حيدر إبراهيم علياقرأ السيرة الذاتية
أزمنة الريح والقلق والحرية

الفصل السابع: الأمكنة ولعنة السفر والمنافي

المحتويات

نعمل - نحن أسرة حيدر ابراهيم - على إتاحة كتبه جميعها مجاناً للمنفعة العامة ومواصلة مشروعه التنويري. تبقى جميع الحقوق محفوظة ويمنع طبع أو نشر الكتب الا بموافقة مكتوبة.

" القبارصةُ ارتحلوا منذ قرنٍ،
ولكنهم يسكنون
القناني التي احتفظت باسمِهِم "

(سعدي يوسف)

حاولت أن أبعد عن روحي إحساس السفر والفقد والمنفي، فكنت أردد مع (درويش):

"وطني ليس حقيبة وأنا لست مسافر"

ولكن قذف بي قدر إغريقي أعمى، خلافا لأمنياتي، في المنافي، وصار الوطن حقيبة أحملها في حنايا قلبي، وليس على ظهري، ثم أرميها أو أقذف بها بعيدا في أي لحظة تعب، أو ضيق، أو غضب، أو إحباط. وهذه مأساتي الخالدة مع الغربة والمنفي، فهي حياة برزخية بمعنى آخر غير الذي يردده الصوفيون. أن تعيش في الهامش أو على الحافة، بينما لا يفارقك الوطن - الطيف لا الأرض والمكان. وهذا شوق وصبابة لا يعرفها إلا من يعانيها، وتفسدها محاولات الوصف مهما كانت بليغة ودقيقة. ويقول الوجوديون: "لا يشعر بشعور الشخص إلا الشخص نفسه". وهكذا صرت أحمل وطني في داخلي بكل أخبار فوضاه المتزايدة، وإحباطاته اليومية المتراكمة، ومعاناته التي لم تتوقف. ويمتد الزمن بي في جحيم (دانتي) هذا، ولا يتناقص الألم ولا ينحسر الأسى، رغم أنه يقال: "أن طول الجُرح يغري بالتناسي". وصرت لا أدري إلى أين اختفى هذا الذي يسمونه "المستقبل الأفضل"، أو على الأقل صار أقرب إلى الأشباح البعيدة. ولم أعد أردد قول (ناظم حكمت) المليء بالغد، والوعود، والكرنفالات: "أجمل أيامنا لم يأت بعد. وأجمل الأطفال لم يولد بعد".

صرت أميل أكثر في تحسس ووصف مزاجي، لما قاله (بورخيس) في كتابه (صنعة الشعر): "سأقفز الآن عبر السنين وسأذهب إلى جنيف. لقد كنت آنذاك شابا تعسا جدا، أفترض أن الشباب مولعون بالتعاسة: يبذلون أفضل ما في أنفسهم ليكونوا تعساء، ويتوصلون إلى ذلك في الغالب". وتخلت عن تفكيري حالات يقال أنها تجلب "السعادة" مثل "الاستقرار" - الكلمة التي أبغضها شديدا - وغيرها مثل: "الرفاهية" و"الغنى" و"الراحات" أو ما يدعوه الشباب ساخرا: "الترطيب" أو "فلان مرطب". فبالنسبة للاستقرار لابد من مكان ثابت نسبيا، ولكن إحساسي بالمكان ضعف، بسبب كثرة الحركة والتنقل. وصار إحساسي بالزمان أقوى من الشعور بالمكان والفضاءات الجغرافية، كما أنني صرت مدرسا للتاريخ. وصرت أعكس قول (أدونيس) "ابتكر كلمات للمكان، تصير زمانا". كان عليّ أن أسكن الكلمات أو اللغة، فأحوّل "الآن" إلى رقعة أرض. وأميل لمفهوم "الزمكانية" الفلسفي الغامض. ومن سلوكي الغريب، أنني أؤسس مكتبة في غرفة الفندق خلال الثلاثة أيام التي أحضر فيها فعالية ما. وكنت أجد في نفسي الكثير من الغجر والبدو والرحل، وأتذكر دوما أسطورة الغجر الطريفة عن أصلهم، تقول بأنهم كانوا طيورا وفي إحدى المرات جاعوا، فهبطوا في حقل وأكلوا حتى شبعوا. وكان الحقل مليئا بالطين والوحول، وحين حاولوا الطيران مجددا عجزوا عن ذلك بسبب ثقل الطين وشبعهم، فمكثوا على الأرض وفضلوا الترحال والتنقل بعد فقدان القدرة على الطيران.

ويقول الهمباتي، وهو بدوي في الأصل، ممجدا الهجرة والحركة:

الولد البدور يشكر
يمرق ردو في بلد العدو ويتوكر
ياجاب رضوة الليهجو مسكّر
يا أب رسوة فوق أكتافه توتل وسكّل (أي ثكله)

يذخر الفن السوداني بأغاني القطارات، والسفر، مثل: القطار الشالك ينكسر عجلو، أو القطار المر مر فيه حبيبي، القطر القطر شيلت حبيبي ونويت السفر، أو من الاسكلا وحلّ قام خلي البلد ولي، أو زولا سرب سربه وختة الجبال غربا، أو والله نحن مع الطيور الما تعرف ليها خارطة ولا في أيدها جواز سفر. ومن جاذبية العمل في الحكومة، كرمها في استخراج "تصاريح السفر" والتي تحول للأهل البعيدين والأصدقاء، ويستعملها أناس غير مستحقين لها أو "التمرغ في تراب الميري".

لابد من التوقف لرصد جذور القلق وحب التنقل والحركة في شخصيتي. فقد تضافرت عوامل الوراثة (الجينات)، مع الثقافة (الاكتساب) لتحديد علاقتي مع المكان. فالقبيلة التي أنجبتني فيها - الصدفة - وهي (الشايقية)، رغم أنها ليست بدوية مترحلة، وقرب النيل، فهم كثيرو الحركة، ومقاتلون لا تنقطع غاراتهم على جيرانهم. ورغم اكتسابهم شهرة الزراعة والطين، إلا أنهم استخدموا سيطرتهم في استغلال جهد الآخرين، الرقيق والعرب الرحل. فهم ليسوا فلاحين أصيلين - كما نظن - وحاول (إسماعيل باشا) إجبارهم على أن يتحولوا لفلاحين صرفين أي التخلي عن خيولهم وأسلحتهم ورفضوا الشرط الأخير، وفضلوا مقاومة الأتراك، فقد رأوا في ذلك هوانا، وقالوا شعرا في هذا الوضع:

الباشا علمنا الهوان وحمانا لدات العنان (أي الخيول)
نتلاقا بسيوفنا السنان
ويتفرجن معز القنان

(محمد عبدالرحيم، نفثات اليراع، ج 1 ص 17).

