبراهيم عبدالقادر المازني) المسمى (حصاد الهشيم). وقد قرأنا فيه أيضا، نقدا جيدا للشاعر (ابن الرومي).. كما قلت سابقا، فقد شهد سودان ما بعد الاستقلال حالة من تفكك المجتمع أو اللامعيارية أو (الأنومي) (anomie)، وفي هذه الحالة تبدأ القيم القديمة في الانهيار ولا تتمكن الجديدة من أن تحل محلها لأنها لم تكتمل وتتبلور بعد. وقد عشت هذا الخلل القيمي والأخلاقي واقعيا، في حياة المدارس الداخلية. فقد ترسخت ظاهرة المثلية أو الشذوذ الجنسي المؤقت كما يمكن أن يسمى. فهي في كثير من الأحيان تنتهي عند كثيرين بعد التخرج والانتقال لمرحلة عمرية وحياتية تالية. وسبق أن تعرضت بصورة عامة، للظاهرة في قسم سابق عن حياة المدينة. ولكن هذه تجربة حية لاحظتها بصورة يومية لصيقة، وسبرت أغوارها، ثم لاحظت لاحقا كيف أثرت على حيوات الكثيرين ضمن الإنتلجنسيا السودانية. فقد دخل العديدون الحياة العامة بعُقد نفسية وضعف في الشخصية، وقد انعكس ذلك على سلوكهم حين تقلدوا المناصب ووضعت مسؤوليات ومصائر هذه الأمة في أيديهم. هناك عقدتان لازمتا أغلبية الإنتلجنسيا السودانية "فوبيا المثلية" في مرحلة المراهقة، بالإضافة لخطر رواسب "العبودية". وهذه تظهر عندما يرغب المرء في الزواج من خارج جماعته القبلية ويخشى تهمة رائجة، تقول: "فلان فيهو عرق". وهذا يعني أن أصوله البعيدة لم تخلُ من تمازجات المستعربين والسكان الأصليين.

هذا، وقد أثّرت "فوبيا المثلية" على التحصيل العلمي لكثير من الطلبة الأذكياء والنُبهاء، خاصة لو حباهم القدر بوسامة أو حُسن. فكانوا يعيشون حياة قلقة ومتوترة خشية "البوظان". وكان الكثيرون يخضعون لابتزاز وتخويف مستمرين من بعض كبار السن أو أصحاب المنعة في الجسم. ويصرفون جهدا عظيما في سبيل أي حياة عادية غير مهددة بعدوان أو "إغواء"، وكان يمكن توجيهه نحو المذاكرة أو حتى الهوايات. وكان بعض الأساتذة أصحاب ميول مثلية واضحة، وللمفارقة معروفين ويعدون من الظرفاء لأنهم يعبرون عن هذه الميول شعرا أو في طرائف ونكات وقصص تروى عنهم أو تنسب لهم. ومن بين الأساتذة الأجانب أيضا، فقد اشتهر في عصرنا مستر هندل وقبله يودال. ولكن لهندل مصطلحات لتحديد المستهدفين، يسأل (Is he a policeman?). لقد مثلت هذه الظاهرة نزيفا اجتماعيا ونفسيا هائلا لأجيال المستقبل. وقد لاحظت تساهلا في الثقافة العربية-الإسلامية في بعض عصورها تجاه هذه الظاهرة. وقد صُعقت لهذا التقليل من خطورة هذه الرذيلة، حين قرأت قول الذهبي عن الخليفة الأموي الوليد بن يزيد بن عبدالملك: "لم يصح عن الوليد كفر ولا زندقة، بل اشتهر بالخمر والتلوط، فخرجوا عليه لذلك". (السيوطي: تاريخ الخلفاء. بيروت، دار القلم، 1986:285). أيهما أسوأ الأول أم الثاني؟ وقد لاحظ الناس هذه التحولات السلبية. ففي مُرافعة (عبدالخالق محجوب) في المحكمة العسكرية يُحمّل النظام الدكتاتوري القمعي مسؤولية غياب الجادة وبالتالي تهيئة المناخ للانحلال الخُلقي وكل أشكال التفسخ، يقول: "إن الذين يحاربون الفكر الماركسي ويبنون بليل جهاز دولة بوليسية ويتفننون في التشريعات ضد "المبادئ الهدامة" كما يقولون هم الذين أيضا يسمحون بأن تجري تحت أعينهم وسمعهم عمليات هدم تقاليد السودان. فالانحلال الذي طغت موجاته في المدن لا يجد علاجه بل هو في نطاق القانون. وإحراز كتاب ماركسي مدعاة للحجز في السجن التحفظي والتقاط صور البصمات، بينما يلاقي من ينشرون المبادئ الخليعة يتغنى بها الشباب في الأماكن العامة، مثل: "يااستاذ بالقزاز- وفي الدروس مافيش ممتاز- والبجينا نصيبُه عكاز" - "ويا سحسُوح جيناك" يلاقي هؤلاء حماية القانون لأنهم ضمن تقاليد السودان. أية سخرية وأي قلب للأوضاع هذا؟ لم يقف الفكر الماركسي في السودان موقفا سلبيا أزاء الانحلال الذي بدأت موجاته تكتسح أوساط بعض الشباب نتيجة للثقافات السينمائية الضارة، وعدم عناية الدولة بهم، والضائقة المالية التي تعانيها البلاد. فعمد الشباب الذي انتهل من منابع الثقافة الماركسية إلى العمل دون ضجيج وساهم في تأليف حركة شباب متسمة بالجد من تعليم ورياضة وفن رفيع". (ثورة شعب، ص 339).