وكما هو معلوم، نشبت الحرب، وهزمت الأسلحة النارية، شجاعة الشايقية. وقبلوا بحل يرضى نزواتهم للقتال. فقد تم استيعابهم في فرقة باسم (الباشبُزق)، وعُين المك (بلك باشي). وبعد ذلك حارب الشايقية ضد مواطنيهم السودانيين في حملات الأتراك في أقاليم البلاد. واكتسب الشايقية سمعة سيئة لارتباطهم بأي سلطة مهما كانت. ولكن يقال أنها قبيلة يحارب بعضها البعض الآخر أي موجودون في المعارضات ومقاومة السلطة. وكان منهم (عبدالخالق محجوب) و(خالد الكد) و(كامل محجوب) من قيادات الحزب الشيوعي، يواجهون الجنرالات (إبراهيم عبود) و(حسن بشير نصر) و(أحمد خير المحامي) في الطغمة العسكرية، والطرفان من نفس القبيلة. وعموما فهم غير محبوبين - تاريخيا - بين جيرانهم، لأنهم كثيرا ما يبدون الغطرسة والتعالي وفي الفترة الأخيرة، وبسبب وجودهم الكثيف في أجهزة أمن النظام الحالي، ساءت سمعتهم كثيرا، رغم وجود معارضين شرسين للنظام من نفس القبيلة.

بعد توقف الحروب التقليدية بينهم وبين جيرانهم، خاصة الدناقلة، اتخذ العداء والتنافس، أدوات أخرى مثل شعر الفخر والهجاء وحتى بعد أن هاجروا إلى المدن، وصاروا مستخدمين حكوميين، لم يتنازلوا عن العصبيات القبلية، وهذه منافسة على حب فتاة في (كريمة) تحولت لجاهلية أولى حيث التفاخر بالأنساب والأصول العرقية. فهذا الموظف الشايقي عاد من العطلة، وعلم أن غريمه الدنقلاوي سوف يتزوج الفتاة المحبوبة، فخاطبها شعرا:

حبك الجنن همفرس (خواجة مفترض)
و نحن في حبك ندسدس
قالوا سويتيلك عرس
يابحاري ولا ريس وإن نجح خدام إنجليز

ثم يتحول للفخر بأصوله ونسبه:

نحن شايقية وعبابيس
و نحن فوق البيرق ننكبس
و ما بنخاف نرجع من الميز
و فينا من نائب ومن رئيس
و فينا من غافرينو بوليس (يحرسونه)
و نقرا في كتب الأحاديث

ويرد عليه غريمه الدنقلاوي (عبدالله فضل):

أنت غير حقيقة لسانك طويل
و الصدق منك ألف ميل
في الحرب يوم دق الطبيل
تجروا تندسدسو في الخوير
يشهدن دومات الشكيل ( يقصد مكان هزيمة الأتراك لهم)
بالله غير دناقلة علينا إيش تقول ؟
و البلد ما بتبقه أصل زول
نحن فينا قايد الحرب أب طبول (يقصد الإمام المهدي)
و شيخ شريف جدنا لي البزور.

ويرد (محمد عبدالعزيز):

أنا ما طلعت الصاري ونزل
و ما بجر بالطين الوحل
و ما اتكتفت بي ورق البصل
و ما حلبت التيس الفحل

وتستمر المجادعة الطويلة، وكان يحتفظ بها الأمير (ود أب ريش) وقد كتبتها منه، في أغسطس 1975. وتكاد أسرته هي الوحيدة التي ساندت المهدية بين الشايقية. وكان (علي أب ريش) عامل المهدية في المنطقة، وهو الذي مدحه الشاعر (حسونة)، أمير الشعراء وشاعر العُمد و"الكُبارات"، وكان مادحا مثل المتنبي أو هجّاء، حسب العطاء أو عدمه، قال في (أب ريش):

علي أب ريش شمس الضحا
الخلق ماسكها في رحا (أي يملك المخلوقات في راحة يده)
إن دار يرَيحها وإن دار يكتحها

ولكن في إحدى المرات، أخطأ (حسونة) في حق (أب ريش) الذي غضب منه وأرسل الأنصار لإحضاره، فأحضروه، فوجد الناس المكتفين وآخرين يجلدون، فبادر بالقول:

أنا تبت لله والرسول
تاني حنكي ما ينشق فوق زول
غير علي أب ريش تاني ما في زول
حكمه فوق الحق والأصول
و عند خليفة المهدي مقبول

ويقال إن الشايقية، رغم وجود عدد من العلماء والفقرا من بينهم، لم يكن من الممكن أن يتخلوا عن شرب العرقي، والمريسة، والتنباك، والطنبور، والرقص. وقد حرمت المهدية كل مباهجهم هذه، فكرهوا المهدية وعادوها، من البداية بلا هوادة، مثل قبائل (الشكرية). ويقول شاعرهم الزواري:

يا المهدية حكمك ما بقالي
يا القشرية حكمك ما بقالي
يطير أب رقعة يسكن في الضهاري
و يجي التمباك مدردق بالرحالي
و ينجض شرموطنا بي وسط الجراري ( الجر الزير أوالبرمة التي بها الشراب)
و نطير نندق نصفق للعسالي ( البنات الجميلات)

وعاملتهم المهدية بقسوة مبالغ فيها، إذ يروى أن أمير الخليفة (الزاكي طمل) لو وجد شخصا (سافي تمباك) لا يطلب منه بصق السفة، بل يخرم أسفل الشفة ويخرج منه السفة.

هاجر الشايقية بأعداد كبيرة هربا من المهدية، تاركين سواقيهم وأراضيهم الزراعية، وجاءوا لمنطقة (حلفاية الملوك)، وحدثت نزاعات مع العبدلاب على الأراضي، واشتكى العبدلاب للمفتش وكان جديدا على البلاد ومشاكلها، قائلين: الشايقية ما جابو طينهم معاهم على ضهر خيولهم. وفهم المفتش أنهم ليسوا أهل البلد الأصليين. فقال لهم: خلاص، كل واحد يرجع بلده. ورد عليه أحد أعيان الشايقية (صالح المك): "ما في مانع إنت ذاتك كمان ترجع بلدك زينا!" وسمع السكرتير الإداري بالقصة، فطلب من المفتش عدم الدخول مع الشايقية في مشاكل مستقبلا، وقرر إحالة الأمر لقاض وجاء الحكم في كثير من جوانبه لصالح الشايقية، ساعدهم دفاع (بشير نصر) الذي كان هو و(العطا ود أصول) مستشارين عسكريين للسلطان (علي دينار)، كما كانا بمثابة سفيرين بين الخرطوم والفاشر. وقال في دفاعه، أنهم ملكوا في مروي شرق أكثر من 40 ساقية، وأنهم من حضورهم "كتلنا دابي الطين" أي عمّروا الأرض المهملة. وسجلت لهم أراض شاسعة بدعوى الاستثمار (وضع اليد) والتعويض. واستقروا في الحلفاية، وانتشر آخرون في كل أنحاء السودان، وعملوا في كل المهن ولم يكتفوا بالتجارة مثل الدناقلة والجعليين أو (الجلابة).

أثناء الحكم الثنائي، كان الشايقية من أبكار المهاجرين، ومن طلائع الهجرة الحديثة من الريف، وكان يقع على عاتقهم تحويل تلك المواقع إلى مدن أو ما يسميه علماء الاجتماع والسكان عملية تحضير أو تمدين (urbanization). وعندما يستخدم الصحاب معي المكايدات القبلية، التي تقول: "الشايقي إن نجح للعسكرية وإن خاب - فشل - للطورية"؛ وفي رواية أخرى: "الشايقي إن نجح هجاني (عساكر الهجانة) وإن فشل طياني". وكنت أرد مدافعا ومبررا: بأنهم يقيمون أسس العمران - حسب ابن خلدون - لأن العسكرية شرط استتباب الأمن، أما الطورية فهي للزراعة وبناء حيطان البيوت من الطين أي عمارة الخلا. فالشايقيه مهاجرون ومغتربون من الدرجة الأولى تجدهم في كل بقعة من المعمورة. وإن كان الراحل (عبدالواحد كمبال) في إحدى تجلياته بـ (الرباط -المغرب) قد جردهم من هذه الميزة، حين خاطب بعضهم ساخطا: "أنتو رجال غُربه؟ الواحد يرحل من (كريمة) لأمدرمان، يجرّس ويقعد يغني (يايمة رسلي لي رضاك يحميني من جور الزمان)".

كانت أول هجراتهم مع آبائهم في مطلع القرن الماضي، حين التحق الشايقية المقاتلون في ما أسموها "الحملة" وسكنوا في العاصمة خاصة الخرطوم بحري، بعد منطقة النقل الميكانيكي وقرب حديقة (عبود). وبعد تسريحهم رجعوا لقراهم، ليدخلوا في نزاعات الأراضي و"حقي وحقك" والشكاوى الممتدة العمر لسنين في المحاكم. ثم ضاقت البلاد بأهلها وتبعثر الأبناء من عين شمس في مصر حتى الموردة ولاحقا حتى زالنجي وجوبا. ولكن أهم مجموعة من (القُرير) أثارت اهتمامي تلك التي سكنت (الموردة) في الأربعينيات، ثم انتقلوا إلى (ديوم الخرطوم). وكانت أسرتنا في (الوابورات) ببحري، محطة عبور. فقد سكن معنا لفترة أغلب أخوالي فهم أيضا أبناء عم والدي. كما استضافت قطية (ود بدري) زوج خالة أبي في (سواكن) ووالد العم الظريف (حسن بدري) عددا من القادمين من القُرير والدويمات. ولم تكن المساحة مشكلة لأن العناقريب تتناثر في الشوارع الأمامية، فقد كنا نمتلك الفضاء العام قبل معرفة حظر التجول والطوارئ.

وقد أثار استغرابي تصنيف أحد الزائرين لـ (الخرطوم) القديمة لسكان المدينة، إذ كتب: "ومن مشاهد هذه النزهة التي تجري في الخرطوم في أغلب أيام الأسبوع لعبة الجريد التي يقوم بها جنود الباشبُزق والأتراك والمغاربة والشايقية والأهالي". فقد أخرج الشايقية من جميع الفئات وجعلهم وحدهم، (محمد إبراهيم أبوسليم: تاريخ الخرطوم .. بيروت، دار الجيل، الطبعة الثالثة، 1991، ص 59)

حين جاء جيل الأربعينيات الريفي للعاصمة كان يسعى للصعود في السلم الاجتماعي وكان التعليم الحديث وليس الخلاوي هو تلك الرافعة. وكانوا يحلمون بمواقع الأفندية والتمرغ في تراب الميري. سكن أغلبهم (الموردة) بسبب وفرة المنازل رخيصة الإيجار والسماح بالتقاسم وكونهم (عزابا) كما أن وسائل الترفيه المحببة للقرويين كانت متوفرة في محيط الحي. كانت هناك المقاهي ومن أشهرها قهوة (عطا الله) وسوق الموية - مقاهي (جورج مشرقي) و(يوسف الفكي)، والسينمات مثل (برمبل)، و(بانت)، و(الوطنية)، والأنادي وبيوت الهوى بعضها خلف السينما الوطنية والمدرسة الأميرية الوسطى، وأخرى شمال الشهداء. وهذا اللهو البريء وغير البريء، لم يمنعهم من البحث عن التعليم الحديث. ووجد الجادون منهم مبتغاهم في مدرسة (سوميت) التي كانت تعلم الإنجليزية وقليلا من الرياضيات. وهذه مواد تساعد الطالب في المنافسة في شهادة الخدمة المدنية أو (Civil Service) واختصارا (CS)، وهي تعادل إكمال الدراسة الثانوية أو الدرجة الثالثة (grade three) في الشهادة. وكان يعين الناجحون في درجة خريج الثانوي - أسكيل (g) وكان بإمكانهم التقديم للكلية الحربية أو البوليس. ولكن الجيل الرائد لم يوفق كثيرا في الصعود الوظيفي أو الاجتماعي، وقنعوا بوظائف مراسلات أو سعاة أو خفراء في المصالح والوزارات المختلفة.

شهدت فترة ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تدفقا ملحوظا من سكان الأرياف نحو المدن. فقد ظهرت حركة تصنيع هدفها إحلال بعض السلع المستوردة من أوربا بأخرى محلية. وأنشئت مصانع للصابون، والزجاج، والنسيج، والمياه الغازية، والبسكويت والحلوى. بالإضافة لحركة العمران التي إنتظمت المدن. كما أن التطور النسبي في وسائل الزراعة خلق عمالة فائضة، اضطرت للاتجاه نحو المدن بحثا عن العمل وحياة أسهل. وعند الاستقلال، كانت نسبة الحضر 3.8% في إحصاء عام 55/1956 لتقفز لنسبة 7% في أواخر عام 1966. ولكن المدن وكل البلاد، ظلت بلا تخطيط حديث، وتعاني من ندرة المخططين، والمهندسين المعماريين والمدنيين والاقتصاديين، المتخصصين في علوم تخطيط المدن والقرى ومن قحط فرص تدريبهم محليا أو في البلدان الأفريقية والعربية المجاورة". (صلاح مازري، مجلة الدراسات السودانية، يوليو 1968، ص 53). وبدأ مع تزايد الهجرة، ظهور الأحياء الطرفية أو (الديوم) لإبعاد الأهالي القرويين من الامتزاج مع الحكام والأجانب، ولاحقا مع بورجوازية السودنة. وكان هؤلاء المهاجرون يدعون الانتساب للبندر أو العاصمة. وقد كان تعليق (عبدالله طه) صحيحا حين وجد المهاجرون من (القُرير) يسكنون في أطراف أم درمان الشمالية (أمبدة والثورات) والخرطوم الجنوبية (الديوم والكلاكلات)، وفي الفترة الأخيرة زحفوا لأقاصي شمال الخرطوم بحري وأم درمان. وحين عاد للبلد أشاع أن الجماعة يغشوننا ويقولوا ساكنين العاصمة!