رغم عدم الاستقرار في السنة النهائية ولعنة الصداع النصفي الذي حوّل حياتي جحيما، حصلت على (grade two) عالي ولكن كنت مُلخبط في الـ (boxing) لم يكن هناك من يوجهني أو كان يتوقع حصولي على شهادة جيدة، فقد تُركت للظروف وفوضاي الشخصية وفكرت في الدراسة في الخارج، وكانت روسيا بلاد (بافل) بطل رواية (الأم) لـ (مكسيم جوركي) هي حُلم حياتي. ولكن تضافرت صُدف ومُلابسات جعلتني أتوجه نحو المؤسسة التعليمية الجديدة التي جذبت الانتباه، وهي (معهد المعلمين العالي). وكنت في الدفعة الثانية عام 1962 وتخرجنا عام 1966. وكان مستواه رفيعا، وتشرف عليه منظمة (اليونسكو). ولكن المهم في الأمر، والإغراء الأكبر كان المرتب واحد وعشرين جنيه وريال أو حسب خواجات المعهد (twenty-one point one). وكان ل(علي الخليفة الحسن) فضل غوايتي والتحاقي بالمعهد. فقد أمسك بورقة وقلم ووزّع المُرتب: المجلات والكتب من مكتبة (حامد المطري) بالمحطة الوسطى ومكتبة (النهضة) لصاحبها (عباس أبو الريش) جنوب الجامع الكبير، وحفلات المقرن ب(عثمان حسين) و(إبراهيم عوض)، ومباريات الهلال بـ (صديق منزول)، وفول مطعم (الاستقلال) أو كبدة (علي السيد) ومطعم (باندونق).. ونسي (علي) السفر، فقد كنت أصرف مرتب العطلة الثلاثة شهور الصيفية، مقدما وأكتب توكيلا لمن يصرفه أول كل شهر. وكان الجنيه السوداني يساوي ثلاثة دولارات وثلث الدولار أو جنيه وربع استرليني.