شرع المهاجرون في الاندماج، وقطع بعض الروابط الاجتماعية والأخلاقية. ومن أسهل أشكال التغيير اكتساب عادات اللهو والتمرد. كان أغلبهم يتعاطى العرقي في القرية وهنا في العاصمة عرفوا البيرة والشري بكل المسميات. ولكن المهم مصاحبة الطرب مما يحول الشراب إلى قعدات. وكان يسكن قربهم في الموردة أو العرضة الفنان (إبراهيم عبدالجليل) وعرف المهاجرون أغاني الحقيبة، والكاشف وحسن عطية، وعائشة الفلاتية، وأم الحسن الشايقية. وأندمجوا في لعب الورق في المقاهي المنتشرة، وطبعا لم تكن دار الرياضة بعيدة. ووصل المطاف ببعضهم للانضمام للجبهة المعادية للاستعمار (القريبة من الحزب الشيوعي) وتدربوا على العمل النقابي وافتتحوا حلقات محو الأمية للقادمين الجدد. وأسسوا أندية حسب مناطق قدومهم في السجانة والديوم وصار من المعتاد أن تجد لافتة تحمل (نادي أبناء...).

كانت قصيدة خالنا (محمد الأمين أحمد بابكر) من وسائل مقاومة الهجرة وقسوة المدينة، والتي يستهلها بقوله: "الفطين محمد الأمين أحمد تعانده أيامه، هلموا وأصغوا لقصيدته المؤلمة"، حيث يقول:

لي زمن في المدن الثلاثة خالي من أشغال يا دري
كان قصدي فيها الوظيفة واستقيم استقامة ظريفة
حتى نفسي تكون لي عفيفة أصبحتلي الرايحة الطفيفة
وفي الأرض ولو تعريفة تختفي وتقول لي جري

وهي قصيدة طويلة ومعبرة عن مصائر الكثير من القرويين القادمين بغير أسلحة فعّالة من العلم والخبرة لغزو المدينة القاسية، وفي النهاية يقول: ما اكتسبت خلاف الجري

اكتسب الشايقية - لاحقا - صفة أنهم "حنينين" بسبب أغانيهم المنتشرة، وهم ليسوا كذلك، ويعود ذلك لندرة الموارد (الأرض بالذات) مع طموحاتهم الزائدة. ولكن هجرتهم للعاصمة بكثافة وبعدهم عن قراهم وأسرهم، أجبرهم على الغناء خاصة وأنهم كانوا يصحبون معهم طنابيرهم أينما حلوا. وقد كان السفر والهجرة هي أمل الجميع، وتنذر فتاة شايقية، الفكي صاحب القبة في حلتهم قصاد منزلهم، إنذارا شديد اللهجة، وتخاطبه:

ود (الأريل) يالقبُل أهلنا (قبُل=قصاد منزلهم)
ياسفرنا يا قوم من قبلنا (من جهتنا)

وتسمع السماء دعوتها، فيتزوجها عسكري في مصر، وتسافر له في شمال الوادي.

ولكن سوط حسد وغيرة رفيقاتها، يلاحقها، ويقولوا عنها "شينة"، فترد عليهم:

الكريم لي عبدو إن عطا
لُوُ سماحة ولا شنا
الدهب بي هدمي غطاه
وتنطلق يدي على العطا

وفتاة أخرى تعبر عن أمنياتها، والتي تتحقق، فتعبر عن أحوالها في الحالتين:

نسكن عين شمس ياسمحة الزي
ويكون غير الصلاة ما لينا شي
بعدين أن حييت لو مت شن لي

وتحكي عن تحقق الأمنية:

وصلنا الشلال عشية
وقلبت غياري مصرية
ويلاقونا الأفندية
…

نسكن عين شمس ياسمحة الذات
وأكلنا البسكويت عالي الحلاوة "

وتقول أخرى وقد أنقذها القدر من البؤس الذي كان ينتظرها في البلد:

الله مو ظلّام حاشا حاشا
تغير بدلاتا عاشة
قولو لي حباني غسلتو وكويتو (تحكي عن الشعر بعد وصول مصر)
كمان تبع الموضة من قدام قصيتو


المدن والقرى تحاكي الطبيعة ممثلة في النساء والأشجار في شكلها وطبائعها، فهي ليست مؤنثة لغة فقط بل رمزا ومجازا يلامس الحقيقة. فـ (القُرير) أنثى متقلبة الشكل والروح حسب المواسم، فهي أحيانا تشبه شجرة الليمون في شكلها من حيث (الصفق) الرقيق الدقيق، والثمار خاصة عندما تكون خضراء اللون، وندية وتعبق مع مس قشرتها. ولكن هواي في تشبيهها مازال في (المنقة) الشم، الطعم، والملمس، والنظر وكنت في صباي أُشبه النساء حسب أنواع المنقة الموجودة في جنينة جدي (أحمد) التحت وهي على اتجاه البحر والفوق عكس هذا ونحو الخلا، (أو بالأصح في السبيقة التحت) والسبيقة - حسب عون الشريف (ص 336) - "هي في الأصل البناية أو الزريبة التي تحفظ فيها أشجار النخل من التلف الذي قد تحدثه الحيوانات أو الأهواء". وقد كتبها جدي (أحمد) لي في وصيته مناصفة مع خالي (علي) ولكني لم أحصل على نصيبي حتى الآن.

في عالم المرأة والمنقة، نجد أن الأنثى الممتلئة بغير سمنة تشبه المنقة الهندية، وأما المنقة السنارية فهي تشبه خدود بعض فاتحات اللون الرشيقات، والمنقة الكتشنر صاحبات جمال مغرور ومتكبر، أما المنقة البلدية فهي حُسن خجول وأحيانا يكون كامنا أو محتملا قد تظهره الظروف مستقبلا وهذا ما لم يحدث، وغالبا ما تظل سقيمة أو ضعيفة. والمنقة الخرطومية تشبه أنثى تميل للطول ولكنها عادية الملامح. وكل هذه الأشكال تقابلني في أزقة القرية وأطلق الخيال. أما عشقي الجميل المستحي، فقد كانت هي بالتحديد سنارية وكنت بخيال الفتى غير المحدود اعتقد أن لها نكهة شبيهتها أيضا، فقد كان يظن أن الشكل مرتبط بالرائحة، حدسا. ورأيتها قبل مدة قصيرة في الخرطوم بعد غربة طويلة، ولم أعرفها فقد تحولت لشجرة صبّار، وبالمناسبة صبايا القرية حفيدات تلك الأشجار، سريعات الذبول، لأن الجمال الفطري لا يصمد أمام التعب، والعمل المنزلي المرهق، ومصاحبات الفقر الكافر. وينطفئ الجمال سريعا ومع مقتبل العمر بعد الزواج مباشرة، تبدأ في سماع التعليقات: "فلانة اتبشتنت بشتنه شديدة"، أو "فلانة اتبدلت" ففي المعتقد الشعبي يقوم الشيطان بتبديل الأطفال غير المحروسين وغير المحصنين.

للقرية تراجيديات علقت بعقلي من الطفولة، ففي ذات صباح استيقظنا ووجدنا - غير بعيد من بيتنا - القصب وقد التف صريفا ليشيد تلك العشة الصغيرة الكئيبة بين البئر ونبات الحلفا قبل الزراعة والجنائن (السبايق جمع سبيقة). عُرفت البقعة، بقطية (بت النعمة) المرأة الغامضة التي لا يُذكر لها اسم والد أو أسرة. وهي مثال محلي للانتماء والعزلة في درجة تقرب من تلك الفتاة الخارجة التي رُجمت في قرية فيلم (زوربا اليوناني). فـ (بنت النعمة) لا تُعتبر جغرافيا ضمن الجماعة/القرية، إذ يفصل القطية شارع لمرور السابلة والماشية، هو خط استواء وهمي بين الانتماء واللاإنتماء أو بين العفة والشكوك. وقد نسج القرويون حولها الأقاصيص، فلا يعقل أن تعيش إمرأة بهذا الأسلوب - وحيدة - كما تبدو نهارا، إذ يقال أن بعض الرجال يزورها في نهايات الليل. والقصة الأكثر شيوعا أنها مصابة بالمرض "الكعب". وكنت أحييها أحيانا وأنا نازل - لاتحت - أو مدلي (جهة النهر). وذلك لأنني كنت المح فيها بعضا من شبه قريبنا (الطاهر) أو (الطويهر) النحافة، شدة السمار مع صفاء شفيف، تلك البسمة اللانهائية، والود غير المحدد من العينين ذوات البرق الخاطف، وكلمات تشعر بقرب مجيئها ولكن لا تنطق أبدا. مات الاثنان دون أن يقولا ما يريدان قوله وشرحه. كان (الطاهر) يوزع الجوابات القادمة للقرية ويمر على كل البيوت يضحك وينكت. وفجأة اتهم بالجنون وربط داخل غرفة صغيرة مظلمة ويأتي (الفكي) في المغارب، ساعة زيارة الشواطين، ويقوم بجلد الطويهر بالسوط حتى يغمى عليه. وبالليل كان يصرخ طوال الوقت ولا أحد ينجده وقد لدغته العقارب أكثر من مرة. ومضى الاثنان بسبب المرض (الكعب) السل أو داء الصدر، أو ابتلاءات أخرى، وهما نموذجان لبؤس الريف وقيمة إنسان الفقر مهما تحدثنا عن التكافل الاجتماعي. هؤلاء أسميهم (العابرون) أو (الأطياف) يأتون الحياة من هذا الباب ويخرجون من الباب الآخر دون أن يروا شيئا أو يتركوا أثرا، فليس لهم ممتلكات أو ورثة أو ذكرى.

كان لأهل القرية "الأصليين" من الشايقية مواقف شديدة العنصرية، مبنية على انطباعات وتضخيم لتجارب سلبية وجعلها قواعد تعامل. فالموقف من العرب الرحل، يرى فيهم لصوصا، لأن مناطقهم قاحلة وليس لديهم إمكانية زراعة. وينطبق نفس التقييم وبصورة أدنى على الحلب، وهو وصف لأصحاب اللون الفاتح. وهم يشتركون مع العرب في التجول وهذا يعني أنهم لا يملكون أراض أو ما يُسمى بـ"الحق"، وهذا عيب كبير ونقص في المكانة الاجتماعية. ويرون جيرانهم (الرباطاب) مسيخين و"ناس مشاكل"، عكس جيرانهم من الدناقلة المساكين. كان (الرباطاب) بدوا، وتحولوا لمزارعين وينتجون بعض أجود أنواع البلح. وكانوا يتجولون ويجلبون بعض الأعشاب الطبية مثل العرب.


كانت الخرطوم في الستينيات، شابة نضرة، ترتدي مريلتها الزرقاء الفاتحة، وتنتظر البص لتذهب لمدرستها الـ (Unity High School). وكانت الخرطوم بهية ومرحة، ضئيلة الجسد. ويتجلى مرحها في ميل سكانها للشرب والطرب، وكأنهم من بقايا العصر العباسي. وقد قال أحد شعراء المدينة (حسين عثمان منصور): "يا سقاة الكأس من عهد الرشيد مالي كأسي أبدا وحيد؟"، بل ويذهب بعض عشاقها أبعد، حين وصفوا أنفسهم بأنهم أغريق سود (المحجوب وحليم في (موت دنيا)) فعادوا بأرواحهم لـ (أثينا) بصخبها و(باخوسها) وخمره النقية، كما وصفها (صلاح أحمد إبراهيم).

كانت المدينة تحارب الضجر وحرارة الجو النهارية بالهروب إلى القعدات الليلية ومشروبات الروح. والإسلام عندما دخل البلدان الأفريقية، لم يتشدد كثيرا في موضوعي المرأة والخمرة، وتكيف مع الثقافات المحلية لحد كبير. ولم تظهر المواقف المتشددة إلا متأخرا، علما بأن موضوع تحريم الخمر كان قد أثار - تاريخيا - قدرا كبيرا من الجدل بين المسلمين ويقول (ابن الرومي) في هذا الخلاف:

"أحل العراقي النبيذ وشربه وقال الحرامان المدامة والسُكر

وقال الحجازي الشرابان واحد فحلّت لنا بين اختلافهما الخمر

سأخذ من قوليهما طرفيهما وأشربها لا فارق الوازر الزور"

المقصود بالعراقي الإمام (أبوحنيفة) وكان مرنا، فقد نشأ مذهبه في الكوفة منسجما مع ظروف المكان وطبائع الناس. وكانت الكوفة مركزا لتجمع الموالي المسلمين من غير العرب ومن بعض العرب المسلمين المتأثرين بأجواء الحرية ولقربهم من حضارتي الروم والفرس. والحجازي هو الإمام (الشافعي) والذي يتمسك في مذهبه بالنص وضرورة الإجماع.

ورث السودانيون حب الخمر من أجدادهم العرب والنوبة معا. فقد شربها العرب في الجاهلية والإسلام، ووصفوها بأحسن الصفات، وأكثروا من أسمائها. وكانت تعني لهم الصحبة والفرح واختبار البذل والكرم. ويروى أن أحدهم ويدعى (شحيم بن وثيل الرياحي) قد لامته زوجته (حدراء) على شرب الخمر، فقال يخاطبها:

تقول حدراء: ليس فيك سوى الخمر مُعاب يعيبه أحد
فقلت أخطأت، بل معاقرتي الخمر وبذلي فيها الذي أجد
ويحك لولا الخمور لم أحفل العيش ولا أن يضمني لحد
هي الحيا والحياة واللهو لا أنت ولا ثروة ولا ولد