ظللُت مستقلا عن التنظيمات السياسية ولكنني أصوت لقائمة (الجبهة الديمقراطية). وكنت أصدر بمفردي صحيفة حائطية أسميتها (الحقيقة) وأوقع على مقالاتي بـ (الباحث عن الحقيقة) أو (الباحث الصغير). يقال أن بوذا (480-536) وهو أمير ترك القصر الملكي ليجوب الدروب بحثا عن الحقيقة، فلم يجدها الا بعد وقت متأخر تحت شجرة تين أثناء تأمله. ولذلك لقب ببوذا وهو لقب يطلق على الشخص الذي توصل إلى الحكمة والمعرفة التامة. أمّا أنا، فقد داهمتني الوجودية ومعها حب الشعر، فتعرفت على الفلسفة الوجودية من ترجمات (سهيل إدريس) و(جورج طرابيشي) من دار الآداب اللبنانية ببيروت. أما الشعر الحديث فقد كان للدكتور (محمد زكي العشماوي) أستاذ النقد الأدبي، فضل تعريفنا بالشعراء الجدد. وصرت أعرف دواوين الرواد أمثال (بدر شاكر السياب) في ديوان (أنشودة المطر)، و(عبدالوهاب البياتي) في (الذي يأتي ولا يأتي)، و(صلاح عبدالصبور) في ديوان (الناس في بلادي)، و(أحمد عبدالمعطي حجازي) في (مدينة بلا قلب) وبالذات قصيدة (الطريق إلى السيدة) و(نزار قباني) في (طفولة نهد).

تلقيت العلم في المعهد على أيدي كوكبة من أفضل المربين من أصحاب العلم والخلق من سودانيين وأجانب. ففي اللغة العربية حُظيت بالتعلم على يد الدكتور (خليل عساكر) في العروض ومقدمات اللغات السامية، والأستاذ (محمد محمد علي) والذي درسنا المتنبي وخمريات أبي نواس، وشعراء الخوارج بمتعة فائقة. ويُضاف لعلمه شخصيته المتمردة الرائعة، وهو شاعر مُجيد غنى له (عبدالعزيز محمد داؤود) قصيدة (هل أنت معي) أو (همسات من ضميري الغيب) والتي يقول في أحد مقاطعها:

سكر السُمار... والخمار في حان الغرام

أنا الصاحي أرى في النور أشباح الظلام

وغدت كأسي على راحي بقايا من حطام

والتي يختمها:

عادني الوجد إلى ليلي.. وكأسي المـترع

وسعير الشوق يشقيني ويقضي مضجعي

ولهيب الشوق يدعوني فهل أنت معي؟

وفي الأدب الإنجليزي كان مستر (آتكنز) يلاحقنا بالكتب للقراءة والتحليل، حتى حوّرنا أغنية (ابن البادية): "مع إشراق صباحك تلقى عذاب جديد"، إلى: "مع إشراق صباحك تلقى كتاب جديد"! فقد تعرّفنا على: شتاينبك، وفوكنر، وهمنجواي، وموم حتى مسرحية (دكتور فاوست) لـ (كريستوفر مالرو) (1564-1593).

كانت موضوعات التربية وعلم النفس، جديدة وممتعة. وقد درّسنا إياها، الأمريكي (كوينلاند) ومحمد التوم التيجاني، ومحمد خير عثمان، ومحمد علي العريان. وفي التاريخ، كان بالإضافة لمستر (سميث)، دكتور محمد علي مختار، وعبدالوهاب أحمد عبدالرحمن، والسر عثمان، وعلي محمد علي. وفي الجغرافيا، حظينا بالأستاذ النابغة والفوضوي الكبير (عبدالله زكريا). وكان يتدفق علما ورفضا وتمردا. وحين كان يحضر معه (جمال حمدان) عام 1968 باعتباره من أذكى الطلاب على الإطلاق الذين درسهم. ولكن صداقته وسهراته مع الضباط الليبيين ناس (أبو بكر يونس) و(عبدالرحمن جلود) الذين كانوا في دورة تدريبية باكاديمية ناصر العسكرية، صاروا بعد فترة أعضاء مجلس قيادة ثورة الفاتح من سبتمبر 1969. فاستعانوا بصديقهم لمعرفته باللغة الإنجليزية، فاصطحبوه للترجمة في صفقات السلاح. هكذا صار يملك أسرار الثورة، وعندما كنت بجامعة طرابلس كان يسكن في مقر القيادة العامة تجنبا لاختلاطه بالسودانيين. وحين يرغب في الأنس مع أصدقائه تحضرهم له القيادة بسيارات الجيش وترجعهم إلى منازلهم مهما كانت ظروفهم. وصار عبدالله عراب اللجنة الثورية في السودان، وقد يظن البعض أنه انتهازي لعلاقته مع حكم العقيد. ولكنه وبابكر كرار من أنزه السودانيين وأطهرهم. كانت لديهم أفكار ظنوا إمكانية تمريرها من خلال القذافي.