فالخمر عند كثير من العرب تساوي كل الدنيا وما فيها، ويفضلها على الزوجة، والمال، والأبناء. وقد انتشرت ظاهرة الحانات، "وسيرورة مجالس شراب الراح الفواحة العُرف، الممزوجة والصرف ومارافقها من شدو ورقص ومجانة ومفاكهة وقارضة في المجتمع العربي والإسلامي والعباسي منه بشكل خاص، فحدّث ولا حرج على الرغم مما فرضته التعاليم الدينية من قيود على شرب الخمر وعلى المتاجرين بها، من قصاص". (سليمان حريتاني: الموقف من الخمر. دمشق، دار الحصاد، 1996، ص 95) وقد كانت الخرطوم والمدن السودانية تعج بالحانات (البارات) والمطاعم والفنادق، التي تقدم خدمات شرب الخمر. يضاف لذلك بيوت الدعارة العلنية والأنادي (البارات الشعبية). وقد انتشرت البارات والمقاهي في وسط الخرطوم مما يسمح بالشرب في وضح النهار ومن طاولات تطل على الشارع. ففي منطقة المحطة الوسطى تتجاور أمكنة البهجة والترويح بخدماتها وتسهيلاتها المتنوعة والمتميزة حسب كل ذوق ومزاج. ففي مكان البنك التجاري الحالي وجنوب مكتب المحطة الوسطى، كان هناك (شناكة) و(خبّاز) وغرب سوق الخضار، كانت سطوح فندق (رويال) وشرق السوق (مطعم الاستقلال) وعلى الناصية الجنوبية الشرقية بار الخواجة وكان أول ما أحرقه المتظاهرون في ثورة 21 أكتوبر ومعه أجزخانة (شاشاتي) وصحيفة (الرأي العام) قرب مدرسة الخرطوم العتيقة التي كان يفترض أن يفتحها (رفاعة الطهطاوي) وهدمت وبني مكانها (برج بنك البركة الإسلامي). وليس بعيدا من مباني جامعة (القاهرة) كانت حانة الفئات الراقية وصاحبة المزاج المميز أعني (Gordon Music House) أو اختصارا كما يُردد (GMH) وترتاد نفس الفئات على شارع (فكتوريا) أو (القصر) حاليا، بار الـ (GB) أو (Great Britain). واختصارا للتفصيل، في نفس المنطقة، نجد (فندق الأكربول) و(الشرق) و(الواحة)، ومطاعم (باندونق) و(علي السيد). ولا ننسى أندية الجاليات الأجنبية.

كانت الخرطوم فتاة مرحة طروب، وقد عرفت أيضا الكازينوهات التي تقيم الحفلات الغنائية في نهايات الأسبوع وأول الشهر وفي الأعياد، كان أشهرها (كازينو المقرن) و(الريفييرا) في أم درمان. وسمحت الحكومة بقيام (شركة البيرة) والتي كانت تنتج الشراب المفضل للسودانيين والذي غنوا له: "البيرة أم جمل والشراب أسكوب.. كب يا (...؟) بكبابي الشوب". وفعلا كانت الشركة كريمة في حجم زجاجتها فهي ضعف الحجم المعتاد عالميا. ولأصحاب المزاج العنيد، يأتي الشري في المقدمة كشراب مفضل وبالذات (شيري أبو بنت) القادم من (قبرص) وتقوم بتعبئته شركة محلية. وكانت رخص الخمور متاحة بسهولة لغير المسلمين. ولكنني أعلم أن حكمدار بوليس مشهور ومعروف بالمشاكل، افتتح بارا برخصة من الباطن، بعد تعاقده. وكان البار يفتح جنوب نادي (التحرير) الرياضي وعلى بعد 50 مترا من مدرسة بحري الثانوية. وكانت البورجوازية الصغيرة والعليا تفضل (الويسكي) أو ما تيسر، والقادمون من شرق أوربا فقد اعتادوا على (الفودكا) أما سكان شرق السودان على الحدود الإثيوبية، فكانت (الانشا) شرابهم المفضل، والعرقي في الشمال.

تعجبت من المجتمع السوداني، إذ فور إعلان (قوانين سبتمبر) الإسلامية عام 1983، تم تجفيف البلاد تماما، وكأنه لم يكن فيها "شريب" واحد. ولكن لا يعني هذا توبة وعودة حقيقية للدين، فالسودان يعد الآن من أكثر الدول استهلاكا للكحول في المنطقة، وهي أساسا خمور بلدية وصناعة محلية لا تراعي أي شروط صحية وقد يتسبب (العرقي) في كثير من الأمراض الخطيرة مثل الفشل الكلوي وبعض السرطانات. إذ يقال أن كثيرا من المواد السامة تدخل في تركيبته، مثل حجارة البطاريات، ومواد دوائية بيطرية لحقن الحصين. وتتهم (ستات الشاي) المنتشرات في كل أركان العاصمة بالترويج للخمور البلدية. وهناك النكتة الشهيرة لبائعة العرقي حين قصدها خواجة ليشتري عرقي، فصرخت: "هيه.. الخواجة أسلم!" وذلك حين تحول من الخمور الأجنبية المهربة للعرقي. ولا أدري ماذا يقصد جيلنا الستيني حين يتحدث للشباب عن: "الزمن الجميل" ويصور لهم الخرطوم وكأنها باريس؟ بالتأكيد كنا نبالغ، خاصة حين نردد مع (سيد خليفه) قائلين:

هما قدران في مجرى
تبارك ذلك المجرى
وهذا الأبيض الهادي يضم الأزرق الصدرا
ولا هذي ولا تلك ولا الدنيا بما فيها
تساوي ملتقى النيلين
في الخرطوم يا سمرا

وهي نفسها الخرطوم التي كتبت فيها الأغنية الشهيرة:

يالخرطوم ياالعندي جمالك جنة رضوان
طول عمري ماشفت مثالك في أي مكان

لم تتحول (الخرطوم) أو العاصمة المثلثة، إلى مدينة بالمعنى السوسيولوجي العلمي المعروف، فالعلاقات مازالت أولية وقائمة على المواجهة. ويعرف الجميع بعضهم بعضا مباشرة أو بواسطة آخرين. كما أن تقسيم العمل الاجتماعي، هو تضامن آلي وليس عضويا - كما وصفه (دوركايم) - ففي الحالة الأولى يظل التضامن بسيطا لأن التمايز ليس كبيرا في الأدوار، والوظائف، والتراتب الطبقي مثل الذي نجده في المجتمعات الصناعية المعقدة حيث تختفي علاقات القرابة وتحل محلها معايير الكفاءة والفعالية في الإنتاج وتكاد تكون ثقافة الحياة اليومية واحدة بين السكان. فهم يتداولون نفس حكايات وطرائف (موسى ود نفاش) و(حمودة حلاق الجامعة) و(سينا لاعب المريخ) و(الهادي الضلالي). ويعرفون (قساية) الداية، وفتوات الأربعينيات ناس (كبس الجبة). رغم أن الأمدرمانيين يحاولون تقديم مدينتهم وكأنها (باريس) أو (استوكهولم). وقد تدهورت العاصمة كثيرا وقد تريفت تماما مع الإسلامويين الريفيين الذين يجهلون كيف تكون المدن الجميلة، فهم معادون للجمال والفرح، فلو ضحك أحدهم طويلا ردد: استغفر الله، كما أن كثرة الضحك في فقههم: "تميت القلب وتوسع الدُبر". ويعتبرون الزهور سفاهة، والألوان بدعة، والموسيقي لهو أو مجون. صرت أشبه الخرطوم الحالية ببائعات اللبن القادمات من الضواحي، يختبئ في وجوههن جمال يخفيه ويطغى عليه الدهن البلدي المترب مع ثوب متسخ يبعدك حتى عن النظرة الأولى.


كانت رحلتي الأولى لخارج البلاد في مايو 1964 متجها إلى القاهرة بالقطار أو إكسبرس حلفا وهو خط قاحل بعد عطبرة تسمى المحطات النمر لأنها مناطق بلا سكان، وعندما عمل والدي في (حلفا) كنت أشعر بقشعريرة في هذه المحطات خوفا من أن أفشل في الدراسة ويرميني القدر في إحدى هذه البلاد ناظرا لمحطة. وأخذنا الباخرة النيلية من (الشلال) إلى (أسوان) وكانت المدينة شعلة من نشاط لأنها سوف تستقبل (جمال عبدالناصر) و(نيكيتا خورتشوف) لافتتاح السد العالي بعد أيام. وبعد جولة نهارية قصيرة، أخذت القطر المجري عند السابعة مساء. وفي وسط الصخب الصعيدي المتواصل ليلا، لم تغمض عيني حتى وصلنا في الفجر محطة (باب الحديد) وهو اسم لفيلم شهير إخراج (يوسف شاهين). وتعرف المحطة الآن باسم (رمسيس) لوجود تمثاله في ميدانها، ولكن تم ترحيله قبل بضعة أعوام. واتجهت نحو شارع (كلوت بك) الذي عرفت ماضيه من الروايات، بأنه قد كان مخصصا لبائعات الهوى. قبل أن تمنع الدولة في نهاية الأربعينات الممارسة العلنية لأقدم مهنة في التاريخ، وصلت ميدان (العتبة الخضرا) ووجدت فندق مكتوب عليه (الأندلس) دخلته وسألت عن سعر الغرفة، فرد الموظف: خمسة وعشرين - إرش - أو (ربع جنيه) بالفطار. ورميت بحقيبتي البائسة، نازلا نحو مصدر أصوات عالية تصيح: "أي كتاب بإرش (قرش)!"، وجدت نفسي في (سور الأزبكية)، عدت بالغنيمة الأولى للفندق وضعتها ونزلت ثانية. وعلى بعد خطوات كانت (الأوبرا) القديمة، أمامها تمثال (إبراهيم باشا) على حصانه يؤشر، وعلى يساره كازينو (صفية حلمي) وملحق بها سينما هادئة، شاهدت فيها فيلم (Lawrence of Arabia). وشاهدت (عمر الشريف) الذي كرهته بسبب (فاتن حمامة) وهو ممثل مجيد على مستوى عالمي، يمثل مع (بيتر أوتول) و(انتوني كوين). وفي الشمال بشارع الجمهورية نفسه كان (مسرح الجمهورية) وشاهدت فيه مسرحية (الفرافير) تأليف (يوسف إدريس) وإخراج (كرم مطاوع) وبطولة رائعة ل(عبدالرحمن أبو زهرة). وقد صادفت في زيارتي الأولى للقاهرة مناسبتين خالدتين، الأولى: افتتاح السد العالي، والثانية ما سمي بـ (لقاء السحاب)، فقد غنت (أم كلثوم) من تلحين (محمد عبدالوهاب) أغنية (إنت عمري) كلمات (أحمد شفيق كامل).

انتشيت بالقاهرة، ومنذ ذلك الحين صرت عاشقا متيما بتلك المدينة، ورغم زيارتي لعشرات المدن تظل القاهرة هي الأولى: "وما الحب إلا للحبيب الأول". كنت أشبهها بـ (هند رستم) في جمالها، وغنجها، وثقتها، واعتزازها. فالقاهرة عالمة (من العوالم) وعالمة (من العلم والمعرفة والدين)، وتجد فيها بغُيتك شرا أو خيرا، حسنات أو سيئات. وتيقنت أنه فعلا "اللي عمل مصر كان في الأصل حلواني". ولكن عشت وعرفت لأول مرة قسوة المدينة. وصدقت شعر (أحمد عبد المعطي حجازي) في ديوان: "مدينة بلا قلب"، وبالذات قصيدة (الطريق إلى السيدة)، التي يقول مطلعها:

يا عمّ..
من أين الطريق ؟
أين طريق " السيّدة " ؟
- أيمن قليلا، ثمّ أيسر يا بنيّ
قال: ولم ينظر إلى !

زرت (الإسكندرية) وهي صبية خلاسية، وتذكرني بصبايا (الحنفص) أي نسل أب إيطالي وأم إثيوبية. ولكن الفاجومي (أحمد فؤاد نجم) وهو من المحبين أيضا للإسكندرية، وقد كفاني جهد التغزل فيها، يقول فيها:

يا إسكندريه
بحرك عجايب
ياريت ينوبني م الحب نايب
تحدفني موجه
على صدر موجه
و البحر هوجه
و الصيد مطايب
أغسل هدومي
و أنشر همومي
على شمسه طالعه
وأنا فيها دايب

كانت الإسكندرية معبرا انطلق منه للشمال بدءًا من اليونان، ولكن في السنوات الأخيرة صار لدينا لقاء فكري سنوي تنظمه (مكتبة الإسكندرية) المتميزة، ومديرها د. إسماعيل سراج الدين. وأقضي فيها بعض أيام ربيعية كفيلة بشحن الروح حتى الصيف.

كانت (أديس أبابا) أو الزهرة الجميلة، صبية خالدة لا تعبأ بالزمن، "الزمن رايح وأنت جايه"، تظل نضرة وناعمة وباسمة بشعرها المنفوش في فوضى خلّاقة صرنا نسميها ال (afro-look). وللنساء عبق بخور ما، أظنه عُجنت به طينة الصنع الأولى. ويمكن أن تميز تلك الرائحة ولو كنت في المريخ وستقول في هذا المكان إثيوبية أو حبشية. زرت تلك البلاد التي أحببتها، مرات كثيرة وتجولت في قراها الداخلية متتبعا خطي الشاعر (رامبو)، واتخيلت أنه في (سودري) أو (دبر زيت). ومن الصدف أن صار صديقي وزميلي بجامعة فرانكفورت (منقستو قدادة) رئيسا للدولة بعد أن كدحنا سويا ثم حصلنا كأفارقة أو عالمثالثين على منحة من مؤسسة (فريدريش إيبرت). فقد نص الدستور الفدرالي على تخصيص منصب رئيس الجمهورية الشرفي لأكبر قبيلة وهي (الأرومو). وكان (قدادة) هو الأروموي الوحيد الحاصل على دكتوراة. دعاني لزيارته من خلال سفارة (إثيوبيا) بالقاهرة، واعتذرت بأنني لا أزور الرؤساء في القصور.