عاصرت حادثة الطالب (شوقي محمد علي) التي أدت لمؤامرة حل الحزب الشيوعي السوداني. فقد كانت استراتيجية (الإخوان المسلمين) بعيدة المدى، تركز على التعليم كوسيلة فعّالة في التمكين المقبل. وكانت كوادرهم مثل (علي عبدالله يعقوب) والذي تزوج - فيما بعد- زميلتنا في الفصل نفسه (حكمات حسن سيد أحمد)، بالإضافة لـ (سعاد الفاتح البدوي)، يترددون على المعهد بانتظام. وكان العميد، رغم أنه بعيد عن الإخوان، يشجع محاضرات (سعاد) ويعطيها فرصا كثيرة. وقد كانت شديدة الاستفزاز في حديثها وتكثر من كلمات مثل: أتحدى لو... وقد استجاب (شوقي) لأحد تحدياتها وقال ما قال. ولكن سذاجة المؤامرة، في كون رد فعل تجاه استفزاز المشاعر الدينية يتم عفويا وفي نفس اللحظة. ولكن نخوة الإخوان وحميتهم لدينهم، ظهرت اليوم التالي وعند صلاة الجمعة. ومن مظاهر الوجود الإخواني في المعهد وكلية التربية لاحقا، أساتذة مثل (مندور المهدي، مالك بدري، محمود برات، محمد إدريس ..) وغيرهم ممن قدم في فترات لم نتابعها.

كانت المفاجأة التي أدهشت الجميع، هي حصولي على درجة امتياز في التاريخ مما يعني إمكانية تعييني مُعيدا في القسم. ومن أهم أسباب حصولي على تلك الدرجة، هو أنني كتبت بحثا متميزا عن ثورة 1924. وكسبت خبرة جيدة وعلاقات مفيدة، فقد أجُريت مقابلة مع الضابط السابق (زين العابدين عبدالتام) وكان قد حمل رسالة ومعه (محمد المهدي الخليفة عبدالله) من حركة (اللواء الأبيض) لمصر. ولكن تم توقيفهما في حلفا. وقد عرفني على ابنه الدكتور (عبدالوهاب زين العابدين) حين رآني أشكو من الصداع المزمن. وذهبت للشخص الرائع (عبدالوهاب) وتحولت سريعا من مريض إلى صديق. وكان يستقبل الجنوبيين وفقراء المدينة مجانا في يوم مخصص لذلك في عيادته شرق مطبعة (التمدن) وغرب موقع البنك الصناعي الحالي.. وفي نفس موضوع البحث، ذهبت ل(صالح عبدالقادر) في صيدلية (العاصمة المثلثة) بجوار مدرسة الخرطوم شرق الأولية (الآن جنوب برج البركة). وقبل أن أكمل شرح سبب قدومي، صرخ فيّ: مسكّوكُم في ثورة 24 بدون فهم يلا أمشي من قدامي. واستغربت من هذا الموقف، ولكن زال استغرابي عندما علمت أن أحد المعاصرين لتلك الفترة ويدعى (التهامي) وهو عامل في الري المصري، كان يروج معلومات سالبة عن دور (صالح عبدالقادر) في الحركة.

كان لي متعة وشرف الزمالة والصداقة لعدد من البشر النبلاء وقد استمرت العلاقة حتى اليوم. ومن هؤلاء: عبدالعزيز محيي الدين، وأحمد الشيخ البشير، وعبدالحميد محمد بخيت، ومنى كنتباي، وإدريس عوض الكريم، وعبدالسلام الشريف، والمرحوم محمد أدروب أوهاج.

شارك الصفحة

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