كنت أغادر من ميناء (الإسكندرية) حتى ميناء (بيريه) ومنها بالمترو إلى (أثينا). وكنت اشترى بطاقة سفر رحلة الباخرة من وكالة (كونتوميخالوس) في السوق الأفرنجي بـ 3 جنيهات وربع الجنيه سوداني. وكانت (أثينا) مدخلي لأوربا لأول مرة عام 1966م، وهي مدينة بسيطة وصديقة لا تشعر فيها بالصدمة الحضارية التي قد تنتظرك في أوربا الغربية، فتتقبلها بالتدريج. ولم تكن (أثينا) غريبة عليّ فقد كنت أقابلها أحيانا في سوق الخرطوم الأفرنجي في الستينيات، قرب مخبز (بابا كوستا) في شارع الجمهورية. وبنات الإغريق لم يرثن من جدتهن (أفروديت) الكثير، كما لم يأخذ الرجال من أجدادهم (أفلاطون) و(أرسطو) فلسفتهم وحكمتهم، واكتفى أكثرهم بالجبنة والشاورمة والنبيذ. ولذلك أفلست الدولة ووقعت تحت ما يسميه المتطرفون: "الاستعمار الألماني الجديد". رغم أنني أزور أوربا للمرة الأولى، لم أشعر بأن الإغريقيات ذوات جاذبية خاصة، ويستحيل أن ينافسن في إثيوبيا أو المغرب أو إيران.

كان ميدان (أومونيا) هو مركز المدينة، صاخب وحَي. وأذكر أننا - مع عبدالوهاب أحمد عبدالرحمن - شاهدنا فيلم (Sound of Music) هناك. وبالمناسبة حين وصلت السودان بعد 3 أسابيع، كان الفيلم يعرض في سينما (الخرطوم غرب). كما صادفنا على السيد (فريد طوبيا) وأسرته، وتعرفنا عليهم في تلك المنطقة. وهو من رجال الأعمال البارزين ولاعب تنس ماهر، ووالد الناشطة (ناهد) أو (مشمش) - كما كانوا يدلعونها - وهذه من ميزات السفر، إذ لم يكن من الممكن لأمثالنا التعرف على هذه الطبقة بسهولة في السودان، لانعدام ما هو مشترك.

أما المدينة الأنثى الساحرة والمبهرة فهي (فرانكفورت) تلك المرأة الأربعينية بساقيها الطويلتين الرشيقتين، وشعرها الأشقر أو البلوند المرسل بفوضى خلاقة، وفي كامل مشمشها، احتضنتني بقسوة - امتلاكا لا حبا - مدينة عولمية أو كوسموبولتينية (cosmopolitan)، وإذا أردت أن ترى العالم في قبضة يد واحدة، فعليك بالذهاب لمطارها. ورغم أنها مسقط الشاعر (غوته) (1749-1832) وتحمل الجامعة التي درست فيها اسمه وقد غلب على المدينة الطابع التجاري وصارت تشبه المدن الأمريكية.

زرت الكثير من المدن واستوقفتني بعض المدن مثل دبروفنيك (يوغسلافيا السابقة) وباتايا (تايلاند) وفاس ومراكش (المغرب). وهي تسحرك بجاذبية خفية، ويشع فيك إحساس تتمنى أن تتخلد علاقتك معها. وعندما أفكر في شيخوخة أتمنى أن أمضيها في واحدة منها. ترقد الأولى والثانية في استرخاء لذيذ على شاطئ طويل، ونظيف، ومرحب. أما المدينتان المغربيتان فترقدان في الزمن، ويعبق من عرقهما التاريخ حين يشتد الحر وتنتصف الشمس في السماء.

من أهم مغامرات السفر في حياتي كانت الرحلة مع مجموعة (فالتر فيلز) (Walter Wills) لتصوير أفلام وثائقية ذات طابع إثنوغرافي في مصر والسودان. فقد اختاروا زميلنا (برنهارد اشترك) (Streck) مستشارا علميا، وطلبوا منه مدهم بمترجم يفضل أن يكون من المنطقة. (برنهارد) اقترحني وقبلت بعد أن وافق مشرفي بروفسير (كروننبيرج) على أن أؤجل مناقشة الرسالة. وبدأت الرحلة في منتصف يناير 1977 بسيارتين من طراز (Unimog) التي استعملها الجيش الألماني في الصحراء خلال الحرب العالمية الثانية. وقد زودت العربتان بكل ما نحتاجه من طعام ووسائل وجود وحياة، طوال الرحلة التي خُطط لها أن تستمر ثلاثة شهور ونصف. وانطلقنا من ميونخ في شتاء قارس، وانتهت في (كبويتا) ثم (جوبا) منتصف أبريل. وكانت مغامرة حقيقية وتعرضنا لصعوبات وصلت أحيانا التهديد بالقتل، كما أوقفتنا الشرطة في دنقلا بتهمة أننا مرتزقة آتين من ليبيا، وفي كبويتا بنفس التهمة ولكن آتين من كينيا. وكان السودان قد شهد قبل أشهر قليلة في يوليو 1976، ما عُرف بالغزو الليبي أو "غزو المرتزقة". ومن نتائج الرحلة فيلم رائع عن (القرير) عرضته القناة الألمانية المعروفة (Fernsehen Suedwest) يوم 2 يونيو 1978 في برنامج بعنوان (Laender-Menschen-Abenteuer: Wiedersehen mit Nubien) كما انتجنا أفلاما عن الواحات المصرية: الفرافرة والداخلة والخارجة وباريس وفي السودان عن طقوس (الأنقسنا) و(الشلك).

كان عليّ في هذه الرحلة مواجهة العنصرية الألمانية بمثلها، وقد تعودت على ذلك. فالملاحظ أن الألمان يقدرون القوة بأشكالها المادية والمعنوية، وكذلك الثقة في النفس، ولا يحترمون الضعف والتملق. وكنت في بيت الطلبة أو الـ (Heim)، لا أبادر بتحية من أعتبرهم عنصريين حين ألاقيهم أو في الصباح، وقد لا أرد على تحية لو كان صاحبها تجاهلني مرة. وكنت أسمعهم أحيانا "يقطعون" فيّ، مطلقين عليّ صفة ال- (Arrogant Nigger). وكانت أسرة (فيلز) أي (فالتر) وزوجته، نموذجا للعنصرية التي يصعب إخفاؤها. وكنا في مناوشات دائمة، وللأسف علمت أخيرا بانتحاره.

السفر الدائم، قصيدة (نجم) في رثاء (زكي مراد) بعنوان مسافر:

مسافر مسافر ودائما مسافر
كأنك بطبع العناد سندباد
و عاشق وعشقك بعيد البلاد
مسافر تودي الوداد للرفاقة
مسافر تجيب الحليب للولاد
و يوم ما اتقابلنا قابلتك مسافر
و يوم ما افترقنا فارقتك مسافر

شارك الصفحة

ليصلك جديد الموقع

نضيف تباعاً كتب حيدر إبراهيم علي ومقالاته وصوره. اترك بريدك الإلكتروني لنعلمك بكل جديد.

توثيق أعمال حيدر وكتاباته وصوره

هل لديك كلمة في رثائه، أو مقال كتبه أو كُتب عنه، أو صور وتسجيلات له؟ أرسلها لنشرها.

أو يمكنكم مراسلتنا مباشرة علىhayder@ssc-sudan.org

ماذا تريد أن تضيف؟